شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الصالونات الأدبية.. منارات ثقافية ـ عبدالباري أحمه

74

 

 

 

 

 

 

 

لم تكن فكرة الصالونات الأدبية حديثة ولا جديدة على المجتمعات البشرية، فهي قديمة قدم الحضارات الإنسانية، ولكن بأشكال مختلفة والغاية واحدة، فكانت اللقاءات عند الفراعنة بمثابة تجمعات للشعراء والمطربين، يتم فيها إلقاء الشعر والغناء، ولم يكن المجتمع الإغريقي بأقل أهمية، بل كانت لديهم أيضاً تجمعات ثقافية يتناولون فيها الشعر، أما عند العرب فكانت المبارزة تشتد في لقاءات الشعراء الفطاحل في سوق عكاظ، وكان هذا السوق بمثابة صالون أدبي وبامتياز.

 

الصالونات وأهميتها :

 

بكل المقاييس المعرفية والثقافية تهتم الصالونات الأدبية والمنتديات بالمناقشة والحوار والنقد والتنوع الثقافي، وممارسة هامش  ديمقراطي، واكتشاف أشكال من العلاقات الأدبية والاجتماعية، وقد يكون الإبداع عنواناً إضافياً لأي لقاء في هذه الصالونات والمنتديات، ففي السنوات الأخيرة حظيت شمال وشرق سوريا بأكثر من صالون ومنتدى نتيجة المتغيرات في سوريا وخاصة بعد 2011م.

 

 

 

 

بعيداً عن التعريفات والمصطلحات الخاصة بالصالون الأدبي، كون كل المعاجم تتفق على أن الصالون هو مكاناً (غرفة/ قاعة) يجتمع فيه مجموعة من المثقفين يتناولون فيه نصاً أدبياً، أو نقاشاً أو سجالاً في حالة معرفية، فقديماً ربما كان الجانب الأرستقراطي طاغياً على بعض الصالونات، وفي بعض المجتمعات كانت المقاهي تلعب دوراً رئيساً في هذا المجال، حين يدعو أحدهم عامة الناس للمقهى ويتناولون شكلاً أدبياً، وتطورت هذه المقاهي الشعبية (الصالونات) إلى مجالس خاصة ترتادها الطبقات الثرية وحتى النخبوية، لهذه الأسباب وغيرها ساهمت الصالونات والمنتديات في تغيير النمط السائد في تناول الثقافة واكتسابها، والسؤال الأهم هل نشهد عودة جديدة للصالونات الأدبية؟

 

نماذج للصالونات الأدبية:

 

كما ذكرنا أعلاه، فقدت شهدت شمال وشرق سوريا ظهور العديد من الصالونات والمنتديات والتجمعات الأدبية، والتي كانت جل اهتمامها نشر ثقافة الحوار والنقاشات الثقافية والأدبية، ولعلي هنا أذكر نماذج ظهرت في مدينة قامشلو/ القامشلي ومنها “ندوة المثقف” التي انطلقت في عام 1994م وكانت من أولى المنتديات الثقافية، وقد  حدد القائمون على هذا المنتدى الأسبوع الأخير من كل شهر لعقده، حيث كانوا يتناولون فيه محاضرات قيمة في التاريخ والفكر والفلكلور واللغة والأديان وتاريخ الحركة السياسية الكردية، وكل ما يتعلق بمفاهيم المجتمع المدني والأدبي من شعر وقصة وغيرها من الفنون الأدبية.

وهناك “منتدى الإصلاح والتغيير” الذي انطلق قبل خمس سنوات ونيف لمناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية فيما يتعلق بالتطورات السياسية في سوريا والبحث عن الحلول الممكنة، وقدّم المنتدى أكثر من أربع وسبعون محاضرة وحلقات نقاش في أكثر من مدينة في الجزيرة.

كما ظهر “صالون ميتا” الذي كان يهتم بالنقاش حول المؤلفات الأدبية وتقييمها، وخاصة الروايات العالمية، ولكن هذا الصالون وللأسف توقف نشاطه بسرعة للأسف، ولعل من بين الصالونات التي ظهرت خلال العقد الأخير والتي لاتزال قائمة حتى هذه اللحظة “صالون شاويشكا” الذي انطلق عام 2012م، والذي يهتم بمناقشة الروايات العالمية والعربية والكردية، بالإضافة إلى جلسات حوارية تتعلق بالشأن العام الخاص بالمرأة.

 

أسباب ضعف الصالونات:

هناك جملة من الأسباب التي تساهم في ضعف و تطور الصالونات في منطقتنا، منها أن التنظيمات الثقافية (اتحادات الكتاب) لا تلعب دورها الريادي في استقطاب المهتمين، كون أولى المهام لهذه الاتحادات تنشيط الحركة الثقافية والاهتمام باللقاءات والندوات والاهتمام بكل متميز، وعقد مهرجانات تنافسية تساهم في إغناء الحالة الثقافية، بذات السياق تبقى للحركة السياسية دورها الأكبر في دعم وتنشيط الحالة الثقافية، وتقديم الدعم المادي للأندية الثقافية وتوفير هامش ديمقراطي بالنقاش والنقد والحوار، والعاتق الأكبر يقع على المؤسسات والاتحادات التابعة للإدارة الذاتية في تفعيل الحالة الثقافية ولكل المهتمين ومن كل المكونات، لأن الثقافة ليست لها إلا دور واحد وهو الارتقاء بالمجتمع نحو ذهنية مجتمعية تساهم في الحوار بين الثقافات المتنوعة في المنطقة.

رغم ابتعاد الأغلبية من المثقفين عن القراءة وربما لأسباب جوهرية مثل سعر الكتاب في الأسواق والمكتبات، وضعف الحالة الشرائية لدى أغلب المهتمين، وعدم قيام الاتحاد بدورها المثالي في تنشيط هذه الظاهرة، وقد تكون الانتماءات الحزبية سبباً لضعف الاهتمام من قبل المستقلين بالمتابعة، وفي الفترة الاخيرة بات كل مثقف أو كاتب يصنف نفسه بالنخبوي ويبتعد عن الأجواء الاجتماعية متناسياً أن من واجب كل مثقف أن يكون فعالاً أكثر من غيره في تطوير الثقافة والوعي بين الناس، وكأنه نسي ما قال غرامشي عن (المثقف العضوي) أي أن يكون المثقف والكاتب أكثر الناس تفاعلاً وتفعيلاً في المجتمع.

رغم كل الاشكاليات التي تساهم في ضعف وانتشار الثقافة، وابتعاد أغلب المهتمين والكتاب عن هذه الظاهرة، ألا أن العودة لتفعيلها ليس بالأمر الصعب، بالمحصلة ورغم الغياب النسبي لدور المثقف، إلا أن أصحاب الأقلام الحرة لا يركنون ولا يهدئون بل يتجاوزن بحراكهم الثقافي كل سلطة، ولا يساومون على مبادئهم الوطنية والمجتمعية.

ويمكن تجاوز بعض المعوقات عندما تتحرر الأقلام من قوقعة الأيديولوجيات والسياسات المختلفة وتخرج الثقافة والمثقف إلى فضاءات عملها الوطني بعيداً عن أدراج المكاتب، من هنا يجب أن ندرك بأن الثقافة ليست مؤسسة ربحية بقدر ما هي حالة وطنية ومرجعيتها الحقيقية الوجدان والعقل، بهذا الشكل قد نميز بين المثقف الملتزم بقضايا شعبه ووطنه، والمثقف الذي جعل من الثقافة حالة نفعية وشخصية (المثقف الانتهازي) فنراه بلا موقف وما أكثرهم اليوم، حتى بات البعض منهم أدوات للتضليل والبعض للتطبيل، من هنا ورغم صعوبة الموقف كونه يعيش أزمة سياسية لا بد أن لا يستسلم للإغراءات المادية بل يختار طريقاً وطنياً ومجتمعياً يساهم في نشر الثقافة ويلعب دوره الريادي، وحتى يكتمل المشهد بشكل أفضل لا بد أن يتفق كل الشركاء على وضع خطة استراتيجية تنموية، وبمعية مؤسسات المجتمع المدني والادباء والمثقفين المستقلين، وتنظيم ورش العمل مع كافة المؤسسات المهتمة، وتفعيل الثقافة المجتمعية التي هي ملكاً لكل المكونات في المنطقة لأن الثقافة في شمال وشرق سوريا هي من أجمل الثقافات في العالم بل ومن أغناها.

 

خاتمة:

 

ليس بخافٍ على احد بأن الصالونات والمنتديات الأدبية واحة إضافية ومهمة في إغناء المجتمع بكل أشكال الثقافة والوعي المجتمعي، وحتى تأخذ هذه المنتديات دورها الإيجابي لا بد أن تلقى كل الدعم المادي والمعنوي من الجهات المسؤولة، كون هذه المنتديات مرآة المجتمع في تطوره، لكن ومن المؤسف أن نجد هنا بعض المنتديات الثقافية قد أغلقت أبوابها وكأنها أنهت الرسالة، وإدراكاً لماهية الثقافة ومدى دورها في رقي الشعوب وضبط الفوضى، أدعوا القائمين بأن يشعلوا أضواء منتداهم كي نلتقي ثانية ونتقاسم الكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة كانت من تراتيل زرادشت قبل أكثر من 2600 عام.

Hits: 9