شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الصالونات الأدبية بين “الفيسبوك” وجدلية الواقع ـ سعاد الورفلي

49

 

في عام 2017 كنت قد أعددت برنامجاً إعلامياً تضمن فكرة الصالونات الأدبية وتاريخ تأسيسها، والهدف من إنشائها وأوليات ظهور الصالونات الأدبية وكان التركيز والغرابة أن موضوع الصالونات الأدبية لم يقتصر على العصر الحديث، إنما كان امتداداً لعصور سالفة، تلك العصور اشتهرت بازدهار اللمحة الأدبية وتقدمها وظهور الترجمات ودخول كتب الفكر والفلسفة من اليونان وغيرها وترجمتها وفسح المجال لمناقشتها وعرضها، وتخصص الكثير من الأدباء آنذاك في ترجمة كتب الهند واليونان، كما حدث في العصر العباسي وبالأخص- الثاني؛ فكثر الجدل وتنوعت الفرق وتخصصت العلوم، بينما ازدان العصر الأندلسي وتميز عن غيره من العصور التي سبقته بفنون متنوعة سواء كان في العمارة والتفنن في الإغداق عليها وكان للأدب نصيب وفير في تلك الفترة كما في صالون الولاّدة بنت المستكفي، بالإضافة إلى الانفتاح الحضاري على الأمم والأخذ منها والإضافة لها.

ولم تتوقف الحاضرة الثقافية عند حد معين في عصر من العصور بل كانت الشغل الشاغل لكثير من المهتمين آنذاك.

إن فكرة الصالونات الأدبية في بدايتها جاءت بعفوية دون تخصيص ما؛ حيث اشتهرت الفترات بإطلاق كلمة مجلس وانتشرت منذ فترة طويلة في العصور الأولى وأطلقت أسماء المجالس منسوبة إما للمكان أو منسوبة لأصحابها، فمثلاً في العصر الأموي مجلس عبد الملك بن مروان والحسن البصري، وفيما تلت من عصور تنوعت وتعددت المجالس لتلقي العلوم كمجلس أبي علي القالي في قرطبة . وكثرت مجالس الندماء والأصدقاء ومجالس الغناء والترفيه مثل مجلس زرياب، وكانت تصنف في ذلك أسماء للكتب مثل بهجة المجالس وأنس المجالس وغيرها.

أما عن تأثير هذه المجالس في المجتمعات فقد تطرق لها الكثير من الأدباء والكتّاب لبيان أهميتها الفكرية والأدبية، حتى قال في حديث الأربعاء عميد الأدب طه حسين “إن المجالس الأدبية على مر العصر قد أثرت في حركة الأدب والشعر تأثيراً كبيراً”.

وكان الدور الريادي الواضح في العصر العباسي واهتمامهم الكبير بهذه الحلقات التي تدار في شكل مجالس، إلا أن أكثر انعقادها كان في قصور الأمراء والولاة يستقبلون من خلالها المفكرين والبلغاء وأهل البيان بل يعقدون المناظرات بينهم .

وراجت الحركة الفكرية رواجا عظيما عبر كل الفترات الزمنية. واهتم النساء أيضا بالمجالسات التي تعقد لفنون الشعر والخطابة، بل أُثْريَ دورهن في مجال النقد والاستماع للشعراء والرد عليهم والتحكيم بينهم. ونحن في هذه المقالة المتواضعة لا نهدف فقط لذكر أسماء الشخصيات من الأدباء والأديبات على مر العصور لأننا لسنا بصدد إحصاء أو ذكر أوليات كما أسلفنا؛ بل إن الأمر تعدى إلى أكثر من ذلك من التأثير والأهمية والاصطباغ بكل الحضارات وتواردها من خلال المشاع الفكري والأدبي والثقافي والترجمات التي كان لها الدور العظيم في نقل الفنون العلوم وتقليد بعض الأدباء لطرق لم تكن معرفة في البيئة العربية درِبوا عليها مضيفين إليها هذا التلاقح الذي أدى بدوره في التأثير العربي المشرقي على الحضارات الغربية والأخذ منها والتشبع برؤى الفكر والأدب  واللغة.

إن المطالع لحركة الإثراء الثقافي عير العصور لن يجد العنصرية التي تعيشها المجتمعات الآن من احتكار الفكر واقتصاره على مجموعها المحيط وهجر المعارف الأخرى التي لا تستسيغها. بل كانت الحركة فيما قبل مفتوحة النوافذ كل يأخذ ويرشف وينهل من الفنون والعلوم وكانت فكرة المصدر الحقيقي للإلهام أن المعرفة وُجدت كي يتشرّبها كل الناس ولا يحتكرونها احتكار بيئة أو مكان؛  لهذا ازدهرت الحركة الفكرية واتسعت حتى كتب في الأدب العربي من هم ليسوا عرباً .. واختلطت المشارب وتلاحمت اللغات تزداد روافدها تستسيغ ما تستسيغه ومالا يروق لها يظل أرشيفا يطلع عليه العالم والمتعلم. كل تلك الحواضر لم تكن لتأتي عفواً إنما بحركة تلك المجالس التي تُعقد للمناظرات والتحكيم والقراءات، أما عن أسواق الشعر والخطابة فإننا لو طرحنا أسماء الرواد من الشعراء والبلغاء وأهل البيان من الجنسين، سنستطرد ونتوسع ونفوِّت الفكرة الرئيسة للموضوع؛ إلا أننا سنعقد الفكرة بالفكرة لنصل إلى المحطة الأهم في تكوينة الصالونات الأدبية وإثرائها للنهضة الثقافية والأدبية.

ومما لاشك فيه أن أسواق العرب قديما تعدت ستاً وعشرين سوقاً؛ كان أبرزها عكاظ الذي عكظت فيه المناكفات والبيع والشراء، بل لم يكن مكانا للتجارة فحسب؛ إنما كان سوقا أدبية تأتي إليه كل الأمم على اختلاف لهجاتها وجنسياتها يسمعون ويقدمون ويعرضون ويأخذون ويعطون، فكان مكان للتجانس الفكري واللساني .

هذه اللمحة التي عرضناها لنصل بها إلى حال الصالونات الأدبية وفكرة إنشائها قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وقبل معرفة كثير من الكتاب والناشرين والمفكرين لشبكات الإنترنت وعرض إنتاجهم من خلالها.

فتلك الفترة التي كانت مدارس الأدب تنحى اتجاهات متنوعة في رسم الخطوط العريضة بين المحافظة الكلاسيكية والتيار الرومانتيكي والواقعية وغيرها من المناهج التي صار فيها الشعراء حينها والأدباء يحرصون حرصا كبيرا على وضع أسس قوية لترسيخ مذاهبهم الفنية بكل صورها ودلالاتها المتعددة، كان من بينهم المحافظون الذين ساروا على نهج التراث العربي وموافقته باعا بباع، والحفاظ على شكل القصيدة العربية وإرثها الفني، وبالمقابل كان هناك التيار المغاير الذي شجع الظهور على القواعد التقليدية في شكل وبناء القصيدة العربية وظاهرة الأدب الحالي الكلاسيكي وإدخال التأثر العربي الغربي من ناحية الفنون والآداب وجعل هذه المدخلات من  أساسيات الفنون والآداب بأشكالها؛ بل درج الأمر على بناء النسق الفني على النسق الغربي في شكل القصيدة وطبيعتها سواء أكانت الفنون أدباً أم مسرحاً أم نثراً، فتغلغلت مثل هذه الأشكال الفنية وصار لها روادها ودارسوها ومتابعوها ومحبوها وظلت تضاهي الأصول في الاهتمام والعمل بها وإقامة المدارس النقدية لقراءتها واستكشافها. على إثر كل ذلك كان هناك بروز لمجالس الفكر والأدب للوصول إلى وجهات نظر بعضهم البعض وإقامة المناظرات والمساجلات الشعرية والأدبية وأخذها بالنقد والدراسة، فأنشئت الصالونات الأدبية التي كانت فكرتها فقط (كاسْمٍ) اعترض كثير من الأدباء واللغويين على جعل تلك الأمكنة باسم صالون، لأن كلمة صالون قيل إن أصلها معرّب رغم وجود هذه المجالس في المنطقة العربية منذ أزمنة بعيدة، إلا أن إدخال كلمة الصالون جعل منها كظاهرة تتسمى باسمها المسميات الثقافية الشهيرة كصالون العقاد، وصالون مي زيادة الثقافي، وما اعتراض بعض النقاد واللغويين على التسمية إلا من باب أن كلمة صالون تشمل في مضامينها عدة أمور أخرى لا علاقة لها بالأدب والثقافة والنقد، وكان ظهورها بمعنى التزيين وغيرها أسوة بصالونات فرنسا.

إلا أن أهمية هذه الصالونات يكمن في تأديتها الحقيقية لمعاني الأدب وملازمتها لشخص الكاتب أو الأديب أو الفنان ومعرفة ما تقوم به من نشر حقيقي للفنون والآداب، ناهيك باحتوائها على فكر أهل الأدب والأرب والمعرفة والدهاء الفكري والثقافي والشعري؛ وكانت حينها أكثر انتشاراً لشخصيات نسائية، اهتممن بالأدب والفن اهتماماً كبيراً وكن يجعلن من تلك الصالونات نافذة لفكرهن وهوايتهن ومواهبهن للوصول من خلالها للعالم دون احتكار المنطقة أو المساحة أو المكان أو البلد، لأن المفهوم الحقيقي لأية ظاهرة ثقافية أو أدبية هو الذيوع والانتشار ومخاطبة كل الأمم فلم يكن دأب الأدب منذ العصور الأولى كطبيعة عامة أنه لسان حال أمة؛ بل لكل الأمم وليس في الأدب الحقيقي تمييز أو تخصيص أو تنصيص.

ظلت تلك الصالونات الأدبية تحمل رسالة حقيقية لقراءة الآداب بكل أشكالها وأوطانها، وكان الأديب يحاول إلى جانب لغته الأم أن يتعلم اللغات الأخرى كي يقرأ آداب الآخرين وكي يوصل أدبه إليهم من خلال لغتهم، فأقيمت التراجم، والمحاورات والندوات المتنوعة.

وكانت الصالونات الثقافية سمة عصرها والعصور التالية لها لما فيها من هموم مشتركة بين المفكرين والمثقفين والأدباء، وهي منْفس اتخذه المثقفون ليستمدوا من خلاله دوام الفكر والحوار الراقي، ويشعروا من خلال هذه الندوات والحوارات القيمة بخلود الأدب والكلمة التي ستجسدهم فيما بعد.

أما في الفترة الأخيرة مع الانفتاح الشبكي والتقارب النوعي الفكري والبشري، فقد غطت تلك المسطحات المتنوعة مساحات كبيرة لتكوينة الصالونات الأدبية، ولم تصبح الأمكنة سوى إشارات تحمل أثرا لمعان تاريخية، وسيطر الفيسبوك أو يروق – لي أن أقول (سوق الفيسبوك)- على السوق الأدبية بكل حقائقها وإن كان افتراضياً لا تعدو مساحته سوى لمحة شبكية تتصل وتنفصل ويكون في انفصالها انقطاعاً حقيقياً عن العالم، الذي من خلاله تواصل الأدباء والمثقفون ورواد النهضة ووصلوا إلى حيث يريدون؛ إلى أمم ودول وثقافات وعوالم ما كانوا ليصلوا إليها لولا هذه المساحات المربوطة بروابط إلكترونية، فتأسست الصالونات الافتراضية، وتنوعت مسمياتها ما بين مجموعات (كروبات) وصفحات ومجلات إلكترونية ومناسبات تعمل بجدْولة وتاريخ محدد لإحياء مناسبة أو عقد جلسة أو ندوة، أضف إلى ذلك كله سهلت وسيلة الخطاب عن طريق استعمال الفيديو والبث المباشر فباتت وسيلة الاقتراب أكثر لعرض الأمسيات الأدبية،  ونجد من يجلس في مكان ما تبعده آلاف الأميال والمسافات عن أديب ما يلقى شعره مخاطبة ومشافهة؛ فيأخذ عنه ويحاوره ويناقشه وبهذا اتسعت حلقة الصالون الأدبي وصارت عبارة عن مساحة أكبر من تلك المساحة التي كانت تعقد في عشية يوم ما أو أصبوحة زمن ما تضم مجموعة قليلة ونخبة اتسم بها ذلك البلد والزمن ثم ينفضُّ الصالون إلى حين جلسة أخرى. تحمل تلك النخبة نفس الأفكار والاحتمالات لا تتعداهم ولا يجدها المواطن العادي إلا عنواناً في صحيفة أو إصدار شهري؛ أما اليوم فقد صار هذا البراح صالوناً أكبر لعدة صالونات مصغرة يجسد الحياة الأدبية ويبرز الشخصيات الحقيقية تلك التي كانت وسيلتها القلم والصحيفة دون وصول افتراضي بل واقعي، وجد نفسه الآن في هذا السوق الكبير يعرض إنتاجه ويتلقاه منه الإعلامي والصحفي والأديب في دول أخرى، حتى إن كثير من مثل هذه البرامج صارت تضيف سمات أخرى كبناء مواقع ومنصات وقناة على اليوتيوب. لهذا نستطيع أن نقول إن فكرة الصالون الأدبي تعدت إلى أن تتسع زواياها ويصبح تحت سقفها عالم من المفكرين والمثقفين والنقاد والأدباء والسياسيين والمشاهير من الفنانين والموسيقيين وغيرهم من كل البلدان واللغات والمنابع وصار لها جمهور يتابعها ويضيف عليها أو يكتفي بالقراءة والمشاهدة، ورواد يرتادونها ليستمتعوا بأوقات طيبة بين روابي الأدب والفكر والفن.

لهذا فإن فكرة الصالون الأدبي ارتقت حتى صارت إلى ما هو أكبر من حجم المساحة التي أنشئت عليها وضمت بين جوانبها ثلة من الأدباء المقربين يصنعون نهجاً معيناً يبثونه بكل هدوء عبر مسافات قريبة.

والحقيقة التي لا يمكننا تناسيها رغم هذا الخضم الكبير من العطاء الزخم لهذا العالم الافتراضي أن المكان الذي ينشئ من خلاله المثقف جسراً متفاعلاً مع الناس والمجتمع؛ هو الواقع فحين يكون في كل مجتمع صالوناً أدبياً أو مجلساً ثقافياً يضم نخبته ببطاقات فعلية تزكي عمل الأديب وإنتاجه فإن الحركة الثقافية داخل تلك المجتمعات سيكون مفعولها أقوى وأبقى وأرسخ، وبالتالي نصل بالواقع إلى عالم الشبكات وسوق العصر وتتقارب الرؤى أكثر من خلال التبادل الفكري بين واقعية الواقع وجدلية المتاح عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

أخيراً (إن الصالونات الثقافية الأدبية هي فرصة حقيقية لنقْل الإنتاج الفكري والأدبي من محتواه المخزون على الأرفف والطاولات؛ إلى عقول ونفوس مجتمعات عطشى لمثل هذه المادة التي تعد منهلاً عذباً تستقي منها الأدب والفن وترتقي بها ويترسخ تاريخ شعوبها).

Hits: 6