شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

تاريخ جبل الكرد – عفرين ـ عبد الله شكاكي

53

 

 

 

 

 

 

يعتبر جبل الكرد- عفرين سجلاً تاريخياً مشتركاً مع تاريخ: كردستان وسوريا والشرق الأوسط وصورة مصغرة عنها، وتفاعل مع كافة المراحل التاريخية التي مرّت عليها وأخذ خلالها نصيبه من الإخفاقات والانتصارات، وذلك بسبب: موقعه الجيو- سياسي، وتضاريسه الجبلية، وغاباته الكثيفة، وثرواته الطبيعية، ومناخه المعتدل، وتوفر مصادر الماء، وبوّابة للغزوات القادمة من آسيا الصغرى أو البحر المتوسط أو بلاد الشام، وقد سمّاه العرب المسلمون “بلاد الثغور”، وكأنه فُرِضَ عليه أن يكون حارساً لكردستان وسوريا وبلاد الإسلام، كونه على حدود الروم، وإن اختراق تضاريسه الجبلية الوعرة كجزء من سلسلة جبال طوروس والأمانوس يسهل على المحتلين دخول بلاد الكرد والعرب.

عفرين في العصور القديمة

استقبلت جغرافية جبل الكرد الإنسان النياندرتالي الأول القادم من إفريقية الشرقية قبل أكثر من مائة ألف عام، واستضافته في كهفها الشهير “دودَري Duderî” على المنحدر الغربي لجبل ليلون، وأكل من لوزها وجوزها ولحوم أبقارها (حسب ما أكدته التحاليل المخبرية)، وترك فيه ذكرياته وعظام أحفاده، فقد عثر العلماء فيه على هيكل عظمي كامل لطفل يعود تاريخه إلى أعوام ما بين (60000-45000) ق.م، وقُدِّرَ عمره عند وفاته بين (3-2) سنوات، ومن جبل الكرد انطلق بعض أحفاده نحو جنوب كردستان، ليستقروا في كهف “شانه دار” في جنوب كردستان، كما شوهدت آثار قرية زراعية إلى جانب تلة عيندارة الأثري تعود إلى الألف السادس قبل الميلاد.

شهدت هذه الجغرافية حملات: الحثيين، والآراميين، والفرس، والـﭘارث (آشكان)، والساسانيين، والإغريق، والاسكندر وأحفاده السلوقيين، والرومان، والبيزنطيين، والعرب المسلمين، والأوربيين الصليبيين، والسلاجقة والعثمانيين الأتراك، والانكليز والفرنسيين، ومن ثم ضُمّت إلى دولة سوريا المحدثة من قبل فرنسا، ولذلك كان جبل الكرد- عفرين بمثابة نقطة التقاء وتداخل عدد من الإثنيات والأقوام والشعوب والثقافات، ويتجلّى ذلك من خلال النقوش واللقى الأثرية والأوابد التاريخية، التي تذخر بها القمم الجبلية وضفاف الأنهار والوديان وعشرات التلال الأثرية والقرى القديمة، ومما يؤسف له تعرضها للنهب والتدمير من قبل الغزاة الأتراك سنة 2018.

كما شَهِدَ جبل الكرد- عفرين الانتشار السوباري (الخوري- الميتاني) أسلاف الكرد في الألف الثاني قبل الميلاد، وهم الذين منحوا سوريا(1) اسمها، وقد اكتشف في تل عينداره على عدد من اللقى الأثرية وخاصة الفخارية، تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، حيث كان جبل الكرد محاطاً بالممالك الميتانية بين القرون (12-16) قبل الميلاد مثل: بيريا (حلب)، وأرشُمْ (قرب الرها على الفرات)، وبورونْدُمْ (دولوك- عينتاب)، وإلَخُتْ (قرقميش- جرابلس)، وكيزوفتنا (أضنة)، إضافة إلى: أوگاريت (رأس شمرا- اللاذقية)، وقَطْنا (تل المشرفة- شرق حمص) وموكيش (آلالاخ- تل العطشانة على نهر العاصي)، ومن بعدهم سيطر عليها الحثيون، ثم الآراميون، وفي الألف الأول قبل الميلاد (القرون 8-7-6) شهد قدوم حملة الخلديين (أورارتو) بقيادة سردار الثاني، التي سيطرت على اعزاز، ومملكة “بيت آغوشي” (أرفاد- تل رفعت) سنة 705 ق.م، التي كانت محكومة من قبل الآراميين، ومن بعدهم الميديين ثم الفرس.

وفي سنة 334 ق.م بدأت حملة الاسكندر المكدوني لوضع حد للسيطرة الفارسية، وكانت أولى معاركها مع داريوس في واقعة “إيبسوس” (قرب القسطنطينية)، والمعركة الثانية سنة 333 ق.م، التي جرت على سهل آمكا (العمق) غرب جندريس بين جبلي الكرد والأمانوس قرب ممر بيلان، ودعيت معركة “إيسوس”، وإن انتصار الاسكندر فيها مهّد الطريق أمامه نحو بلاد الشام ومصر، ومن مصر توجّهَ نحو كردستان حيث خاض الاسكندر المعركة الأخيرة مع داريوس في موقعة “گوكميلا” سنة 331 ق.م قرب أربيل وانتصر على داريوس، ثم أكمل حملته نحو بلاد الهند، وبوفاة الاسكندر وتقسيم إمبراطوريته بين قادته، خُضِعَ جبل الكرد لدولة “سلوقس” (65-312) ق.م، حيث بنى الأخير مدينة انطاكية على أنقاض قرية كردية(2) وسمّاها على اسم والده أنطيوخوس.

ومن ثم خضع للسيطرة الـﭘارثية بين سنوات 140)- (85 ق.م بعد إنهاء السيطرة السلوقية، وانحسرت السيطرة الـﭘارثية باتفاق مع الرومان، حيث أصبح جبل الكرد- عفرين تحت السيطرة الرومانية اعتباراً من سنة 44 ق.م، وبانقسام الامبراطورية الرومانية إلى شرقية وغربية أصبحت عفرين تابعة للدولة البيزنطية وعاصمتها “القسطنطينية”، وننوّه أنه في المرحلة الرومانية شيدت كثيراً من القلاع والحصون على القمم الجبلية والمعابد والجسور ولا زالت آثارها باقية حتى اليوم.

أثناء السيطرة الـﭘارثية- الرومانية برز أردشير الساساني(3) الذي كان يكره الـﭘارث والرومان والفرس، لأن الأول كان يعمل من أجل نشر الثقافة الهلّينية والآخرَيْن ينشران ثقافتهما القومية الخاصة، وقد قضى على دولة الـﭘارث وأسَس الدولة الساسانية (635-226) م، حيث لقيت دولته قبولاً من الكرد (يقال أنهم من أصول كردية لكن المؤكد أنّ جده ساسان تربّى لدى القبائل الكردية)، وهذا ما أثار حفيظة الرومان واشتعلت المعارك بينهما، وفي عهد الامبراطور كاليريوس انتصر الرومان بدعم أرمني، حيث اضطر الملك الساساني نرسي الذي جُرِحَ في إحدى المعارك إلى التوقيع على معاهدة صلح مذلّة والتخلي عن الأراضي الواقعة غرب نهر دجلة، وعلى إثرها تأسست مملكة أرمنية على حدود الكرد وحاولت ضمّ “كردوئين” (آمد وجوارها) إليها.

كما نشير أنه في العهد الروماني كان يمر من عفرين طريق تجاري معبد يربط بين مدن انطاكية وژينداروس (جندريس) ثم يتفرع إلى فرعين إحداهما إلى حلب، والآخر إلى قلعة خوري، ثم يتفرع أيضاً إلى فرعين أحدهما إلى مدينة نيزيب وزوگما على الفرات والآخر إلى دولوك (عينتاب) ومنها إلى كردستان أو الأناضول، وكان على نهر عفرين في موقع الجسر الحالي بمدينة عفرين جسر خشبي في العهد العثماني وبجانبه خان لإيواء المسافرين ولعمليات البيع والشراء وتبادل البضائع.

انتشار المسيحية

بعد صلب السيد المسيح بمائة عام بدأت المسيحية تنتشر في أنحاء العالم، ومنها انطاكية عاصمة سوريا التي كانت إحدى المقاطعات الرومانية الثلاثة عشر، وكان جبل الكرد- عفرين تابعاً لانطاكية وعلى طرفها الشرقي، وعندما أُعلنت المسيحية ديناً رسمياً للدولة في عهد القيصر قسطنطين في القرن الرابع الميلادي أصبحت انطاكية مركزاً للكرسي الرسولي، تتبعها مدينتي خوروس(4) و ﮊينداروس(5) التابعتين لجبل الكرد، وكانتا في الوقت نفسه مركزين مسيحيين إلى جانب أديان أخرى مثل الأزداهية وعبادة الإله “نبو” إله السماء وآلهة أخرى، حيث انتشرت المسيحية في قراها بشكل واسع وخاصة في جبل ليلون، وووُلِدَ “مار مارون” مؤسس الطائفة المارونية في قلعة خوري في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، وتوفي في بداية القرن الخامس بقرية “براد” ودفن فيها ولا زال ضريحه هناك، وفيما بعد نُقل جثمانه إلى مدينة أفاميا.

شَهِدَ جبل الكرد في القرون الميلادية الستة الأولى نهضة زراعية نَشِطة وفي جبل ليلون خاصة، حيث استصلحت الأراضي وزرعت أشجار الزيتون والكرمة وتوفرت الغلال ونشطت التجارة، وأقيمت وحدات إنتاجية لعصر الزيتون والعنب وتصنيعه، وإنتاج زيت الزيتون وأصناف متعددة من عصير العنب كالدبس والخمور، كما شهدت نهضة عمرانية واسعة حيث شُيِّدت المباني والقصور والكنائس، ولا زالت أطلالها باقية برونقها حتى اليوم لدرجة يصعب على الناظر وصف جمالية تصميمها.

وفي عهد جوستنيانوس خضع غرب كردستان ومنها جبل الكرد وانطاكية لسلطة الملك الساساني نوشيروان (572-526) م، وفي سنة 637 م انهارت الدولة الساسانية على يد العرب المسلمين.

انتشار الإسلام    

بعد استقرار الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بوقت قصير بدأت حملات العرب المسلمين باسم الفتح ونشر الدين الإسلامي، حيث كانت بدايتها في عهد عمر بن الخطاب، الذي كلف أبو عبيدة بن الجراح بقيادة الحملة على بلاد الشام وكردستان سنة  15هـ (636) م، وبعد السيطرة على حلب توجهت شمالاً نحو انطاكية التي استسلمت صلحاً مقابل فدية، ومنها إلى جبل الكرد حيث احتل سهل “جومه”، ثم توجهت نحو “قلعة خوري” (نبي هوري)، وبعد قليل من المقاومة خرج رهبانها طالبين الصلح على غرار صلح انطاكية، وجرت المفاوضات بينهم وبين عياض بن غنم (مساعد أبو عبيدة) في قرية “شرقيا” التابعة لبلبل، أفضت إلى اتفاق بدفع الجزية، ووافق عليه أبو عبيدة الذي كان بين اعزاز وأخترين، ثم توجهت الحملة نحو اعزاز، ودولوك (عينتاب)، وگُرْگُمْ (مراش)، وقد رفضت أهالي گُرْگُمْ (الجراجمة)(6) قبول الإسلام ديناً، حيث قاوموا وانخرطوا في فيالق الجيش الروماني للدفاع عن دينهم (المسيحية) ووطنهم، وانتشروا في جبال الكرد والأمانوس ووصلوا إلى جبل لبنان، ثم تبعتهم طائفة الموارنة وشكلوا معاً في لبنان تحالفاً باسم “المردة”(7) لتجنب سلطة العرب المسلمين، وبقي جبل الكرد في العهدين الأموي والعباسي تحت الاحتلال العربي الإسلامي.

تشير الدلائل التاريخية أن جبل الكرد- عفرين شهد نشاطاً واستقراراً ملحوظاً خلال الفترة الأيوبية في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، بعد قدوم مجموعات من أنحاء كردستان المختلفة للانضمام إلى حملة صلاح الدين، لحماية جبل الكرد وسوريا تحسباً لغزو صليبي محتمل بعد معركة  حطين سنة (1187) م وتحرير القدس، وذلك عبر “ممر بيلان” على جبل الأمانوس المحاذي له من الغرب.

وفي سنة 1418 استولى المماليك الشراكسة الذي كانوا بمثابة مرتزقة لدى الدولة الأيوبية، على حلب ونواحيها ومنها جبل الكرد- عفرين وكيليكيا.

وبعد معركتي ﭽالديران (1514) ومرج دابق (1516) وانتصار العثمانيين على الصفويين والمماليك تباعاً، ثم دخولهم إلى حلب والسيطرة على مناطقها ومنها قضاء “كلس”، أصبح جبل الكرد تابعاً لقضاء “كلس” تحت الاحتلال العثماني، وقد أسند السلطان سليمان القانوني (1520-1566) إمارة كلس إلى “جان ﭘولات”(8) بن قاسم الكردي وراثة، واستمرت كلس تحت حكم الجانݒولاتيين حتى سنة 1612م، ومن بعدهم حكم إمارة كلس شخص من عشيرة روباري الكردية، ثم حكمها بطال آغا كنج سنة 1740 من جبل الكرد أيضاً، وباختصار بقيت إمارة كلس ومعها جبل الكرد الذي دعي في العهد العثماني “كرد داغ”، يحكمها شخصيات أو سلالات كردية طيلة القرون 19-18-17، وفي الفترات القليلة التي كانت محكومة من قبل غير الكرد، كانت طرق التجارة عامة وطريق حلب- انطاكية- اسكندرون خاصة محفوفة بالمخاطر.

 

وفي عهد السلطان العثماني محمود جرت في ممر بيلان أقوى المعارك بين جيش محمد علي باشا والي مصر بقيادة ابنه إبراهيم باشا والجيش العثماني، بعد انتصار الأول في معركتي عكا وحمص ثم في حلب، وبعد تقهقر الجيش العثماني وتحصّنه في مضيق بيلان الذي مرّ منه الاسكندر المكدوني، حقق إبراهيم باشا فوزاً ساحقاً على الجيش العثماني في 29 تموز 1832 وتابع سيره إلى قونيا قاصداً استانبول، لكن تدخل روسيا، وإنكلترا، وفرنسا، وضع حداً لتقدمه وأفضت إلى معاهدة كوتاهية(9)، التي أبرمت في 5 أيار 1833، وتنازلت فيها الدولة العثمانية عن ولايات الشام الأربعة، ومع ذلك استمرت الخلافات من أجل السيطرة على المناطق الجبلية (الكرد، أمانوس وطوروس) ذات الموقع الاستراتيجي، ولذلك كانت عفرين مقصد الأوربيين ومنها إلى الشرق عامة، وكذلك للأتراك عند وصولهم إلى الأناضول حيث توجّه بعضهم إلى عفرين، لكنهم لم يتمكنوا من الاستقرار فيها، حيث استوطنوا في مناطق الشهباء، ويجدر ذكره أنّ جبل الكرد كان في كافة مراحله يعيش حالة شبه حكم ذاتي يحكم نفسه بنفسه.

الحرب الكونية الأولى

عاش أهالي جبل الكرد أوضاعاً صعبة قبيل اندلاع الحرب الكونية الأولى وأثناءها، حيث قامت ألمانيا بتمديد الخط الحديدي ضمن أراضيها تمهيداً للحرب، مما تسبب في الاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي من جهة، وقطع الأشجار لفتح الخط ولاستعمالها كوقود لتسيير القطارات بدل الفحم، حيث تحولت الجبال الحراجية إلى مرتفعات جرداء، وساق العثمانيون آلاف الشباب عنوة إلى أتون الحرب، ولم يرجع أغلبهم بانتهاء الحرب، ناهيك عن حدوث مجاعة كبيرة بسبب استيلاء الدولة على محاصيل القمح طيلة الحرب لصالح الجيش العثماني، كما تسبب في تمزيق كردستان من قبل الدول المنتصرة إلى أربعة أجزاء مع نهاية الحرب، وذلك بعد معركة حريتان(10) مباشرة وانهيار القوات العثمانية، وتوقيع وزير الحربية العثماني على هدنة “موندروس”(11) في الثلاثين من تشرين الأول سنة 1918.

انسحبت القوات البريطانية من سوريا بانتهاء الحرب لتحل محلها القوات الفرنسية كدولة منتدبة على سوريا، حسب اتفاقية “سايكس- بيكو” سنة 1916، ومن بعدها مقررات مؤتمر الصلح 1919 في باريس التي صدرت في كانون الثاني 1920، حيث طُرِحَت فيه المسألة الكردية إلى جانب مسائل أخرى منها المسألة الأرمنية، وفيه اتّخذ الحلفاء قرار سلخ كردستان وأرمينيا وسوريا وميزوبوتاميا (يقصد العراق) وفلسطين وشبه جزيرة العرب وإقامة كيانات خاصة لها، لكن بريطانيا وفرنسا وبحجة أن تلك الشعوب “ليست ناضجة سياسياً” (حسب تعبير الجنرال سميث)، أرادوا أن تكون تلك الشعوب تحت سلطتهم باسم “الانتداب”، في حين اقترح الوفد الأمريكي بمنح الكرد إدارة ذاتية، وبالتالي قُطِعَ الطريق أمام قيام دولة كردية حيث أصبحت كردستان تحت الاحتلال الأجنبي، وفي مؤتمر “سان ريمو” الذي عقد في إيطاليا لتقرير مصير السلطنة العثمانية في الفترة بين 26-19 نيسان 1920، أفضت الاجتماعات إلى إبرام “اتفاقية سيـﭬر” التي خصت كردستان بالمواد “64-63-62″، وقد وردت في المادة “94” أن تكون سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وبموجبها أصبحت غرب كردستان من نصيب فرنسا.

انفصال روژآفا عن شمال كردستان

بانتهاء الحرب الكونية الأولى وتطبيق مواد الاتفاقات الآنفة الذكر، أصبحت روژآفا (غرب كردستان) ومن ضمنها جبل الكرد- عفرين من حصة فرنسا المنتدبة على سوريا، حيث تتشكل روژآفا من شريط حدودي ملاصق لشمال كردستان (الحدود الدولية لجنوب شرق تركيا)، ومع الاتفاق البريطاني- الفرنسي في 23 كانون الأول من سنة 1920 الذي حدد الأراضي الواقعة تحت سلطة الدولتين المحدثتين سوريا والعراق، أصبحت روژآفا جزءاً من دولة سوريا تحت الانتداب الفرنسي، وبالتالي قطع هذا الإجراء أواصر صلة القربى العائلية والعشائرية للكرد على طرفي الحدود، خاصة بعد اتفاقية فرانكلان- بويون التي رسمت بناء عليها الحدود الدولية بين تركيا وسوريا الفرنسية، عندما قطعت جزءاً من جبل الكرد وضمت إلى الدولة التركية.

يعود تخطيط ورسم الحدود الشمالية لروژآفا إلى براعة الهندسة البريطانية في تفتيت الأوطان، لأن بريطانيا كانت تعقد آمالاً كبيرة على هزيمة الكماليين في الحرب الدائرة على الجبهة اليونانية غرباً، وعلى الأرمن الطاشناق شرقاً، وكانت تحلم بإقامة “دويلات حاجزة من البوسفور وحتى حدود الهند، بما فيها دويلات كردية لضمان أمن الامبراطورية البريطانية”(12).

ومن جهة ثانية فتحت تركيا باب المفاوضات مع الدول المنتصرة في الحرب الكونية الأولى كل على حدة، وقد برزت شخصية مصطفى كمال وقتئذ في إدارة المفاوضات، حيث تمكن من ابتزاز واستغلال انقسام الدول بين المعسكرين (الاشتراكي والرأسمالي) بالإيحاء لكل طرف بأنه معهم، وقد أفضت جهود تركيا مع فرنسا إلى التوقيع على معاهدة “فرانكلين- بويون” (معاهدة أنقرة) في العشرين من تشرين الأول 1921، حيث تنازلت فرنسا بموجبها لتركيا عن شريط حدودي كانت تحتله بموجب وصاية الأمم وبناء على اتفاقية سايكس- بيكو، حيث يمر ضمنه خط سكة حديد برلين- بغداد، وأصبحت سكة الحديد من “ﭽوبان بيك” (حالياً الراعي) وحتى مدينة نصيبين تابعة لتركيا إضافة إلى تنازلها عن مدينة بوتان (جزيرة)، كما سمحت لتركيا بنقل المعدات العسكرية عبر الخط الحديدي المار من جبل الكرد، وتنازلت أيضاً عن ثلاثة وعشرين قرية كردية تابعة لجبل الكرد تاريخياً وجغرافياً، وكذلك “تخلت عن كيليكيا كمنحة ومعبر لقوات مصطفى كمال”(13) للانتقال من الأناضول إلى كردستان، إضافة إلى تقديم مساعدات عسكرية حققت بها انتصاراتها في الحرب على اليونان والكرد (انتفاضة شيخ سعيد).

اتفاقية لوزان

تمكنت تركيا من تحييد اللاعب الفرنسي، وكان سبب إصرارها على بقاء لواء الموصل الذي يشمل كافة جغرافية جنوب كردستان هو بقاء جميع الكرد في المعتقل التركي، أما تمسك بريطانيا بالموصل فكان بسبب استنشاقها لرائحة البترول فيها ورغبتها في “ضم الكرد إلى النظام البريطاني”(14)، وذلك لموقعهم الاستراتيجي ولاستخدامهم ضد العرب بغية تسهيل السيطرة على العراق، وبعد إرضاء تركيا لبريطانيا وفرنسا تم تنحية مسألة حقوق الشعوب (الكرد، الآشوريون والأرمن) وتجاهل معاهدة سيـﭬر.

كان مصطفى كمال (أتاتورك) يبرر تجاوزه لحقوق الكرد في معظم المناسبات بقوله: “إننا نبني وطناً مشتركاً للكرد والترك معاً”، وفي الوقت نفسه عزّز علاقاته مع السوفييت حيث أهمل الأخير أيضاً قضية حقوق القوميات في الشرق الأوسط، وكان أتاتورك وصديقه عصمت إينونو رئيس الوفد التركي في المفاوضات قد قاما بإلغاء نظام السلطنة والباب العالي في الأول من تشرين الأول 1922، وكان هذا الإجراء محل ترحيب لدى الغرب، إضافة إلى إعلانه مدينة أنقرة عاصمة جديدة للدولة التركية.

بعد مفاوضات استغرقت تسعة أشهر تم التوقيع على “معاهدة لوزان” دون وجود ممثل عن الكرد، ولم يرد فيها أي ذكر للاستقلال الكردي أو الحكم الذاتي أو حتى ذكر لاسم الكرد أو كردستان، كما تم تجاهل وضع الأقليات أو حتى اعتبارهم مستعمرة، أما الإشارة إليهم فكان يستدل بمصطلح “المسلمين غير الأتراك”، وقد وصف البروفيسور إسماعيل بيشكجي معاهدة لوزان بأنها كانت: “تواطؤاً دولياً امبريالياً على تقسيم كردستان والأمة الكردية …، ووفرت للدولة التركية مختلف الضمانات، أما بالنسبة للكرد فقد رسخت الاضطهاد والعبودية واستعمار كردستان، وإخضاعها لنظام استعماري دولي”(15)، كما لم تمنحها وضع العبيد أو صفة مستعمرة، وبالتالي يعتبر يوم التوقيع على معاهدة لوزان في الرابع والعشرين من تموز 1923 ذكرى أليمة ويوماً أسوداً، والتاريخ المشؤوم الثاني في حياة الكرد وبموجبها أصبحت كردستان مجزأة إلى أربعة أجزاء.

مقاومة الانتداب الفرنسي

يعود بداية الشعور القومي والوطني لدى الكرد إلى فترة صدور قرارات اتفاقيتي سيڤر ولوزان، عندما تجاهلت دول الحلفاء المنتصرة في الحرب لحقوقهم بالتزامن مع تشديد تركيا لقبضتها الحديدية عليهم، حيث تلمّس الكرد بشكل جليٍّ آثار الاحتلال وحالة العزلة، فمن جهة انقطعت صلات القربى بين طرفي الحدود، ومن جهة أخرى دخول جيش الاحتلال الفرنسي إلى غرب كردستان، وبحكم الاختلاف الثقافي وخاصة الدين واللغة وتدنيس الأرض من الغرباء، وبغية حماية الأرض والعرض بدأت بوادر المقاومة ضد فرنسا لحماية “الشرف” تظهر شيئاً فشيئاً، لكن دون وجود قيادة طليعية منظمة وبرنامج واضح للمقاومة، وكانت ردة الفعل بداية فردية ومن ثم تطورت إلى وتيرة أعلى.

لكن تركيا الجديدة استغلت مشاعر الجماهير من خلال الطبقة الإقطاعية السائدة على المجتمع في جبل الكرد، وفي جوارها الجنوبي حتى جبل الزاوية (محافظة ادلب) وجسر الشغور وامتدت إلى تل كلخ على الحدود اللبنانية، حيث كان عدداً كبيراً من العائلات الكردية الاقطاعية قد سيطرت على الموقف باكراً، وكانوا سابقاً موظفين معتمدين من قبل الدولة العثمانية تحت مسمّى: آغا أو بيك …، وعان الشعب من ظلمهم كثيراً، ومع الوضع الجديد انقسمت هذه الطبقة إلى ثلاث فئات وهي:

1- فئة تعاونت مع الاستعمار الفرنسي وساعدتها لتثبيت أقدامها، بغية الحصول على مكاسب شخصية، كما شجّعت الفلاحين الفقراء للانخراط في تنظيم الميليشيا الرديفة للجيش الفرنسي.

2- وفئة أخرى استغلت من قبل عناصر إقطاعية محلية تابعة لبقايا الدولة العثمانية المهزومة، في محاولة لإعادة سطوة الدولة وتأسيسها من جديد، مستغلة المشاعر الدينية والوطنية لبعض الآغاوات وبسطاء الفلاحين الفقراء.

3- وثالثة شكلت نواة مقاومة وطنية ضد فرنسا المحتلة، وتعاونت مع نوى أخريات في مناطق سوريا لتنظيم مقاومة شعبية ضد الاحتلال الفرنسي، وكان للمناضل الكردي إبراهيم هنانو دور كبير في تنظيم هذه الفئة، حيث زار جبل الكرد وعقد اجتماعاً في قرية “ماراتي” لدعم وتنظيم المقاومة والتنسيق مع المناطق الأخرى من سوريا.

كان للكرد دور مميز في تاريخ سوريا كقلعة للمقاومة ضد الاحتلال، وكانت المنطقة الوحيدة التي لم تتمكن قوات الاحتلال الفرنسي الاستقرار فيها، حيث لقيت مقاومة شديدة بين سنوات 1920- 1945، وكان إبراهيم هنانو قائد الثورة السورية يعتمد بشكل رئيسي في مقاومته على جبل الكرد، حيث كتب أدهم آل جندي حول بدء المقاومة للاحتلال الفرنسي، بأن “المجاهد الكردي محو إيبو شاشو هو الذي أطلق الرصاصة الأولى في وجه المستعمرين الفرنسيين، وأن عصابته كانت النواة الأولى لتشكيل العصابات السورية”(16)، عندما تمكن “شاشو” من جمع حوالي أربعين مقاتلاً من قرى جبل الكرد (عفرين) وشكّل منهم أولى المجموعات المقاتلة، وكان هنانو قد اتخذ من قلعة سمعان مقراً لقيادته، كونها تتوسط بين عفرين وإدلب وحلب، كما أن معركة ميسلون في تموز 1920 التي قادها “يوسف العظمة” وهو كردي من دمشق، صدّ الزحف الفرنسي بقيادة الجنرال “غورو” على دمشق واستشهد فيها.

سارعت الدولة التركية لدعم المقاومة في جبل الكرد من خلال ضباط استخباراتها بغية استثمارها، حيث قامت بتنظيم اجتماعٍ موسّع لهذه الغاية في ضواحي مدينة “مراش” بشمال كردستان سنة 1918 بقيادة قره بكر كاظم باشا، دعت إليه شخصيات متنفذة من آغاوات جبل الكرد بإغوائهم باسم الدين والوطنية، منهم: حج حنان شيخ إسماعيل زادة، سيدو ديكو، أحمدێ روتێ وعَـﭬدي خوجه ، لتنظيم الشباب في صفوف “قواي ملّي” (القوات الشعبية) لمقاومة المحتل الفرنسي، ووافق الجميع على مقررات الاجتماع دون أن يدركوا هدف تركيا من ورائها.

بعد عودتهم عقدوا اجتماعاً في الجبل، وانضم إليهم عشرة آخرين، حيث ناقشوا خطة العمل وتشكيل المجموعات القتالية برعاية تركية لتنشيط دعايتها، بغية كسب ودّ الشعب الكردي وتحذيرهم من خطر الاحتلال الفرنسي وحثّهم على مقاومتهم، وقد خاضت تلك المجموعات معارك عدة، نذكر منها: “گلي تيرا، گلي آشلێ، تخته كوپرو، قره بابا، پرا هَرَدَرَه، راجو، وغارة ناجحة على قلب مدينة كلس أسفرت عن إطلاق سراح المعتقلين في سجونها”(17) وذلك بدءاً من ربيع 1920 واستمرت حتى سنة 1929.

وبعد معاهدة أنقرة والتنازلات التي قدمتها فرنسا لتركيا، قام المستشار الفرنسي بتنظيم مرتزقة أغلبهم من الأشقياء واللصوص في ميليشيات رديفة للجيش الفرنسي، وحلت محل “قواي ملّي” التابعة لتركيا، وفي تلك المرحلة ظهرت “حركة المريدين” في جبل الكرد، وهي حركة دعوية إسلاموية نقشبندية مشبوهة، بقيادة الشيخ إبراهيم خليل الملقب “شيخ أفندي”، انتشرت في أوساط الفلاحين الفقراء وكانت تعادي الإقطاعيين، ودعت إلى إزالة التقاليد العشائرية والعائلية، وتزويج أولادهم من بنات إخوتهم المريدين دون دفع المهر والاكتفاء بقراءة الفاتحة، ودعت أيضاً إلى حظر التدخين ومنع زراعة التبغ وحل الخلافات بالمصالحات وإلغاء المحاكم، لكن مع صواب بعض قوانينها كانت علاقاتها مشبوهة مع المخابرات التركية، بدليل أن “الشيخ أفندي” شارك في قمع انتفاضة “الشيخ سعيد” إلى جانب القوات التركية باسم “شيخ المجاهدين النقشبنديين”، مع ادعائه أنه كردي.

انتشرت الحركة المريدية(18) في النواحي الجبلية الوعرة والبعيدة عن المراكز الفرنسية مثل: بلبل، راجو وميدانا، وكان أبرز مقاتليه “رشيد إيبو” من قرية بليلكا، الذي شكل أولى المجموعات المسلحة، ثم أصبح قائد الجناح العسكري في الحركة، وبعد تنفيذ عدة عمليات ضد الجيش الفرنسي والازدياد المضطرد لنفوذ الشيخ، اعتقلته السلطات الفرنسية وسلمته لتركيا ربما نتيجة تفاهمات جرت بينهما وسجن في مدينة عينتاب، وكان يتابع أمور الحركة من خلال الشيخ حنيف الذي عيَن نائباً له وهو من قرية “سعرينجك”، وتمكنت الحركة من فرض سيطرتها على الجبل، باستعمال الشدة المفرطة تجاه الاقطاعيين والفرنسيين، كما فرضت الضرائب والإتاوات على الشعب خاصة بين سنوات (1936-1933).

سعت الدولة التركية وقتها من خلال دعمها المضطرد لحركة المريدين، وتشكيلها لـ”حكومة هاتاي”، بغية ضم لواء الاسكندرونة وجبل الكرد إليها، حيث “دعا توفير بك رئيس حكومة هاتاي المزعومة الأغوات وأصحاب النفوذ في جبل الكرد لزيارته في عينتاب، واستجاب لدعوته كل من: “منان نيازي جلوسي عن عشيرة شكاك، وعارف آغا عن عشيرة روباري، وحسن آغا ديكو عن عشيرة آمكا، وباي محمد بن حاج حنان شيخ إسماعيل زادة عن عشيرة بيان، وخليل سيدو ميمي وأحمد آغا گينج عن ناحية جومي، وحسين آغا عوني عن عشيرة الشيخان”، حيث طلب توفير بك من ضيوفه الموافقة والمساعدة لضم جبل الكرد إلى الإدارة التركية، وبانتهاء الاجتماع وعودة “الضيوف” أرسلت تركيا إليهم بعض المساعدات وكمية من القبعات التركية لتوزيعها على الأهالي”(19) كنوع من الدعاية، في وقت كانت تركيا الكمالية قد أصدرت قراراً بحظر الزيّ الوطني وخاصة العمامة الكردية في شمال كردستان, لكن الحركة عارضت المساعي التركية، ربما بسبب تقربها في حينها من “الكتلة الوطنية”، التي كانت تسعى من أجل إنهاء الاحتلال الفرنسي لسوريا سلمياً وتشكيل حكومة وطنية سورية.

بعد بقاء الشيخ أفندي لسنتين في سجن عينتاب نفي إلى “بيله جيك” في غرب الأناضول حتى سنة 1938، ثم توجه منها إلى حلب لحضور الاجتماع الذي دعت إليه الكتلة الوطنية، برفقة اثنين من قادة الحركة وهما: “قورت علي” و”رشيد إيبو”، تقرر فيه القيام بانتفاضة عامة ضد المستعمر الفرنسي انطلاقاً من جبل الكرد وبقيادة الحركة المريدية، وذلك لنضج الظروف الذاتية والموضوعية، لأنه أنسب مركز لانطلاقة الانتفاضة وستتبعها المناطق السورية الأخرى.

تعهدت الكتلة الوطنية بتقديم الأسلحة والأموال اللازمة للحركة، لكنها فشلت في تقديم ما تعهدت به، عندها توجه الشيخ أفندي إلى الحدود التركية للتنسيق مع ضابط الحدود، بغية السماح لمريديه باجتياز الحدود وتأمين الأسلحة، وبيع الأسلاب في الأسواق القريبة من الحدود، وكلف التاجر حسن كيفو بتأمين الأسلحة والذخائر، لكن الضابط اعتقل الشيخ أفندي وساقه إلى سجن عينتاب مجدداً، حيث جرت وقتها تفاهمات بين فرنسا وتركيا حول قضية لواء اسكندرون، ولذلك تخلت تركيا نهائياً عن حركة المريدين.

انفلتت الأمور بعدها في الجبل بسبب اغتيال المريدين لبعض الإقطاعيين المقربين من السلطة الفرنسية، وقيام القوات الفرنسية بقصف عشرين قرية كردية موالية للمريدين بالطائرات لمدة يومين بحجة استتباب الأمن، حيث تعرضت القرى لخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، واضطر بعض السكان الالتجاء إلى تركيا وبقي بعضهم فيها حتى اليوم.

ومع انشقاق الجيش الفرنسي أثناء الحرب الكونية الثانية إلى فيشيين  وديگوليين، وسيطرة الأخير بعد الحرب وقيام المظاهرات المنددة بالاستعمار الفرنسي، شنَت حركة المريدين هجوماً على المراكز والمخافر الفرنسية في آذار 1946 والاستيلاء عليها، ثم تابعت تقدمها نحو حلب، وانضم إليها المجاهدون العرب، واستولوا معاً على السجون وحرروا المعتقلين، مما أجبرت فرنسا إلى الاعتراف بسوريا دولة مستقلة في 17 نيسان 1946 وأجلت قواتها عنها.

يذكر أن ابراهيم خليل (شيخ أفندي) الذي سجن ثانية في عينتاب ثم نفي إلى مدينة “مانيسا” بطلب من فرنسا، تعرض للاغتيال في إحدى مقاهي المدينة” سنة 1952، بتدبير من وزير الداخلية التركي وحزب الشعب، أما نائبه الشيخ حنيف فقد تعرض للاغتيال في عفرين أثناء الانتخابات النيابية سنة 1947، حيث قيل بتدبير من رشيد إيبو المسؤول العسكري للمريدين وتحريض من الكتلة الوطنية، وبمقتل الشيخ حنيف ينتهي دور الحركة المريدية في جبل الكرد.

تأسيس الجمهورية السورية

تعود فكرة نشأة دولة سوريا إلى عام 1920 عندما أصبحت سوريا تحت سلطة الانتداب الفرنسي سنة 1919، وقد ألحقت فرنسا بداية منطقة جبل الكرد بدولة حلب التي أنشأتها حديثاً بعد اقتطاعها من قضاء كلس، وفرضت كامل القدسي حاكماً على حلب وهو ضابط عثماني قديم ومن كبار إقطاعيي حلب، ثم أصبح تابعاً لفرنسا، وفي الأول من أيلول 1924 انضمت دولة حلب مع دولة دمشق ودولة العلويين إلى الاتحاد السوري، لكن التواصل بين أهالي عفرين على طرفي الحدود بقي مستمراً حتى نهاية خمسينيات القرن العشرين.

بعد تثبيت الحدود بين تركيا وسوريا إثر اتفاقية فرانكلين- بويون ودخولها حيز التنفيذ، أصبحت كلس مركز القضاء تابعة لتركيا وانفصل عنها جبل الكرد، ولذلك تأسس مركز إداري فرنسي في جبل الكرد عوضاً عنها، واتخذ قرية قطمة بداية مركزاً إدارياً، ثم انتقل إلى قرية ميدانكي، وبعدها “مابتا” ثم “كوركا” إلى أن تم تأسيس مركز عفرين بجانب الجسر، وكان المكان خالياً تماماً، حيث استمر بناء “السراي” الحكومي وملحقاته بين سنوات 1923 وحتى 1927 وأصبحت عفرين مركزاً رسمياً لقضاء جبل الكرد، وكان أوائل سكان عفرين من المهاجرين الأرمن، حيث سكنوا قرب السراي، واستمرت دولة سوريا الاتحادية حتى سنة 1932، وبعدها دعيت الجمهورية السورية،  وتقسم إلى مرحلتين:

1- الجمهورية الأولى (1963-1932): شهدت هذه المرحلة نضالاً سياسياً رافقتها تمردات عسكرية بغية نيل الاستقلال، واستمرت حتى سنة 1946، عندما نالت سوريا استقلالها رسمياً بمعية الجنرال ديگول، وكان الأخير قد انفصل من “حكومة فيشي” المتعاونة مع قوات الاحتلال الألماني وأسّس قوات فرنسا الحرة، حيث اتفق ديگول مع القوات البريطانية سنة 1941 وقامتا بغزو سوريا انطلاقاً من فلسطين وألحقتا الهزيمة بحكومة فيشي، وفي السنة نفسها اعترفت فرنسا الحرة باستقلال سوريا، وجرت انتخابات برلمانية سنة 1943 وشكلت حكومة برئاسة شكري القوتلي، الذي أعلن استقلال سوريا وجلاء القوات الفرنسية منها في 17 نيسان 1946، واستمر حكم القوتلي حتى سنة 1949، حيث أطيح به في انقلاب عسكري ونفي إلى مصر.

ثم تتالت الانقلابات العسكرية بدءاً من انقلاب حسني الزعيم الذي استمر حكمه من 30 آذار حتى 14 آب 1949، ثم سامي الحناوي ليوم واحد، وبعدها هاشم الأتاسي من1949  حتى 1951، وأديب الشيشكلي ليوم واحد، ثم انقلاب فوزي سلو الذي حكم من 1951 حتى 1953، ثم الشيشكلي ثانية من 1953 حتى 1954، ومن ثم أعيد انتخاب القوتلي رئيساً سنة 1955 واستمر حتى سنة 1958، حيث قامت حكومة الوحدة بين سوريا ومصر بقيادة جمال عبد الناصر واستمرت حتى سنة 1961، وفيها حدث الانفصال، وجرى تعديل دستور 1950، وأهم ما جاء فيه تغيير تسمية الدولة من “الجمهورية السورية” إلى “الجمهورية العربية السورية”، كما جرى آخر انتخاب برلماني ديمقراطي في سوريا وفاز فيه ناظم القدسي برئاسة الجمهورية واستمر حتى الثامن من آذار 1963، حيث أطيح به في انقلاب عسكري قاده ضباط بعثيون، وبهذا الانقلاب ينتهي عهد الجمهورية الأولى وتبدأ مرحلة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي.

ونشير في سياق تلك المرحلة أن أولى الأحكام العنصرية الجائرة صدرت من نظام الوحدة القومي- العنصري بحق الكرد، وبإلحاح من حزب البعث المقرب منه فكرياً وسياسياً، ومنها حظر التحدث باللغة الكردية، ومنع الاحتفال بعيد النوروز، والإحصاء الاستثنائي التي قضت بتجريد مائتي ألف مواطن من الجنسية السورية بموجب المرسوم التشريعي رقم (93) في 23 آب1962، من رئيس الجمهورية ناظم القدسي ورئيس الوزراء بشير العظمة، ومن تبعاتها حرمانهم من تسجيل وقائع الولادات والزواج والوفيات وحيازة الهوية وجواز السفر والتعليم والتملك وكافة الحقوق المدنية.

وفي عهد الجمهورية الثانية استولى حزب البعث على مقدرات السلطة في سوريا، وظهر مشروع الحزام العربي، الذي قضى بإبعاد الكرد عن الحدود التركية بعرض 10 كم وطول 350 كم، وإسكان العرب بدلاً عنهم، ولصعوبة التنفيذ تأجل المشروع حتى عهد حافظ الأسد الذي نفذه سنة 1973، وتبين تطابق وجهات النظر بين رؤية البعث في مسألة الحزام العربي مع رؤية النظام التركي عندما جرى التوقيع على اتفاقية أضنة سنة 1998 التي أجازت لتركيا حق الدخول عسكرياً داخل الأراضي السورية بعمق خمسة كيلو متر، وبعد احتلال عفرين دون اعتراض جدي من سوريا طالبت تركيا بإقامة منطقة آمنة بعمق 10 كم داخل الأراضي السورية، ثم رفع السقف إلى 32 كم بموافقة غير معلنة من روسيا وأمريكا ودون اعتراض جدي من النظام السوري، كما شدّدت من عملية التعريب في المناطق الكردية، وأقصى الكرد من الوظائف العامة وخاصة السلك السياسي والدبلوماسي والعسكري والأمني، وجعلهم يشعرون وكأنهم ليسوا مواطنين سوريين، واستمر تهميش الكرد في عهد بشار الأسد حتى اندلاع ثورة روژآڤا في بداية سنة 2011.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

 

  • يشير “فيليب حتي” أن اسم سوري مشتق من “سوباري” (تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين ج 1 ص 79) والسوباريون سكان كردستان القدماء وسوباري تسمية جغرافية قديمة لكردستان الحالية من قبل السومريين وتعني “البلاد الباردة” وهي موطن الخوريين أسلاف الكرد، حيث وردت في الرسالة رقم 108 من رسائل تل العمارنة في مصر “أن بلاد سوباري هي موطن الخوريين”، لكني أعتقد أن اسم سوري مشتق من اسم الشعب “خوري- هوري- حوري” ومشتق من اسم إلههم “خور” الذي يعني الشمس، فقد كان المصريون يشيرون إلى سوريا القديمة باسم بلاد خورو أو خورا، و”سور” اسم رديف لـ”خور” وبنفس المعنى في اللغة الآرية ولهجتيها “السنسكريتية” و”الأفستائية” حيث تتبادل الأحرف “خ- هـ- س” كون الخوريين اندمجوا مع الآريين الميتانيين، ولا زالت حتى اليوم في الهند وسيريلانكا يستعملون اسم سور أو “سورْيا” في إشارة إلى الشمس، وفي مصر ظهر مصطلح الشمس في عهد الفرعون أمنحوتب الرابع “إخن أتون” بتأثير من “نفرتيتي” زوجته الميتانية، ولفظه “رو” (الشمس- كما في الكردية)، وأشاروا إليه بدائرة “○” مرادفاً لحرف الـ”راء” لكنهم لفظوه “رع” بدلاً من “رو” حسب لغتهم.
  • ورد نخلة ، انطاكية عبر العصور.
  • للاستزادة يرجى مراجعة “الأخبار الطوال” للمؤرخ الكردي الإسلامي أبي حنيفة الدينوري.

وكتابنا وطن الشمس ج 1 مطبعة روكسان- عفرين 2017، ص 209.

  • خوروس مشتق من خور اسم الشعب الخوري وكانوا يسيطرون على عفرين والنصف الشمالي من سوريا وأضيف إليها اللاحقة اليونانية وأصبحت خوروس، كما يرد الاسم في المراجع بأسماء: سيروس، كيروس، كيروش، قورش وكذلك النبي هوري.
  • ورد من ژيندار Jîndar بمعنى الحياة بالكردية مع لاحقة يونانية وأصبحت ژينداروس- جنداروس، لكنها تدعى محلياً “جندريس” وسجلتها الدولة السورية “جنديريس”، للاستزادة يرجى مراجعة كتاب: جنداروس، تأليف نوربرت كرامر تعريب محمد سالم قدور، إعداد د. آزاد حموتو، طبعة خاصة بدون تاريخ صدرت عن بعثة تنقيب تل جندريس الألمانية.
  • الجراجمة: جمع جُرْجُمْ وهي مصحفة من Gurgum تسمية قديمة لسكان ولاية “مراش” الحالية شمال عينتاب غالبية شعبها من الكرد العلويين مع جزء من الكرد السنة، ولا زالت تسمية “گُرْگُمْ” متداولة، آمن قسم من أهالي گُرْگُمْ بالمسيحية التي انتشرت وقتها من انطاكية عندما كانت تلك المنطقة تحت السيطرة الرومانية، والمردة بدورها اسم جمع مفرده “مَرْدْ merd” بمعنى: نشمي، شهم، شجاع، كريم … بالكردية.
  • المردة: اسم جمع مفرده “مَرْدْ merd” بمعنى: نشمي، شهم، شجاع، كريم … بالكردية. وهو تيار سياسي مكون من الجراجمة والموارنة في لبنان.
  • تعود بداية تاريخ هذه الإمارة إلى عهد صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر الميلادي، حيث يبدأ من مؤسس الأسرة منتشا (مند شاه ولا زال بعض أحفادهم من الإيزيديين في عفرين باسم مندي) الذي التحق بالجيش الأيوبي في الشام ومصر على رأس قوة عسكرية كردية شكلها من كرد: كلس، اعزاز، جبل الكرد، جبل ليلون، وتقديراً لخدماته أقطعوه ناحية “قصير” القريبة من انطاكية، ومن ثم أسند الأيوبيون له منصب “مير ميران” كرد حلب وبلاد الشام، ولأن المصادر التاريخية غفلت ذكر إمارة كلس يمكن اعتبار بدايتها الرسمية مع ظهور المماليك الجراكسة سنة 1260 حيث دخلت في صراع مع أحمد بك الحاكم الرابع للإمارة من أحفاد مند شاه، وبانتهاء الإمارة على يد العثمانيين انتقل الأمراء الجنبلاتيون إلى لبنان حيث جرت مصاهرة بينهم وبين أسرة المعنيين وبالتالي أصبحوا أمراء منطقة الشوف، ولا زالوا إلى اليوم يتولون إدارة المنطقة والطائفة الدرزية.
  • فريد محمد، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق د. إحسان حقي، دار النفائس بيروت طبعة 1981 ص 451-449.
  • كانت معركة حامية بين القوات العثمانية والانكليزية التي جرت على السهل الواقع بجوار حلب شمالاً بتاريخ 1918-10-26 بين قريتي بلليرمون وحريتان، وقد انهارت القوات العثمانية فيها، وكان في عدادها أتاتورك قائد الفيلق السابع (أصبح رئيساً لتركيا فيما بعد) وقد انسحب إلى جبل الكرد عن طريق قرى: قطمة- راجو- ميدان أكبس وعبر سهل ليـﭽـه إلى جبل الأمانوس وتركيا ، وقد أقيم في ذلك الموضع نصبٌ تذكاريٌ يؤرخ لتلك المعركة التي قُتل فيها القائد الانكليزي “هولدن” وعدداً من جنوده، ولا زال النصب في مكانه حتى اليوم. ونشير أن أحد وجهاء راجو ويدعى حنيف آغا عطف على أتاتورك واستضافه في منزله وقدم له وجبة طعام، وبعد غزو تركيا الأخير لعفرين استولت سلطة الاحتلال على ذلك المنزل بحجة أنه كان مقر قيادة لأتاتورك!.
  • هدنة موندروس: وضعت حداً للحرب الكونية الأولى وقّعها وزير الحربية العثماني رؤوف أورباي والأدميرال البريطاني آرثر كارلثورﭗ، على متن السفينة آگامّنون في ميناء موندروس بجزيرة ليمنوس اليونانية في بحر إيجة بتاريخ 30 تشرين أول 1918، وكانت بمثابة اتفاق ثنائي بين بريطانيا والدولة العثمانية، حيث منع الجانب الانكليزي صعود الممثل الفرنسي إلى متن الباخرة، وأملى الجانب الانكليزي مواد الاتفاقية على الجانب العثماني، وتم التوقيع على نصها الانكليزي فقط.
  • لازاريف م. س، المسألة الكردية (1923-1917)، ترجمة د. عبدي حاجي، دار الرازي بيروت 1991 ص 264.
  • بريستاد أدوارد هايل ، الخيانة الكبرى ، ت: جورج آرويان ، عبد المنعم- ناشرون 2003 ص 151.
  • لازاريف مرجع سابق ص 285.
  • بيشكجي بروفيسور إسماعيل، كردستان مستعمرة دولية، ترجمة زهير عبد الملك 1999 ص35.
  • آل جندي أدهم تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي، مطبعة الاتحاد 1960 ص 2.
  • كما جرت مقاومات ومعارك شبيهة في الجزيرة كمعركة بياندور وغيرها، (للاستزادة يرجى مراجعة كتابنا: وطن الشمس ، الجزء الثالث، دار شلير قامشلو 2019.
  • المعلومات الخاصة بالمريدين حصلت عليها من قائدهم العسكري “رشيد إيبو” من خلال مقابلة أجريته معه في شتاء 1997 في حي الأشرفية بحلب وكان طريح الفراش.
  • شيخو علي، جبل الكرد إبان الاحتلال الفرنسي، ص 77.

 

المراجع:

– أبي حنيفة الدينوري، الأخبار الطوال.

– أدهم آل جندي، تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي، مطبعة الاتحاد1960.

– أدوارد هايل بريستاد، الخيانة الكبرى، ت: جورج آرويان، عبد المنعم- ناشرون 2003.

–  إسماعيل بيشكجي، كردستان مستعمرة دولية، ترجمة زهير عبد الملك 1999.

– علي شيخو، جبل الكرد إبان الاحتلال الفرنسي.

– عبد الله قره مان، وطن الشمس ج 1- 3 مطبعة روكسان- عفرين 2017.

– فريد محمد، تاريخ الدولة العلية العثمانية دار النفائس بيروت طبعة 1981.

– فيليب حتي، تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين ج 1.

– لازاريف، المسألة الكردية (1923-1917)، ترجمة عبدي حاجي، دار الرازي بيروت 1991

– نوربرت كرامر، جنداروس، تعريب محمد سالم قدور، إعداد د. آزاد حموتو.

– ورد نخلة، انطاكية عبر العصور.

 

 

Hits: 11