شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الجزيرة والكُرد في المصادر التاريخية الإسلامية ـ رستم عبدو

168

 

 

 

 

 

 

تعاقبت على منطقة الجزيرة، التي شهدت أراضيها حياة حضرية عظيمة خلال مراحلها التاريخية، حضارات مختلفة كالخوريين والآشوريين والميتانيين والآراميين والإغريق والرومان والبيزنطيين والفرس ثم المسلمين كالزنكيين والأيوبيين والعثمانيين.

وقد عرفت الجزيرة التي كانت جزءاً من أرض سوبارتو وبلاد الخوريين التاريخية بأسماء عديدة مثل “خاني جالبات” عندما كانت خاضعة للدولة الخورية-الميتانية ثم “ميزوبوتاميا” خلال الفترة الكلاسيكية التي أطلقت بالأساس على القسم العلوي من بلاد الرافدين ثم بـ “الجزيرة” خلال الفترات الإسلامية أو “جزيرة آقور” كما ورد في كتب التراث الإسلامي كـ “معجم البلدان” لياقوت الحموي و”مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع” لصفي الدين البغدادي وهو مختصر كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي.

وتشمل الجزيرة مجمل الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات، والتي تبدأ من تكريت على نهر دجلة وعانة على الفرات ثم تتجه شمالاً إلى منابع نهري دجلة والفرات، وتشمل الأراضي المحصورة بين نهري دجلة والفرات والأقاليم والمدن، وتشكل الجبال المتاخمة لحدود أرمينيا خزاناً ضخماً للمياه مُشكِّلة العديد من الأنهار العظيمة مثل دجلة والفرات، بالإضافة  لشبكة كبيرة من الأودية والأنهار التي ترفدهما، ولعل أهمها:

  • نهر الخابور: الذي ينبع من رأس العين/ سري كانيه ويصب في الفرات، يرفده نهر الهرماس (جقجق)، والخابور ولاية واسعة وبلدان جمة غلب عليها اسم النهر كما أوردها ياقوت الحموي. هذا وقد جعل ابن خرداذبة في كتابه “المسالك والممالك” للخابور كورة خاصة فيها وذكر من مدنها “الصورة والفدين وماكسين والشمسانية والسكير وعرابان وطابان وتنينير” وكلها على تقع على طول نهر الخابور، ابتداءً من الحسكة جنوباً وصولاً حتى مصبها في نهر الفرات.
  • نهر البليخ: الذي ينبع من أرض حرّان ويصب في الفرات عند الرقة.

وقد وصف الأخطل النهرين بالقول:

اقفرَت البلخُ من عّيلان فالرّحبُ         فالمَحلبيّاتُ فالخابورُ فالشُّعب

  • نهر خابور الحسنية: ينبع من مناطق جبال هكاري ويصب في نهر دجلة، وقد ذكر ياقوت الحموي بأن مخرجه من أرض الزوزان، وذكر أن الزوزان كورة حسنة بين جبال أرمينيا، فيما ذكر ابن الأثير أن الزوزان ناحية واسعة في شرقي دجلة من جزيرة ابن عمر، وفيها قلاع كثيرة حصينة كلها للأكراد البشنوية والبختية.
  • مجموعة كبيرة من الأودية والأنهار منها الثرثار والخنزير والعويج والجراح والجلّاب بالإضافة إلى المئات من الينابيع العذبة والكبريتية.

تقع الجزيرة في موضع تتقاطع فيه خطوط المواصلات بين العراق وتركيا من جهة وبين العراق وسوريا من جهة أخرى، وتتوزع فيه مجموعة من الجبال كجبل قراجاداغ التي تأخذ بالامتداد بين مدينة آمد ومجرى الفرات، وجبال طورعابدين الممتدة بين مدينتي ماردين وجزيرة ابن عمر، وجبل عبد العزيز/ كزوان الممتدة بين نهري الخابور والبليخ، وجبل سنجار/ شنكال الممتد بين نهري الخابور ودجلة.

وبحسب كتب ومصادر التراث الإسلامي فقد قُسّمت الجزيرة جغرافياً إلى ثلاث مناطق تفصل فيما بينهما ممرات مائية وهي:

  • ديار ربيعة وتشمل المناطق الواقعة شرق الخابور حتى نهر دجلة كنصيبين ورأس العين وماردين وسنجار ودارا وموزن (تل موزان) بالإضافة لمناطق حوض الخابور السفلي، ومن مدنها قرقيسيا وماكسين والشمسانية وعربان والمجدل، وهي نفسها أرض الخابور التي أوردها الواقدي في كتابه “تاريخ فتوح الجزيرة والخابور وديار بكر”.
  • ديار مضر وتشمل السهول القريبة من شرق الفرات كالرقة وسروج وحران والرها.
  • ديار بكر وتشمل القسم العلوي من أراضي الجزيرة مثل ميافارقين وآمد وجزيرة ابن عمر وحصن كيفا وغيرها من المدن.

بخصوص مصطلح “ديار ربيعة ومضر وبكر”، فقد ظهر بعد الفتوحات الإسلامية لمنطقة الجزيرة وذلك نسبة للقبائل العربية التي كانت تستوطن منطقة تهامة والحجاز قبل أن ينتقلوا لبوادي الشام والعراق نتيجة الاقتتال فيما بينهم هناك إبّان الفتن كما يذكر جرجي زيدان في كتابه “العرب قبل الإسلام”.

وبحسب ما أورده “ماكس فون أوبنهايم” في كتابه “البدو” فإن هذه القبائل قدمت للشام والعراق في القرون الثلاثة الأولى للميلاد، وتمكن التنوخيين من تأسيس دولة الحيرة على ضفاف الفرات، ويقول أوبنهايم “مهّد الاحتلال الإسلامي للجزيرة في قدوم موجة قبائل عربية جديدة للاستقرار على ضفاف الفرات الأمر الذي دفع بالقبائل القديمة (بني تغلب) للانتقال نحو الجزيرة لتستقر ربيعة في المناطق الواقعة شرقي الخابور، ومضر في غربها أما المنطقة الجبلية الواقعة في الشمال فقد كانت من نصيب بكر”.

وبهذا الصدد يقول ياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان” لما تفرّقت قضاعة في البلاد، وسار بنو عوف وغيرهم إلى أطراف الجزيرة، وغلبوا على طائفة منها حتى أن شاعر منهم قال:

صففنا للأعاجم من معد          صفوفاً بالجزيرة كالسعير

كذلك تحدث ابن حوقل في كتابه “صورة الأرض” عن أن قبائل بني ربيعة ومضر سكنت براري ومفاوز[1] وسِباخ الجزيرة.

 

 

 

 

 

 

 

أما سياسياً ففي تلك الفترة (القرون الستة الأولى قبل الميلاد) فقد كانت الجزيرة مقسمة أيضاً، فمنها جزء خاضع للنفوذ الفارسي ويشمل مدن تكريت ونصيبين وسنجار وبلد من ديار ربيعة، أما الجزء الآخر فقد كان خاضعاً للنفوذ الروماني البيزنطي وتشمل كل ديار مضر وديار بكر وجزء من ديار ربيعة مثل ماردين ورأس العين، وذلك بحسب ما جاء في كتاب “تاريخ الكُرد في العهود الإسلامية” للدكتور أحمد محمود خليل.

أطلق المسلمون في تلك الفترة تسمية العجم على سكانها المحليين، فقد ورد في بعض مصادر التراث الإسلامي مصطلح “عراق العجم” الذي أُطلق على المناطق الشمالية منها، وذلك للتميز بين الجزء الذي يسكنه الكُرد والجزء الذي يسكنه العرب كما يقول الدكتور أحمد خليل.

من ناحية أخرى فقد أُطلق على عرب الجزيرة الذين كانوا يقطنون مناطق حوض الخابور السفلي (من الحسكة جنوب حتى البصيرة) بالعرب المتنصرة، حيث يذكر الواقدي في كتابه “تاريخ فتوح الجزيرة والخابور وديار بكر والعراق” أن الملك شهرياد صاحب نصيبين وسنجار قال لأنصاره أثناء الفتح الإسلامي “إن مدائن من بلادنا قد ملكت وقلعتين والعرب المتنصرة مضت عنا”.

يذكر ابن حوقل بهذا الصدد في كتابه “صورة الأرض” بأن بعض الطوائف من ربيعة ومضر قد سكن الجزيرة حتى صارت لهم بها مراعٍ وديار، ويشير بمعرض حديثه على أن هذه الأراضي تعود لفارس والروم، وأن البعض من هذه القبائل مثل قبيلة تغلب من ربيعة قد دانت بالنصرانية.

فتح المسلمون الجزيرة في سنة 18 هـ من خلال عياض بن غنم بعد أن كان الخليفة عمر بن الخطاب قد أمر سعد بن أبي وقاص بفتحها، حيث أن جيش المسلمين قد حاصروا معظم المدن قبل أن تسقط البعض من مدنها سلماً والبعض الآخر بقوة السيف ليبدأ فصل جديد من تاريخ الجزيرة التي تناوب على حكمها كل من الأمويين عبر كل من حبيب بن مسلمة بن مالك على عجم الجزيرة والوليد بن عقبة على عرب الجزيرة، والعباسيين عبر موسى بن كعب ثم أبو جعفر والسلاجقة أو الأتابكة الزنكيين عبر عماد الدين زنكي ثم أولاده من بعده والأيوبيين عبر الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب أخ السلطان صلاح الدين ثم أبناءه من بعده وهم الأوحد والفائز والأشرف على التعاقب.

خلال هذه الحقبة تطرّقت الكثير من كتب التراث الإسلامي للحديث عن أهمية الجزيرة وعن طبيعة أهلها وجمال مدنها، حيث ذكر المسعودي في كتابه “مروج الذهب ومعادن الجوهر” “إن هواء الجزيرة لطيف وفيها خصب وسرح ولأهلها بأس ومراس” وذكرها ياقوت بالقول: “إن بها مدن جليلة وقلاع وحصون كثيرة”، فيما ذكرها ابن حوقل على لسان علماء البغداديين بالقول: “إن الجزيرة معدن الأبطال وعنصر الرجال وينبوع الخيل والعدة وينبوع الحيل والشدة”.

 

 

 

 

 

 

 

ولعل أهم مدن الجزيرة إلى جانب كل من الرقة والموصل وآمد/ دياربكر وحرّان:

نصيبين: وصفها ابن حوقل بأنها من أجمل بقاع الجزيرة، وأحسن مدنها وأكثرها مياهاً ومتنزهات وخضرة ونضرة، ففيها المياه الوفيرة والمزارع والبساتين ولها ضياع ومباخس، وأهلها معروفة الفرسان مشهورة الشجعان، وقال عنها الإدريسي إن فيها سور حصين وأسواق عامرة وصناعات، فيما تحدث عنها ابن بطوطة على أنها مدينة عظيمة عتيقة متوسطة، فيها المياه الجارية والبساتين الملتفة والأشجار المنتظمة والفواكه الكثيرة وبها ماء الورد الذي لا نظير له في العطارة والطيب، ووصف أهلها بأنهم أهل صلاح ودين وصدق وأمانة وذكر قول الشاعر أبي نواس فيها حين قال:

طابت نصيبين لي يوماً وطبت لها          يا ليت حظي من الدنيا نصيبين

كما وصفها ابن جبير بأنها شهيرة العتاقة والقدم، ظاهرها شباب وباطنها هرم، جميلة المنظر، متوسطة الكبر والصغر. وتحدث عن شوارعها وأن فيها جامع ومدرستان ومارستان وعلى أطرافها خانات.

وقد ذكر ابن جبير الكُرد بحذر عندما قال عنهم بأنهم آفة هذه الجهات من الموصل مروراً حتى دنيسر. وهو يقصد بذلك الطريق الواصل من الموصل حتى دُنيسر (قوج حصار كما جاء في معجم البلدان) من ضمنها  سنجار ونصيبين وموزن (تل موزان ) ودارا وماردين.

أيضاً وصفها الاصطخري على أنها أنزه بلاد الجزيرة وأكثرها خضرة وأن ماؤها يخرج من شعب يُعرف بـ (بالوسا) وتحيط بها البساتين والمزارع. ومن المؤكد أن مدينة القامشلي المحاذية تماماً لمدينة نصيبين من الجهة الجنوبية والتي تأسست عام 1926 كانت في تلك الفترة تشكل جزءاً رئيسياَ من أراضي نصيبين الخصبة.

سنجار(شنكال): وصفها القزويني بأنها مدينة مشهورة بأرض الجزيرة في لحف جبلٍ عال وشببهة بمدينة دمشق وذكر على أنها مدينة مباركة مرت منها سفينة نوح أثناء الطوفان، وقال عنها ابن بطوطة أنها مدينة كبيرة كثيرة الفواكه والأشجار والعيون المطردة والأنهار، مبنية على سفح جبل كدمشق، وأن أهلها أكراد ولهم شجاعة وكرم، كما ذكرها ابن شداد بأنها مدينة في وسط البرية في سفح جبل، فيها أنهار جارية، وفيها سور منيع من الحجر والكلس، ويقطنها بعض الأمراء من الأكراد الزرزارية ، وقال عنها ابن حوقل أن لها رساتيق وضياع  وليس بالجزيرة مدينة ذات نخيل في وقتنا هذا أكثر من سنجار، كما أن أبي الفداء وصفها على أنها من أحسن المدن، وجبالها من أخصب الجبال.

سروج: وصفها أبي الفداء بأنها بلدة بنواحي حرّان من بلاد الجزيرة وهي كثيرة المياه والبساتين وبها الرمان المفضل والكمثرى والسفرجل والخوخ، كما وصفها ابن حوقل على أنها مدينة خصبة وحصينة ذات سور، وأنها كثيرة الأعناب والفواكه والزبيب، وأنها في شمالي حران إلى جسر منبج. أي ما يماثلها اليوم من الأراضي الواقعة على الضفة اليسرى لنهر الفرات (كوباني – شيوخ- قره قوزات- صرين).

ماردين: وصفها ابن بطوطة على أنها من أحسن مدن الإسلام وأبدعها، وأتقنها وأحسنها أسواقاً، وقال بأنها عظيمة تقع على سفح جبل، كما أن أبي الفداء وصف قلعتها على أنها منيعة ومتينة، ولا يمكن لأحد أن يفتحها بالقوة، كما أن القزويني وصفها على أنها قلعة مشهورة وليس على وجه الأرض قلعة أحسن منها ولا أحكم ولا أعظم وهي تقع على مقربة من دنيسر ودارا ونصيبين، وفيها أسواق وخانات وربط، وبيوتها تبدو وكأنها مبنية فوق بعضها البعض، ويذكر بأن أحد الظرفاء وصفها ووصف أهلها بالقول:

في ماردين حماها الله لي سكن    لولا الضرورة ما فارقتها نفسا

لأهلها ألسن لان الحديد لها       وقلبهم جبلي قد قسا وعسا

 

 

 

 

 

 

 

كما أن ابن حوقل ذكر أن فيها من الذخائر والأسلحة والعدة ما لا يمكن للمرء حصره، وفي أسفل المدينة ربط عامر بالسكان، وأسواقها ضيقة، ووصف قلعتها على أنها من أشهر قلاع الدنيا وهي كبيرة. وكان الإدريسي قد ذكر ان اسم القلعة هي الباز الأشهب، كما أن ياقوت الحموي ذكر أن فيها مدارس وأسواق كثيرة وخانقاهات وربط.

رأس العين/ سري كانيه: وفيها تل حلف أحد أشهر المواقع الأثرية على مستوى العالم التي قدمت للعالم ثقافة متميزة من خلال فخارها خلال الألف الخامس ق.م، تُعرف بين الأوساط العلمية بثقافة حلف قبل أن تصبح حلف نفسها عاصمة للإمارة الآرامية، وتحمل اسم غوزانا خلال الألف الأول ق.م، كما أن فيها تل الفخيرية /واشوكاني الموقع الذي كان عاصمة للدولة الخورية- الميتانية خلال منتصف الألف الثاني ق.م.

ذكر ياقوت الحموي رأس العين على أنها مدينة كبيرة مشهورة من مدن الجزيرة وتقع بين حران ودنيسر ونصيبين، وذكر أن الخليفة العباسي المتوكل نزل فيها وبنى فيها منزلاً، كما أن ابن جبير وصف عيون الماء فيها وأشار إلى المزارع والأشجار التي تحيط بها وذكر أن فيها جامعين اثنين وحمام ومدرسة، فيما ذكر ابن حوقل أن لها سور وبداخلها طواحين وبساتين وفيها أكثر من ثلاثمئة عين ماء، ثم تجتمع هذه المياه وتصبح نهراً تسمى الخابور.

دارا: وصفها ابن جبير على أنها مدينة عتيقة بيضاء وكبيرة ولها قلعة مشرقة، كما ذكر الحميري بأنها مدينة رومية وفيها أنهار وكروم وأسواق ولها مسجد بداخله منبر، أما الواقدي فقد وصفها بأنها مدينة طيبة بناها الفرس. ودارا تقع بين نصيبين وماردين وهي تحاذي بلدة عامودا وسهولها.

جزيرة ابن عمر (جزير):  وهي تقع ضمن مقاطعة زوزان. والزوزان  كما ورد في كتاب “معجم البلدان” لياقوت الحموي هي تسمية جغرافية أُطلقت على المنطقة الواقعة بين جبال أرمينيا وبين أخلاط وأذربيجان وديار بكر والموصل. وقد وصفها المقدسي على أنها بلد كبيرة، طيبة ونزيهة، كما وصفها ياقوت الحموي بأنها واسعة الخيرات، وهي مشهورة بالجبن والعسل وأبنيتها من الحجارة وتكثر فيها المزارع والكروم والبساتين.

كما أن ابن شداد ذكر بأن نهر دجلة يحيط بالمدينة من ثلاث جهات وأن ابن واضح أطلق عليها اسم “جزيرة الأكراد”، ويقول أنها كانت ضمن حدود الدولة المروانية إلى جانب مدينة ديار بكر والموصل .

(يذكر أن بني مروان حكموا منطقة ميافارقين وآمد وحصن كيفا وأخلاط خلال الفترة الواقعة ما بين 990- 1096 م، كما أن بني شداد قد سبقوا المروانيين في إقامة إمارة صغيرة لهم حكمت منطقة جنوب أرمينيا خلال الفترة الواقعة ما بين 951-1057).

يذكر ابن شداد جزيرة ابن عمر على أنها أحد أهم الموانئ النهرية في الجزيرة،  وكانت تستقبل البضائع القادمة إليها من أرمينية وديار بكر وتصدرها للموصل وبغداد.

يذكر ابن الجوزي بأن الجزيرة كانت لبني مروان، فيما يذكر دايفيد نيكولفي في إحدى المقالات التي خصصها بالحديث عن جسر عين ديوار في ديرك على وجود بعض القبائل الريفية السريانية التي كانت تتحدث العربية، وكذلك بعض القبائل البدوية العربية المسلمة وذلك في الريف الجنوبي من جزيرة ابن عمر، أي في الأراضي المنخفضة لديار ربيعة التي كانت تصل حدودها إلى الموصل، أما الأراضي المرتفعة من ديار ربيعة فيذكر بأنها كانت تقطن فيها- بشكلٍ مُكثّف – القبائل الكُردية المعتنقة للإسلام.

بخصوص الكُرد يؤكد المسعودي في كتابه “مروج الذهب ومعادن الجوهر” على قدمهم ويشير إلى أنهم سكان الجبال والأودية وأنهم جاوروا الفرس والعجم وهم يتحدثون الكُردية، إلا أنه أرجع بنسبهم للعرب (هوزان وربيعة ومضر) تارة،  وللفرس تارة، ولإماء النبي سليمان تارة أخرى. كما تحدث عن توزع العشائر الكُردية في أرض الدينور وهمذان وأذربيجان وما يلي بلاد الموصل (ويقصد بذلك إقليم كردستان) وجبال جودي وبلاد الشام.

كذلك تحدث ابن حوقل عن إقليم الجبال في كتابه “صورة الأرض” وتطرق للمدن الواقعة ما بين همذان حتى الري وقم، وكذلك المدن المحيطة بالجبال من شهرزور حتى آمد، وأيضاً المدن الواقعة فيما بين حدود أذربيجان والجزيرة ونواحي الموصل، وقال بأن جميعها مأهولة بالكُرد اللارية والحميدية والهذبانية وغيرهم. والكلام نفسه ورد على لسان الحميري في كتابه “الروض المعطار في خبر الأقطار“.

كمان أن فضل الله العمري في كتابه “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” وصف بلاد الكُرد بأن جميعها بلاد خصب زائد، ومزارع وموارد، وزروع وفواكه وثمار، كما وصف الكُرد بأنهم أهل غناء ودفاع وحصانة ومناعة.

وأشار إلى أماكن توزعهم وذلك في المناطق الجبلية ابتداءً من همذان وشهرزور وحتى بلاد التكفور (ويقصد بذلك إسطنبول) كذلك أشار إلى توزعهم في مناطق أربيل وصولاً حتى نهر دجلة من كوار الموصل (ويقصد بذلك إقليم كردستان الحالي)، كما لمح إلى توزع الكُرد إلى ما وراء نهر دجلة حتى نهر الفرات غرباً، وأطلق عليهم أكراد الجزيرة وقرى ماردين، كما أن فضل الله العمري خصص فصلاً كاملاً في كتابه بالحديث عن أسماء الطوائف والعشائر الكُردية التي كانت تقطن في إيران والعراق وتركيا وبلاد الشام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

  • ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي: رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، دار إحياء العلوم، بيروت، 1987.
  • ابن جبير، أبو الحسن محمد بن أحمد: رحلة ابن جبير، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت.
  • ابن حوقل، أبي القاسم بن حوقل النصيبي: صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1992.
  • ابن خرداذابة، أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله: المسالك والممالك، دار صادر، بيروت.
  • ابن شداد، عزالدين محمد: الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة، تح: يحيى عبارة، الجزء الثالث، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1978.
  • ابن فضل الله العمري، شهاب الدين أحمد بن يحيى: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، تح: كامل سلمان الجبوري، المجلد الثالث، دار الكتب العلمية، بيروت، 1971.
  • البغدادي، صفي الدين: مراصد الاطلاع على اسماء الأمكنة والبقاع.. مختصر معجم البلدان لياقوت الحموي، دار الجبل، بيروت، 1992.
  • أبي الفداء، عماد الدين إسماعيل بن محمد: تقويم البلدان، دار صادر، بيروت.
  • الإدريسي، أبي عبد الله: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، المجلد الأول، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة،2002.
  • الحموي، ياقوت: معجم البلدان، المجلد الأول، دار صادر، بيروت، 1998.
  • الحميري، محمد بن عبد المنعم: الروض المعطار في خبر الأقطار، تح: احسان عباس، مطابع هيدلبرغ، بيروت، 1984.
  • الخليل، أحمد محمود: تاريخ الكُرد في العهود الإسلامية، دار الساقي، بيروت، ط1، 2013.
  • القزويني، زكريا: آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر، بيروت، 1998.
  • المسعودي، أبي حسن بن علي بن الحسين: مروج الذهب ومعادن الجوهر، مر: كمال حسن مرعي، الجزء الثاني، المكتبة العصرية ، بيروت، ط1، 2005.
  • الواقدي، الأمام محمد بن عمر: تاريخ فتوح الجزيرة والخابور وديار بكر والعراق، تح: عبد العزيز فياض حرفوش، دار البشائر، دمشق، 1996.
  • أوبنهايم، ماكس فون: البدو، الجزء الأول، تر: ماجد شبر، دار الفرات، بيروت، 2007.
  • بروكلمان، كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية، تر: نبيه فارس- منير البعلبكي، دار العلم، بيروت، ط5، 1968.
  • زيدان، جرجي: العرب قبل الإسلام، الجزء الأول، مطبعة الهلال، القاهرة، 1922.

[1] صحارى شاسعة.

 

Hits: 70