شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الأديبة فوزية المرعي أول امرأة تدير صالون أدبي في شرق سوريا لـ “شرمولا”: ما شجعني على افتتاح منتداي دوائر البحث عن الذات.. والدخول في عوالم القراءة.. وتأثري بقيادة المرأة لأقدم الصالونات الأدبية

55

حاورها: دلشاد مراد

 

لعبت المرأة بدور ريادي في تأسيس الصالونات والمنتديات الأدبية، وبالتالي أظهرت تأثيرها الكبير على رقي الأدب والفنون، وقد أبرزت الأديبة فوزية المرعي (مواليد الرقة 1948م) ذاتها كرائدة نسوية في هذا المجال، وتمكنت بمهارتها من تأسيس وإدارة منتدى عرف باسمها في مدينة الرقة (شرق سوريا)، واشتهر منتداها في الساحة الأدبية والثقافية السورية. وقد كان لنا حوار معها، حيث تحدثت عن ظروف نشأتها وبداياتها الأدبية ونتاجاتها، وعن دوافع تأسيسها لمنتداها وأبرز نشاطاتها والشخصيات التي استقطبتها، ومعاناتها من الفكر الظلامي إثر مصادرة منزلها وحرق مكتبتها، ومن ثم نهوضها من جديد بعد دحر داعش من المنطقة.

 

 

ـ  في بداية حوارنا، كيف تعرفين نفسك للقراء؟

 

أقول للقراء مرحباً بعشاق الحياة.. مرحباً بعشاق الكلمة.. مرحبا بصناع الأمل.. مرحباً بروّاد التمرد الإيجابي.. مرحباً بمن يرتشفون من مناهل النور ولا يرتوون، رافعين شعار هل من مزيد؟ اسمي: فوزية المرعي من مدينة الرقة الغافية على زند الفرات.. أعشق كل آلاء الجمال التي حبا الله بها هذا الوجود.. أعشق الشعر والأدب والفلسفة والموسيقى والفن التشكيلي، وأحب جميع الفنون النسوية.. كالخياطة والتطريز وشغل الكنفة، وأحب التدبير المنزلي حيث اقضي ساعات طويلة في الطبخ وصنع الحلويات.. أحب أن أكون دائماً في بيتي وأعتبره مملكتي التي أعيش فيها وحدتي بحرية بعيداً عن الضوضاء أو الاصطدام بالقيود الاجتماعية وأعتبر البيت هو الوطن الصغير الذي يشكل مع كافة البيوت الأخرى الوطن الكبير .

 

ـ ماذا عن بدايات اهتمامك بالأدب والثقافة، وهل ثمة ظروف عائلية ساعدتك في ذلك، ولاسيما أن المرأة تعاني من صعوبات جمة في بدايات انطلاقتها الادبية؟

كانت الرقة في زمن طفولتنا عبارة عن قرية كبيرة.. لكن مدارس الذكور والإناث منتشرة فيها وببعض الأرياف الصغيرة المحيطة بها.. وكنا في المرحلة الابتدائية حين تنتهي السنة الدراسية يحظر علينا الخروج من البيت إلا بمرافقة الأم أو الأخ وللضرورة القصوى.. كانت الوالدة  تلقنني فن الخياطة في العطلة الصيفية وغيرها من الفنون النسوية الأخرى.. وفي الصف السادس حتى التاسع كان أخي الكبير يحضر لي كتباً من المركز الثقافي ـ الذي كان عبارة عن غرفتين ـ في الرقة كلما أنهي كتاباً يأتي لي بغيره وعندما تفتح المدرسة أبوابها أتوقف عن المطالعة لأتابع في معترك الدراسة وحين وصلت الى الصف التاسع نجحت وقد حصلت على الدرجة الأولى.. وهنا بدأت المشكلة بتدخل الأقارب والعشيرة وتقديم النصائح للوالدين بأن البنت يكفي أن تتعلم قراءة القرآن وتتهيأ للزواج.. وحين عرفت ما يرمون إليه هددت بالانتحار، هنا تتدخل عاطفة الأم الحنونة بإقناع والدي بمتابعة دراستي حتى وصلت إلى البكالوريا ثم تزوجت على أمل المتابعة بعد الزواج.

بالنسبة للانطلاقة الأدبية لم أبدأ عند أهلي بالكتابة، بل بعد أعوام طويلة بعد الزواج، إذ أخذت حياتي منحىً آخر في الحياة بسبب حرماني من الإنجاب.. وهذه معاناة أكثر خطورة من التعليم أو من الكتابة..

لأن المرأة التي لا تنجب يجب أن تضع نصب عينيها أن زوجها سيتزوج بامرأة أخرى.. فإما ترضخ للأمر الواقع وتصبح مربية لأولاد زوجها أو تنفصل عنه وتقع تحت كارثة أخرى اسمها الطلاق.. .وهذا ما حصل لي وكنت أول امرأة تتحدى الأهل والعشيرة وأعلنت عن حالة تمرد إيجابي تارة استخدم الدموع وتارة التهديد بالموت.. توظفت في مؤسسة استصلاح الأراضي ـ أطبع على الكمبيوتر باللغة الإنكليزية والعربية.. وعندما تحررت مادياً وأصبحت مستقلة بالكامل عن سلطة الزوج والأهل والمجتمع وامتلكت بيتا لنفسي وانطلقت بالكتابة أنهل من منجم آلامي وأكتب الشعر والقصة والرواية والبحث…!

بالنسبة لأهلي لم يتدخلوا بشؤوني الخاصة حيث أصبح أخوتي وأخواتي منشغلون بالدراسة ومتابعة التعليم مثلهم مثل جميع أهالي الرقة الذين بدأوا يتنافسون في تدريس الإناث والذكور.. وشكلت حالة انطلاقتي الأدبية في الرقة دهشة يتداولها المجتمع الرقي وبدأت اصطحب كتبي ودفاتري وأجلس في الأماكن العامة أقرأ وأكتب وبدأ الناس ينظرون إلي بوجل، ثم تطورت الأمور الى حالة غيرة عند الكثيرين من إناث وذكور، ثم افتتحت المنتدى الادبي وبدأ المثقفون يقرون أن الدكتور الأديب عبد السلام العجيلي أيقونة الرقة ثم أطلق علي نفس اللقب، ثم بدأت أذهب للمشاركة بالأنشطة الأدبية إلى بقية المحافظات حتى شاركت في مهرجان الشعر الدولي في إسطنبول عام 2009، واندمجت اندماج كلّي بطقوس الأدب حتى أصبحت مقدسة لدي بكل من أجناسها، ولم أتوقف إلا بعد الحرب اللعينة التي شردت المجتمع الرقي وأنا منهم…!

 

ـ قبل ولوجك إلى عالم النشر الأدبي كُنتِ تكتبين في صحف محلية ودوريات عربية منها الأسبوع الأدبي وجريدة الفرات وموقع الحوار المتمدن، ما هو المواضيع الذي كنت تركزين عليه في كتاباتك؟

 

المواضيع التي كنت أرتكز عليها في النشر متعددة تبدأ من معاناتي الشخصية التي تندرج على معاناة أغلبية النساء.. ولطالما هتفت لي إحداهن تتشكرني لتخبرني أن قصتي تنطبق على معاناتها مع زوجها أو أهلها أو المجتمع ككل.

فالكاتب أو الشاعر أو الفنان ابن بيئته وضمير أمته.. لكنه يتميز عن أبناء البيئة الآخرين أنه إنسان مرهف الحس.. يمتلك ويتميز بأدوات تعبيرية تختلف كلياً عن الآخرين لأنهم يتميزون بمواهب اختارهم الله لها.. لذلك هم يمتلكون أدوات التعبير عن أنفسهم وعن غيرهم بأساليب أدبيه تغذي النفس الراقية المتعطشة للاطلاع على لغة تختلف عن لغة الشارع.. الشعر والقصة والرواية والمسرح والفن التشكيلي والنحت وغيرها من الفنون وهي أبجديات راقية من حيث مبدعيها أو المتذوقين إليها.. وقد أنصف الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف هؤلاء المميزون قائلاً: (إذا استوقف أحدهم شخص ما عند نقطة حدودية فإنه يبرز هوية أو جواز سفر لإثبات شخصيته.. أما إذا استوقفوا شعباً بأكمله فإنه يبرز: شعراءه.. أدباءه.. فنانيه.. مفكريه.. وباحثيه كوثائق..!).

 

ـ في عام 1998م كانت باكورة مؤلفاتك وهي كتاب “قناديل الوجد”، وتوالت صدور مؤلفات أخرى في السنوات اللاحقة، هل يمكنك تقديم نبذة عن تلك المؤلفات؟

 

قمت في هذا العام بطباعة الجزء الأول من (قناديل الوجد) وقدمته للقراء كبطاقة تعريف بهذا النمط من كتاباتي وتابعت عام 1999 بالجزء الثاني ثم طبعت في نفس العام رواية قصيرة بعنوان (غريبة بين الشاهدة والقبر).. ثم مجموعة قصصية بعنوان (بحيرة الشمع) التي أهديتها للأديب الكبير الدكتور عبد السلام العجيلي وكانت كلمات الإهداء: إلى أجمل بدوي عرفته المدينة.. وأجمل حضري عرفته الصحراء..

وفي عام 2002 أصدرت مجموعة قصصية بعنوان (خلف ذاكرة الابصار) وفي 2003 مجموعة قصصية بعنوان (الهباري).. كما أصدرت في نفس العام مجموعة شعرية بعنوان (رهدن الصمت).. وفي عام 2005 مجموعة قصصية بعنوان (الرشفات).. وفي عام 2007 (قارب عشتار ـ من توتول الى ماري) وهي رواية وثائقية اغلب أحداثها عن الرحلة النهرية.. وفي عام 2009 أصدرت مجموعة قصصية بعنوان (على مقام النوى).. ولدي الآن المخطوطات التالية التي تنتظر الطباعة وهي: ديوان شعر بعنوان (على مقام الوجد).. ومجموعة قصصية (قناديل) تجاوز عددها أكثر من 500 قنديل.. وكتاب (عناوين) وهو بعض العناوين التي تمت مناقشتها في المنتدى الأدبي .

 

ـ في عام 2005م أسستِ منتدى أو صالون أدبي في منزلك عُرف باسم “منتدى فوزية المرعي”، وكانت منتدى مشهودة لها في الوسط الثقافي السوري، هل يمكنك أن تعودي بذاكرتك إلى بدايات إطلاق هذه المنتدى، والدوافع التي شجعتك على تأسيسها؟

 

فكرة تأسيس المنتدى حصلت لسببين، الأول: بسبب بذرة كانت غافية في ذاكرتي فأنتشت وكبرت وانبثقت في الضوء تتلمس خطاها بين الحلم والواقع والسبب كانت والدتي التي كنت أتأملها تحت عرائش العنب في بيتنا العربي الجميل وحولها نساء الحي كن يجتمعن في الصباح ويطلبن مشورتها في أغلب الأمور وكانت بذكائها الفطري تتحدث عن الحلول المناسبة وتضرب لهن الأمثال في قصص واقعية وأخرى متخيلة وكانت تفرح كثيراً عندما تقنع من تلجأ إليها بالتوصل الى حل المشكلة وكن يتجاذبن الأحاديث الشاملة حتى في الشؤون السياسية حسب ما يستمعن من أخبار عبر الراديو وقتذاك قبل وصول مرحلة التلفاز.. وحين يتحدثن عن خصوصيات كالأمور الجنسية وغيرها يلجأن الى لغة الهمس وأنا أرمقهن من بعيد… كنت أمسك بكتابي وأتكئ على جذع شجرة الإجاص ولا ألتفت إلا حين يتهامسن فتجسدت شخصية أمي كقائدة لكل نساء الحي.. وهمست في سري متى أكبر لأقوم بنفس دورها تدعمني القراءة والكتابة زيادة عليها حتى اكتشفت عشقي للشعر والقصص وتبلورت بشكل كبير بدخولي مرحلة من الوعي.. فبدأت دوائر البحث عن الذات تتسع بشكل غير محدود …!

أما السبب الثاني حين دخلت الى عوالم القراءة وبدأت أنهل من مواردها.. فقرأت كتابي جبران خليل جبران النسخة العربية والنسخة المترجمة عن الإنكليزية.. فأعجبت بكتاباته كثيراً وهي التي قادتني الى قصة الحب العذري أو السماوي بينه وبين مي زيادة.. فالتهبت الأفكار في رأسي حين قرأت عنها وعن صالونها الأدبي… وتشجعت بشكل كامل أدخلني الى حيز التنفيذ حين بدأت بالتنقيب عن أقدم صالون أدبي.. فدهشت أنه انبثق عن الإغريق من مدينة ـ أثينا لسيدة متميزة كما ورد عنها في كتاب قصة الحضارة للكاتب ـ ول ديورانت ـ حيث يذكر أن اول امرأة كانت (اسبازيا ـ زوجة بركليز الذي حكم أثينا قرابة ثلاثين عاماً ـ وكان من رواد منتداها الفيلسوفان ـ سقراط وافلاطون)، بعد ذلك تداولت الفكرة مع أصدقائي المقربين وأعلنت عن افتتاح المنتدى وسط احتفالية في مديرية الثقافة .

 

ـ ما أهم أنشطة المنتدى، وكذلك أبرز الشخصيات التي استقطبتها؟

 

عقدت المنتدى أكثر من (25) ندوة ومن أبرز مواضيعها وعناوينها: المنتديات الأدبية في الشرق والغرب، مناقشة رواية (سورين) للأديب رشيد رويلي من دير الزور، الحديث عن الشاعر الراحل (ممدوح عدوان)، الحديث عن الشاعر (محمد الفراتي) باعتباره أحد أعمدة شعراء المقاومة، الطقوس الرمضانية، الفن التشكيلي، أخبار النساء، مناقشة كتاب (البتاني) للباحث محمد عبد الحميد الحمد، الموسيقى العربية وأثرها على الغرب، ندوة تأبينية عن المرحوم (خليل جاسم الحميدي) رئيس اتحاد الكتاب، الزردشتية شعلة نار في كف الحوار، ندوة خاصة بعد مرور أربعين يوماً على وفاة الشاعرة (نازك الملائكة)، مناقشة رواية (قارب عشتار) لفوزية المرعي، حفريات في المعرفة، المساجلات في الموليا الرقية، أهم الشعراء الذين اشتهروا في الشعر الشعبي والكتابة في التراث، (عبد القادر عياش) بصمة فراتية ريادية في الحركة الثقافية، اللغة كائن حي، حول انعقاد مؤتمر القمة العربية في سوريا، عيد الجلاء عيد وطني مقدس، الشاعر (نزار قباني)، دلالات ومعطيات المجتمع المدني، (جول جمال) شهيد أمة، الشاعر (محمود درويش) سفر إبداع، الشركس.

إضافة إلى تكريم وتقديم الدرع لكل من الدكتور عيسى العاكوب من الرقة عميد كلية الآداب في حلب بمناسبة انضمامه الى مجمع اللغة العربية، والكاتب ممدوح عدوان، والمخرج نجدت أنزور.

أما أهم الشخصيات التي استقطبها المنتدى.. أذكر: المفكر العربي الطيب تيزيني من مصياف، والدكتور أحمد برقاوي أستاذ علم الاجتماع من دمشق، والدكتور عيسى العاكوب عميد كلية الآداب في حلب، الدكتور أحمد الجبوري من العراق مدرس في جامعة الاتحاد بالرقة، والدكتور لؤي الجبوري من العراق ومدرس في جامعة الاتحاد، الأديب والشاعر جورج سباط من حلب، الفنان التشكيلي علي نيوف من مصياف، الدكتور علي الشعيبي من الرقة، الباحث علي السويحة من الرقة، الباحث في الآثار محمد العزو، الباحث حمصي الحمادة من الرقة، الدكتور يوسف سلامة مدرس مادة الفلسفة من دمشق، الدكتور فيصل المطر من الرقة مقيم في لبنان دكتوراه في الآداب، الأديب رشيد رويلي من دير الزور، الباحث محمد عبد الحميد الحمد, الباحث الدكتور محمود النجرس، الشاعر ابراهيم الشمطي، الشاعر فاضل سفان، الدكتور حسين المرعي، الصحفي يوسف دعيس، المحامي فواز اليونس، السيد حسن مصطفى, الآنسة رو السويحة، الشاعر ابراهيم النمر، الأديب أسعد آل فخري، د. عبد الستار الجميلي من العراق, د. غسان علاء الدين، د. أيوب أبو دية، د. هشام غصيب من الأردن, د. محمد قضماني, الأستاذ عطية مسوح، د. هاني الخوري, الأستاذ عبد الرزاق العاني من العراق, مدير الثقافة في الرقة حمود الموسى، الشاعر فائز العراقي من العراق، الشاعر بشير العاني من دير الزور، الباحث خلف المفتاح، الأستاذ محمود الذخيرة، الأستاذ عبد القادر عياش، الباحث عباس طبال من دير الزور، الدكتور الباحث علي الشعيبي، علي الأحمد أمين فرع الوحدويون الاشتراكيون، أحمد دريبي عضو الحزب القومي السوري، محمد الفدعوس عضو الحزب الشيوعي، الدكتور محمد أحمد الصالح، الشاعر ابراهيم الشمطي, الشاعر محمد المجهد، الباحث عدنان عويد رئيس تحرير صحيفة الفرات، الباحث أنطون أسبر من بانياس، الشاعر عباس حيروقة من مصياف، الشاعر نجم الدرويش.. ولا تسعفني الذاكرة لذكر كل من زار المنتدى ووضع بصمته فيه لأنهم كثر.

ـ ماذا عن التأثير الذي تركته المنتدى في المشهد الأدبي والثقافي السوري؟

كان هناك تأثير للمنتدى في المشهد الأدبي والثقافي السوري، فمن أحاديث الأدباء كانوا يبدون إعجابهم وهم في حالة دهشة.. كيف يتسنى لامرأة أن تقود إجراءات المنتدى من ألفه الى يائه.. وقد كتب عني ناقد – نسيت اسمه للأسف- مقالة لأكثر من صفحتين ضمنها النقد للمراكز الثقافية والإشادة بمسيرة قيادتي لمنتداي بنجاح من وجبات ثقافية ووجبات غذائية دون مساعدة أحد، وسمعت الكثير من نمط هذه المقالة.

وقد شجع افتتاحي لمنتداي ونشاطه الفعال الأدباء والأديبات في مختلف أرجاء سوريا على افتتاح صالونات ومنتديات أدبية وثقافية جديدة، فبعد افتتاح المنتدى بعام اتصل بي الأستاذ الشاعر عبد الناصر حداد ليدعوني لافتتاح منتدى باسمه، قائلاً: (أسوة بمنتداك نحاول أن نسعى جاهدين لنحذو حذوك في المنطقة الشرقية)، وفعلاً ذهبت الى دير الزور وافتتحت الاحتفال بكلمة ضمنتها المباركة والتشجيع بأن ترفد المنتديات الثقافية والأدبية كافة المناطق في سوريا وخاصة المناطق الشرقية لأنها مهمشة ولا يعرف عنها إلا القليل، ولكن لوجود حساسيات بين الأدباء أو لأسباب غامضة أخرى لم يتابع ذلك المنتدى نشاطه… ومن مدينة حلب (شمالي سوريا) جاءتني دعوة من أديبة اسمها “رياض نداف” تدعوني لافتتاح منتداها، قائلة: (إنني قرأت وسمعت عن منتداك وتألقه على الساحة الأدبية فأرجوا أن تقبلي دعوتي لكي ترشديني الى الخطوات الناجحة لأنطلق..)، إلا أن وضعي الصحي حال دون قيامي بذلك واعتذرت لها.. كما دعيت الى مدينة السلمية بمحافظة حماة لافتتاح منتدى أدبي لـ “رابحة ونوس” ولبيت الدعوة وألقيت محاضرة وقضيت ثلاثة أيام هناك حيث قمت بنشاط ثقافي في المركز الثقافي بسلمية بأمسية شعرية شاركت معي فيها الشاعرة فاطمة غيبور.

أما في مدينة الرقة فقد كان للمنتدى صدى كبير، وبدأ الكثير من أبناء المحافظة يعاتبوني بعدم توجيه الدعوة إليهم لحضور فعاليات المنتدى فاعتذر بسبب ضيق المكان ..وقد أشاد الشاعر والأديب “محمد الحومد” أن المنتدى بدأ ذكره يغطي على المركز الثقافي، لأن المركز كان ينشط بمواسم ثقافية فقط، أما منتدى فوزية فهو دائم النشاط ويقدم عناوين مفتوحة للحوار ويجمع نخبة المهتمين في المجالين الأدبي والثقافي..

وقد كتب الكثير من الزوار من خارج سوريا ومن داخلها الكثير من القصائد تحمل اسمي واسم المنتدى  فقد وصلتني قصائد من الشاعر “سمران الجغيفي” من العراق، ومن مدينة حماة، ومن بيروت، ومن دير الزور للشاعر عبد الناصر حداد، ومن حلب والقائمة طويلة.. كانت أغلب الأسماء والقصائد محفوظة في سجلات خاصة وأحرقت من قبل الطغاة الذين أحرقوا المكتبة بما فيها، ووجدت هذه القصيدة أنشرها تصديقاً للقراء ولمجلتكم الموقرة:

الأخت الفاضلة.. والأديبة المناضلة السيدة فوزية المرعي

أوحت لي زيارتك في 5/12/2010 الأبيات الآتية :

بـ أهلاً ..وسهلاً تلتقيكَ كأنها       فراديسُ من عذبِ الفراتِ ورودها

سقاها فماجت بالأطاييب دوحها    وفاحت على الزوّار طيباً وُرودها

وغردتِ الأطيارُ نشوى كأنها     تُغنّي بيوتاً زانَ فوزاً شَرودُهـــــــا

فكم لكِ يافوزُ البلاغة من يدٍ     على الرقة ِالفيحاءِ ,جمٌّ شُهودهـــا

بنيتِ بها صرحاً تسامتْ فنونه   فمن أدبٍ يهدي , وعلم ٍيرودُهــــا

فدارُكِ ربْعُ الفنِّ والعلمِ والنُّهى   وعشّاقُ هذي الخالداتِ وفودهــــا

فدومي لنا , يافوز راعيةً لها     ومَرعيّها يزكو ..وحبُّكِ جودهــــا

إذا أظلمت دُنيا الفنونِ وأمحلتْ    فمن مهجة الموهوب يُروى وقودها

تَشكّيتِ من جور الزمانِ وكم عَدَتْ    على الحُرّ حُمرٌ للخطوب وسودهــا

ولكنّ نفس الحُرّ تأنف أن ترى    غنيّاً فقير النفس يوما يسودهــا

 

بيروت ـ د. فيصل المطر

 

ـ هل ثمة صعوبات عانيت منها أو دعم وتشجيع حصلت عليها في مسيرة منتداك الثقافي؟

 

لم أعاني من صعوبات بالنسبة لنشاط المنتدى، فقد كنت بعد نهاية كل ندوة أرتاح لمدة يومين وأضع عنواناً جديداً وأوجه الدعوة لمن سيشارك معي من خارج الرقة وأخبرهم بالعنوان الذي سيتم النقاش حوله وأتواصل عن طريق الهاتف أكثر من مرة لكي أطمئن  لحضور المدعوين.. أما إذا كان المشارك من داخل الرقة فالأمر أكثر سهولة.. وقبل يومين من انعقاد الندوة أذهب الى السوق لتحضير المواد التي تلزم لإعداد وجبة العشاء بعد الانتهاء من الندوة.. وأحضر البسكويت والسكاكر وفي صباح انعقاد الندوة أجهز المأكولات وفي المساء أقوم بتسخينها ويساعدني الأصدقاء المقربين بنقل الطعام من المطبخ الى طاولة السفرة ويسود جو حميمي اثناء تناول الطعام وكأننا اسرة كبيرة واحدة.. حيث يتراوح العدد من 35 إلى 50 أحياناً.. أما العناوين التي تتضمن التكريم وتقديم درع المنتدى فأقيمها في مديرية الثقافة نظراً لكثرة الحضور.. وفي نهاية كل جلسة عندما أصغي الى ثناء الحضور وأعلم من خلال مجرياتها مدى نجاحها تغمرني سعادة ونشوة لا توصف فأنسى إرهاقي وتعبي جسدياً وفكرياً ومادياً.

أما بالنسبة للدعم فإني لم أتلقى أي دعم وجميع الحضور يعلمون بهذا الأمر.. ربما كانوا يظنون أنني ثرية، وأنا لا أملك سوى راتبي وقد حرمت نفسي من كل شيء في سبيل أن تبقى مسيرة المنتدى ناجحة… والحمد لله .

 

ـ توقفت أنشطة المنتدى مع اندلاع الحرب في سوريا عام 2011م وسيطرة فصائل عسكرية مسلحة على مدينة الرقة في 2012م، وحين سيطر عناصر داعش -المعروفين بعدائهم للعلم والمعرفة ولحرية المرآة- على المدينة في عام 2014م صادروا منزلك وأحرقوا مكتبتك الشخصية، وكان المغول أحيوا من جديد وكرروا فعلتهم بحرق الكتب والمكتبات.. كيف أثر كل ذلك عليك؟ وماذا كانوا يستهدفون من وراء أعمالهم الإجرامية تلك؟

 

تألمت جداً على حرق المكتبة وجميع الوثائق المهمة فيها، ولا زلت حتى اللحظة أعاني بمرارة من فقد كتبي التي أعتبرها بمثابة أولادي.. أتذكر كل العناوين المنضدة على الرفوف.. فأشرد إليها وتقلبها أنامل الذاكرة فأبكي ويتقهقر وضعي الصحي.. وأكثر ما يحزنني وثيقة منحني إياها الدكتور الأديب عبد السلام العجيلي بخط يده ومن شدة حرصي عليها صورتها عشر نسخ واحتفظت بها بـ (كلاسور) خاص لها.. لكنني لم أعثر حتى على رمادها.. إنها الحقبة الداعشية السوداء قلباً وقالباً.

أما ما يستهدفون من وراء أعمالهم الإجرامية فانهم ينفذون مشروعاً صهيونياً برمجته لهم إسرائيل التي تريد إبادة كل البشر بكافة انتمائهم لتخلو الساحة لها.. ومن جهة ثانية لكي يشوهوا صورة الدين الإسلامي أمام المجتمع الدولي من خلال أعمالهم الاجرامية كالقتل لأتفه الأسباب والسبي الذي مارسوه على شعب آمن مسالم إخواننا (الإيزيديين) من سبي لإناث قاصرات وقتل الشباب والأطفال والنساء.. وإلى المجازر التي قاموا بها على الشعب الكُردي في مدينة كوباني وقراها.. وكانت ممارساتهم في كل المدن والقرى واحدة وهي التدمير والسرقة ونهب الأموال وحرق المكتبات وتدمير الآثار واللقى الاثرية لطمس هوية الشعب وتاريخه في كل بقعة دخلوها وعاثوا فيها الدمار والرعب والتنكيل على مرآى من العالم أجمع.. أما عن احتلالهم لمدينة الرقة فحدث ولا حرج.. ولرصد أعمالهم الاجرامية لمدة سنتين.. فالحديث عنها يحتاج لآلاف الصفحات ..

 

ـ ماذا عن نهوضك من جديد بُعيد طرد داعش من مدينتك، فلم تسقطي كما أرادت قوى الظلام، وإلى الآن تستمرين بالكتابة الأدبية، وثمة زاوية ثقافية لك في صحيفة “السوري”؟

 

من بؤرة القهر ينبث الأمل بالاستمرار لما رسمه القدر من عشق للأدب والثقافة وتلبية لموهبة حباني بها الله وبث في روحي العزم على مواصلة هذا النهج الجميل ومن  شب على شيء شاب عليه.. ورغم الألم والعوائق الصحية أمارس من حين الى آخر بعض النشاطات الأدبية كالمحاضرات في المركز الثقافي وفي المنظمات من خلال برامجها الثقافية.. وصحيفة السوري.. والمطالعة في أوقات متأخرة من الليل والكتابة متنقلة بين الشعر والقصة والمقالات وغيرها.. هذه هي طقوسي التي أحبها رغم أنوف المجرمين والحاقدين.. وأنا بصدد كتابة مسرحية للأطفال أتمنى أن أوفق بها وتنال رضى الجمهور وخاصة الأطفال ومشاريع الكتابة والقراءة لن تتوقف عندي إلا بأمر من الله عز وجل .

 

ـ كيف تنظرين إلى المشهد الأدبي والثقافي في ظل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا؟

 

بالنسبة للمشهد الثقافي والأدبي في ظل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، فهناك حركة دؤوبة ملفتة للنظر نلمسها من خلال نشاطات المركز الثقافي بالرقة وفروعه بتنشيط المسرح والأمسيات الشعرية والأدبية من حين لآخر.. وافتتاح مكتبة تضم الاف العناوين لتسهل عملية المطالعة ولكي يبقى الكتاب في متناول الجميع.. وتقام بين آونة وأخرى لقاءات للمثقفين والأدباء لكي يتدارسوا وسائل الارتقاء بالمستوى الثقافي والادبي والبحث عن وسائل لدفع ذوي المواهب إلى المثابرة من خلال مواهبهم سواء بالرسم أو بالنحت أو بالتمثيل.. أو الشعر.. والقصة والموسيقى، وهناك فرقة موسيقية مع فنانين تراثيين يؤدون التراث الرقي ويتدربون على توسيع رقعة التراث بابتكارات جديدة.. كما يوجد فنانين يجيدون العزف على آلة العود والكمان والغيتار والدف والإيقاع.. وبشكل إجمالي هناك حركة دؤوبة في كل نقطة أشرت اليها وهنا نستطيع تقييم الوضع بأنه جيد قياساً بالفترة الزمنية التي احتضنت تلك المهارات.. وإن كان ثمة تقصير فإن طريق البداية دائما وعرٌ وشاق ويخضع للتجارب والصبر ومن كل كبوة ينبثق نجاح يذهل المتأمل.

 

ـ في الختام، نشكرك على التكرم وقبول دعوتنا للحوار.

 

في ختام هذا اللقاء الحميمي مع مجلتكم الغراء “شرمولا”.. أتمنى لها المزيد من التألق فبعد انتشارها أصبحت ملفتة للنظر والاهتمام بترقب إصداراتها الدورية.. متمنية لكوادر العمل فيها وللمساهمين في نشر المواد من قصة وشعر ومقالات بشتى عناوينها التألق الدائم والصحة والسعادة.

بورك هذا الإنجاز الرائع الكامن في شكل ومضمون مجلة “شرمولا” دامت الأيادي البيضاء التي تضع بصماتها على صفحات التاريخ بعبق يستمر أبد الدهر من جيل الى آخر.

Hits: 11