شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

خصائص الكتابة والنقد في كتاب “جماليات الحكي ومتاهات السرد: دراسات في السرد العربي” ـ د. محمد رحــــو- المغرب

108

 

 

 

 

 

 

 

بين يدي الكتاب:

صدر للكاتبة “إلهام الصنابي” مؤخراً مؤلفها النقدي الثاني “جماليات الحكي ومتاهات السرد: دراسات في السرد العربي” عن منشورات جمعية العلامة الجمالية بوجدة سنة 2019، وذلك بعد أن كانت قد أطلقت باكورة أعمالها النقدية الأولى سنة 2016 بعنوان “الشعر المغربي المعاصر تجليات وأبعاد” ، فبعد ثلاث سنوات انصرمت من عمر الكتابة، ها هي الكاتبة تجدد اللقاء بالقارئ وتؤكد حضورها في الساحة النقدية جهوياً ووطنياً، وتعلن لبنات جنسها على المستوى المحلي ريادتها على هذا المستوى. الكتاب هو تجميع لمقالات نقدية، كُتبت على فترات متفرقة، وفي مناسبات مختلفة، تقاربت أحياناً وتباعدت أخرى، منها ما عرفت طريقها إلى النشر، ومنها ما ظلت حبيسة رفوف مكتبة صاحبتها بعد أن أذاعتها في المتلقين خلال مهرجانات وملتقيات ثقافية. أوجدت لها خيطاً ناظماً هو السرد، وجعلت منها جميعاً قسمين كبيرين، ضم الأول سبع مقالات في الرواية، والثاني خمس مقالات في القصة بنوعيها القصيرة والقصيرة جداً، انصبت كل مقالة على إبداع بعينه ليصير عدد الأعمال المقروءة اثنا عشر عملاً ما بين رواية وقصة.

وليس في هذا التجميع ما يعيب الكتاب ويشينه أو يحط من قيمته في شيء، ذلك بأن العدد الكبير من روائع الإنتاج الأدبي القديم والحديث العربي والعالمي ليس إلا مجموعات من المقالات التي نشرها أصحابها في الصحف والمجلات، ولا أدل على ذلك من ذكر كتاب “الغربال” لميخائيل نعيمة، و”حديث الأربعاء” لطه حسين، و”أحاديث الاثنين” للناقد الفرنسي سانت بيف و”الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه” لعباس الجراري.

لقد برعت الكاتبة في تنسيق مواد مؤلفها وترتيب عناصره بالرغم من التباين الحاصل في زمن الكتابة ومكانه والظروف المحيطة بكل مقالة، جعلت منه بنية متكاملة لا يكاد قارئه يبين أجزاءها لولا عناوين المقالات التي تكشف عن الإبداع المخصوص بالدراسة، كما في المقالة الافتتاحية الموسومة بـ “النبوءة في الرواية العربية مذكرات دجاجة لإسحاق الحسيني” والتي تحيل بشكل مباشر على أن الأمر يتعلق بدراسات مستقلة ومتابعات نقدية لمجموعة من الأعمال الإبداعية.

ويظهر هذا التنسيق وجمالية التأليف على المستويين المادي والمضموني، فعلى المستوى الأول اتخذت الكاتبة عناوين هذه المقالات فصولا لكتابها، وجعلت المحاور المكونة لها في شكل مباحث، وأما الأقسام الكبرى فشكلها جنسان سرديان هما الرواية والقصة، وبالنسبة للمستوى الثاني، فقد نوعت الكاتبة دراساتها للأعمال الإبداعية، فكان أن اهتمت كل مقالة بجانب محدد كما تنطق بذلك عناوينها، اهتمام يجعل القارئ وهو يتقدم في القراءة، يتدرج من فكرة إلى أخرى وينتقل من قضية إلى أخرى جديدة، ويمكن أن نمثل لذلك بقسم الرواية الذي انصبت فيه الدراسة الأولى على قضية النبوءة في الرواية العربية، وتطرقت الثانية إلى متاهات السرد، وعالجت الثالثة قضية البناء السردي، وتعرضت الرابعة للمكونين الأسطوري والديني، وتناولت الخامسة إشكالية التجنيس، والسادسة تقنيات توظيف السارد، وانبرت السابعة لتيمة الهجرة.

 

دلالات العنوان:

اختارت الكاتبة لمؤلفها عنواناً مركباً من عدة أجزاء، تجمع بينها علاقات إضافية وعطفية وإسنادية، جعلت منه في الأصل عنوانين اثنين: الأول رئيسي “جماليات الحكي ومتاهات السرد” والثاني فرعي “دراسات في السرد العربي”، ركبا فيما بينهما تركيباً إسنادياً يشكل جملة اسمية. يحيل الجزء الأول على الجوانب الفنية المخصوصة بالدرس والتحليل وهي كل ما يتعلق بجماليات الحكي ومتاهات السرد، ويعطي انطباعاً عن شمولية الدراسة لكونها تركز في جانب منها على الحكي والسرد والعناصر المتعلقة بهما التي لا تنفصل في جانب آخر عن المضمون الحِكائي، وبهذا يفترض أن يجمع التأليف بين الجانبين المضموني والفني. وأما الجزء الثاني من العنوان فيحيل على جنس التأليف وهو النقد الذي نصت عليه لفظة “دراسات” التي عوضت ما أغفل في هذا الجانب، فغالباً ما يشار إلى جنس الكتاب في أسفل الصفحة الأولى من الغلاف، وهو الأمر الذي يعدمه هذا التأليف. كما يحيل من خلال بعض مكوناته عن العمل الأدبي موضوع النقد والدراسة وهو “السرد”، وعن الفضاء الجغرافي الذي ينتمي إليه وهو “الفضاء العربي”، وبهذا يكون العنوان قد جمع بين مكونات عدة تخص كلا من الموضوع والجنس الأدبي والفضاء الجغرافي.

 

ربط اللاحق بالسابق:

يستدعي النظر في هذا التأليف، والإحاطة بمقومات الكتابة والنقد عند الكاتبة “إلهام الصنابي” العودة إلى مؤلفها الأول وعقد نوع من المقارنة بين المنجزين، فالمتصفح لهذين العملين يلمس بوضوح انتقال الكاتبة من دراسة الشعر في كتابها الأول، إلى دراسة السرد في كتابها الثاني وهو انتقال ينم عن تنوع مقروء الكاتبة من الإبداع المغربي وتطور تجربتها النقدية، ثم انتقالها من المحلية والإقليمية إلى فضاء إبداعي أوسع وهو الوطن العربي، فبالرغم من عمومية العنوان الذي اختارته لعملها الأول “الشعر المغربي المعاصر” إلا أن المتن المدروس يقتصر على فضاء جغرافي محدود هو فضاء الجهة الشرقية، أو بالأحرى الفضاء الإقليمي لمدينة وجدة، إذا ما استثنينا حضور الشاعرين “الحسين القمري” و”جمال أزراغيد” من الناضور والشاعر “محمد غريب مخوخي” من العيون.

ولم تتجرد الكاتبة من هذه الرؤية الإقليمية التي بدأتها في دراستها النقدية الأولى بشكل كلي حتى وهي تذرع الفضاء العربي في مؤلفها الثاني، فمهما بدا في هذا العمل الجديد من انفتاح على عوالم جغرافية جديدة، وتوسيع للرؤية كما نص على ذلك العنوان إلا أنه انفتاح جزئي، إذ لا تكاد الكاتبة تطرق هذه العوالم حتى ترتد ببصرها إلى الانتاج المحلي، فمن بين اثني عشر عملاً إبداعياً، لا يوجد خارج التحديد الإقليمي سوى أربعة، الأول للروائي الفلسطيني اسحاق الحسيني في “مذكرات دجاجة” والثاني للروائي الليبي إبراهيم الكوني في رواية “البئر” والثالث للحسن أمامي المنحدر من مدينة مكناس المغربية في روايته “صرخة المصابيح” والرابع للقاصة المغربية زهور كرام المنتمية إلى مدينة سطات تحديداً في مجموعتها القصصية “مولد الروح”، لتبقى جُلّ الدراسات والأعمال خاضعة للرؤية الإقليمية، وهي رؤية لا تعني قصر نظر الكاتبة إلى الإبداع العربي، ولا علاقة لها البتة بمحدودية الاطلاع والمتابعة لما ينتج وطنياً وعربياً بل وعالمياً حتى، وإنما هي محددات منهجية، الهدف منها تضييق دائرة البحث قصد الاستحواذ على الظاهرة الأدبية.

فلا عيب إذن أن ينضبط هذان التأليفان لهذه المحددات المنهجية، وتخضع الكاتبة لشروطها، بل إنه – في نظري – أنفع للكاتبة وأصلح للإبداع أن يبقى متن هذا الكتاب الجديد خالصاً لروح الإقليم والجهة وحدودهما، ويسيرَ على هدي سابقه. وليس غاية هذا النظر تضييقَ المجال وتشديدَ الخناق على الكاتبة، فالجهة في حد ذاتها فضاء إبداعي واسع حقق تراكماً لا يستهان به، قد لا يسعه قلم ناقد أو ناقدين أو حتى أكثر من ذلك، خاصة في بعض الأجناس كالشعر والمسرح اللذين احتلت فيهما الجهة مركز الريادة. إن هذا النظر ليجد منطلقه في كون اشتغال الكاتبة ضمن الإطار الإقليمي، وتحقيقها لهذا الانتقال من الشعر نحو السرد يضعان اللبنات الأولى لمشروع نقدي، هذا المشروع الذي نكاد نفتقر إليه في أدبنا المغربي، ويعدمه كثير من نقادنا. كما أن البحث ضمن حدود الإقليم وفي إطار مشروع نقدي هو الطريق الموصل إلى البحث في الخصوصيات التي توصل بدورها إلى إنتاج نظرية أدبية من صميم بيئتنا وواقعنا. لهذه الغاية تظل الدعوة إلى المنهج الإقليمي في الدراسات النقدية سواء بالنسبة للكاتبة أم لغيرها من النقاد دعوة مبررة وذات مصداقية.

 

المناولة النقدية

استندت الكاتبة في دراستها للأعمال الإبداعية إلى القراءة والتحليل والتأويل، من غير إصدار للأحكام إلا فيما ندَر، ثم استنتاج الخلاصات، وهذا المنحى هو ما سماه “محمد مندور” الدراسة الأدبية مميزاً إياها عن النقد، ذلك بأن النقد عنده هو قرين التقييم والتوجيه، بينما الدراسة الأدبية تعتمد التفسير والتعليل. ولعل حرص الكاتبة على التحليل أكثر منه على التقييم، ينبع من عدة اعتبارات ليس أولها انتقاءها للأعمال الإبداعية المدروسة، فقد وقع اختيارها على ما يتلاءم وذوقها الأدبي ورؤيتها الفنية والجمالية، لذلك فلا وجود لما يدعو إلى التنافر والتعارض بين الناقد والمنقود، أو لما يتطلب التقييم، فهذا الاختيار في حد ذاته حكم وتقييم للعمل الأدبي، هذا بالإضافة إلى إعراض الكاتبة وكباقي المشتغلين بهذا الحقل النقدي عن الدخول في صراعات مجانية قد تقدح زنادها بعض الأحكام التقييمية، يرون أنهم في غنى عنها ما دام النقد في اعتقادهم من اختصاص المؤسسات وليس الأفراد.

وكيفما كانت الدوافع والأسباب الداعية إلى اختيار الناقدة لهذا الاتجاه التحليلي التفسيري، فإن أهميته في تفكيك النصوص واستنباط مكوناتها الفنية والجمالية لا يمكن إنكارها، فلا ينبغي إذن تبخيسه والنظر إليه باعتباره أقل قيمة من الاتجاه التقييمي. فإذا كان التقييم يحتاج إلى أدوات معرفية وجمالية بخصوصية النص الأدبي، يتم من خلالها الحكم عليه بالجودة أو الرداءة، فإن التحليل والتفسير والتأويل تحتاج إلى ثقافة موسوعية وخبرة عالية تحتم على الناقد أن يتقاسم مع المبدع أحياناً المرجعيات الثقافية نفسها ليصل إلى التأويل الصحيح، ويتمكن من استخراج ما في بطون النصوص من رسائل قيمية ، وهو أمر نقف عليه في عدة مواطن من هذا العمل، ولا أدل على ذلك من تفكيك الناقدة لرواية “اتلايتماس” لـ محمد بودشيش، فاطلاع الناقدة على تاريخ منطقة الريف في أدق عناصره كمجريات أحداث قبيلة آيت سعيد بجماعة أمجاو كان سبيلها نحو استخراج أشكال الهجرة واتجاهاتها ودوافعها وتأثير ذلك على سكان المنطقة نفسياً واجتماعياً.

وعلى عكس الاتجاه التقييمي الذي يحصر النص الإبداعي في إطار محدود من المعايير والمقاييس النقدية، ويقف بالقارئ عند محاسنه ومعايبه، فإن الاتجاه التحليلي يحمل بصمات إبداعية، لكونه يعيد كتابة النص كتابة ثانية، ويعطيه روحاً ونفساً جديداً، وربما يحمله قيماً جديدة لم تخطر على بال صاحبه، ولم يقصد إليها قط، كما قد يتركه مشرعاً على قراءات نقدية متعددة لنقاد آخرين، قد تأتلف فيما بينها وقد تختلف، وبهذا يظل النص الإبداعي ناقصاً غير مكتمل الصورة إلا بعد عرضه على أنظار الناقد.

 

منهج الدراسة:

وفيما يتعلق بمنهج الدراسة في هذا التأليف والآليات التي استعانت بها الكاتبة في قراءاتها للنصوص الإبداعية، فيمكن القول إن الكتاب مستقل بذاته ولا يخضع لأي توجيه خارج عنه، والكاتبة لها أسلوبها الخاص في القراءة والتحليل ينأى عن المناهج الغربية والأجنبية التي كثيراً ما تغرق النص الإبداعي في مصطلحات غريبة عنه، فتُقيد القراءة وتحد من إبداعيتها، وتسيء من ثمة إلى النص الإبداعي. فالمناهج ليست قوالب جامدة نصب فيها النص أو نسقطها عليه، وما اعتمد في الغرب فهو يستجيب لظروف تاريخية وطبيعية غير ظروف المجتمع العربي وأدبه .

ولكي تطابق آليات القراءة ومناهجها في هذا الكتاب الأصول العربية وظروف المجتمع، تسلحت الكاتبة في مناولتها النقدية بحس أكاديمي تترجمه الصرامة المنهجية في التعامل مع النص الإبداعي، فقد التزمت بالنص ولا شيء غيره، وكل الاستنتاجات والخُلاصات المتوصل إليها هي من فيوض النص وتفاعل عناصره، فهي لا تصدر أحكاماً جزافاً ولا تتسرع في تدوين النتائج إلا بعد تدقيق النظر وتعميق القراءة مستفيدة بطبيعة الحال بمعطيات التاريخ والمجتمع وعلم النفس وغيرها من الآليات المساعدة على القراءة، وبذلك نجدها تستدعي كل العتبات والمصاحبات النصية التي من شأنها أن تضيء غياهب النصوص وتساهم في فك مغلقاتها بدءاً من العنوان، فلوحة الغلاف، فالإهداء… ويمكن أن نمثل لذلك بدراسة الناقدة لرواية “شظايا حارقة” لأمينة برواضي، فبعد تمهيد استعرضت فيه الناقدة مؤلفات المبدعة الروائية والقصصية، توقفت عند عتبة العنوان ثم لوحة الغلاف وبعدها الإهداء ثم التقديم والتقديم الصغير في الصفحة الرابعة من الغلاف، فبالنسبة للعنوان فقد كان مقلاداً فتح للناقدة أفق قراءة المتن وتوارد الأسئلة، دفعتها مكوناته الدالية والدلالية إلى التساؤل عن أحداث الرواية التي أضحت شظايا حارقة، وعن ضحاياها، والآثار النفسية والجسدية التي خلفتها، كما جعلها تستدعي في نوع من المقارنة والمقاربة التناصية ديوان الشاعرة العراقية نازك الملائكة “شظايا ورماد” الذي وضعت من خلاله الشاعرة اللبنات الأولى لتجربة الشعر الحديث في العالم العربي، وقياساً على ذلك تتساءل الناقدة، هل ستتمكن الروائية آمنة برواضي من تأسيس خط روائي يؤسس على الأقل لتجربة خاصة بها؟

وفيما يتعلق بالإهداء، فقد استنبطت منه الناقدة ثلاثة مكونات هي: الأشخاص والزمان والأحداث اعتبرتها مرجعيات لكتابة هذه الرواية، ودفعتها إلى تأويل الشظايا الحارقة بالهموم المجتمعية للمواطن، وهكذا تستمر الناقدة في التعامل مع باقي العتبات، فهي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا واستنطقتها. وبالرغم من اختلافنا مع الناقدة في بعض هذه القراءات والتأويلات كما في دراستها لعنوان شظايا حارقة، فإن هذا التعامل مع العتبات يبقى مفيداً في الولوج إلى عالم النص واستغوار قضاياه، كما يبصر المتلقي بتناغم البناء العام للنص وتكامله، فهذه المصاحبات تسم الدراسة بالشمولية، وتمنح القارئ صورة عامة عن العمل الإبداعي.

 

ختاماً يمكن القول إن كتاب “جماليات الحكي ومتاهات السرد دراسات في السرد العربي” متفرد بخصائصه في الكتابة والنقد التي تجمع بين الانتصار لقيم النص والاذعان لسلطته، وتجاوز المتعاليات المنهجية التي تتعسف على قراءة العمل الإبداعي، فتقوله ما لم يقله. فوحدها دقة نظر الناقدة وتيقظ فكرها وانصاتها العميق إلى نبض النص هي التي كانت وراء استخلاص النتائج وتسجيل الخُلاصات.

Hits: 11