شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

أصداء حبّ يحتضر ـ عبد الحميد دشو

63

 كانت امرأة تثير الدّهشة، تركها زوجها منذ عامين في هذه المدينة الغارقة بضجيجها الأبدي، وتحولت إلى معيلة لطفلين في منزل متواضع على أحد أطراف المدينة، ولازالت صامدة، والذكريات المريرة تداهمها في ساعات الصمت الليلية الطويلة، وقد تحولت حياتها إلى مشاعر أسف حارقة … تنهض باكراً في الصباح لتذهب إلى مكان عملها في مشغل للخياطة، لتعود عند المساء منهكة، مستنزفة، ومعها طفليها، هكذا أصبحت حياتها، مزيج من التحدي والألم، تقودها غريزة البقاء والأحداث اليومية العاصفة بقسوتها، تقسم مرتبها بين آجار المنزل وتكاليف المعيشة الباهظة، لكن ينبوع الحنان -المتدفق من ثنايا صدرها- لا يبدو أنه سينضب، تحتضن طفليها بيد، وتعمل لإطعامهم بيد أخرى، وما زال في قلبها بقايا أمل بنهوض حبّ قديم لم يمت بعد…

بداية الحكاية كانت الانجرار وراء الحب ولمّا تبلغ الخامسة عشر من عمرها، وهو الحب الذي حرف مسار حياتها إلى هذه النقطة، منذ أن تعلقت بابن حارتها كامل، ثمّ زواجها منه رغم معارضة أمها، وقد جرّ عليها قوامها الجميل، وأنوثتها الطاغية الكثير من الإشكالات ولايزال، بدءاً من نظرات الإعجاب وكلمات الإطراء في الشّـارع والحي، وصولاً إلى زواجها المبكر، انتهاءً بدخولها مجبرة سوق العمل بعد هروب زوجها، تلاحقها تلك النظرات المزعجة، والكلمات المزيفة، التائهة، وهي تغلي حنقاً على أولئك البشر، ولازالت كلمات أمها ترن في أذنيها:

– أنت صغيرة بعد على الزواج، أنت قاصرة!

ثمّ جاء مقتل أهلها في الحرب، ونزوحها مع زوجها إلى هذه المدينة قبل ثلاث أعوام، ثمّ هروبه من عشّ الزوجية ليزيد من حجم التراجيديا في حياتها، وهي تشعر بأن كلّ ما جرى لها في الماضي قدر لا مجال للهروب منه، لكنها لم تفقد الأمل بعد، لازال الينبوع متدفقاً، والذاكرة تأبى أن تنسى صورة الزوج الهارب، إنه والد طفليها، وشريك حياتها لأربع سنوات متواصلة، وحبها الأول، وبستانها الأخير، وما برحت تختلق الأعذار له، فوطأة الحياة وارتفاع تكاليفها كانت تجتاح قدرته، حتّى لم يجد بدّاً من الهروب إلى مدينة أخرى، لكـن مـا جرى كـان كيد امرأة أخرى لعبت بعقله، فاختطفته بلحظة خيانة منه، وهكذا تحولت فجأة إلى أم عزباء، تواجه الحياة بمفردها، وما عليها إلا أن تتفوق بكيد أكبر، وهذا ما أدركته من التجارب المرّة، واعتبرت إعادته إلى حياتها معيار نجاحها الحقيقي، سيما أنه رجع إلى المدينة، وتتساءل باستمرار:

– ماذا يهمني إذا ربحت العالم وخسرت زوجي … وأنا التي اخترته بمحض إرادتي!

نعم … لقد اختارته بمحض إرادتها في لحظة جنون مذهلة، لكن كلّ هذا لم يعد يجدي نفعاً الآن… الدائرة الاجتماعية بدأت تضيق حولها، فالزوج الهارب العائد يأبى دفع النفقة، بل وبدأ يطالب بالطفلين، وصاحب المنزل يحاول لمس يديها كلما جاء لقبض الآجار، ويهدّد بإخراجها من المنزل إذا لم تدفع أكثر لأن قيمة الليرة انخفضت في الفترة الأخيرة، وقد سئمت من تحرشاته ونظراته غير المريحة، وطفقت تبحث منذ نحو شهر عن منزل آخر أقل تكلفة دون جدوى، كما أنّها لم تجد عملاً بديلاً بعد، لأنّ إحسان صاحب المشغل الذي أبدى إعجابه بها أخيراً، قرّر إغلاق مشغله تحت وطأة الركود والإفلاس، والهجرة إلى الخارج، وعرض عليها الزّواج أكثر من مرّة، بشرط ترك طفليها لوالدهما، وتركها تفكر وتقرر ريثما يعدّ أمتعته للهجرة، مع وعد بحياة أفضل في ألمانيا أو السويد، وهي تدرك أنه رجل جيد، عطوف في الظاهر، وتكنّ نحوه إحساساً مريحاً، ولكن ماذا تخبئ لها الأيام؟ كلّمها عبر الواتس آب للمرة الأخيرة، ودار بينهما حديث مقتضب، قالت له في البداية:

– لازلت على ذمة رجل.

– ارفعي دعوة تفريق وتنتهي المشكلة.

– وأطفالي، ماذا أفعل بهم؟

– دعيهم عنده، لن يصيبهم شيء.

– لا أستطيع، أعتذر منك.

– فكري جيداً، معاك خمسة عشر يوماً على الأكثر، ستعيشين حياة سعيدة معي.

– لن أترك أطفالي تحت رحمة زوجة أبيهم، سيضيعون ولن ينفعني الندم.

– سأمنحك ألف دولار من ثمن المشغل، وسأفرش لك البيت حسب طلبك!.

– أوووه… أنت تحرجني، الله يرزقك بنت حلال غيري.

– سأمنحك فرصة التفكير خلال أسبوعين، أنا أحبك يا سلاف!

وأغلق الواتس، بينما انصرفت هي إلى طفليها، وأخذت تتأملهما وهما نائمان، وقد انقبض قلبها لمجرد التفكير بتركهما، وقالت في نفسها:

– من سيطعمهما الموز والكاتو بعدي؟ من سيشتري لهما ثياب العيد والسكاكر؟ من سيضمهما إلى صدره بحنان؟

كانت واثقة حتى أعماق روحها أنّ زوجها سيعود، وستغفر خطيئته، ليكملا معاً بناء عشهما الزوجي، وجوده بجانبها، مجرّد وجوده سيضع حدّاً للأقاويل والظنون والأعين الغادرة، لكنّه خائن هو الآخر –قالت في نفسها- لعله أحسّ بخطيئته، لقد تحول إلى كائن ذليل، حقير، وأذلني معه، لم تعد تهمني أخبار العالم، سأختار الانتظار والإيمان بحتمية الانتصار على قسوة الحياة التي أعيشها بمساندة شيئين أساسيين: الصبر والإرادة .

أمسكت بالمرآة الصغيرة وتأملت وجهها طويلاً، كان هادئاً، وقوراً، تغطيه مسحة من الشّحوب والمرارة، لا ينمّ عن امرأة في سن العشرين … والسّاعات تتجرر بتثاقل مؤلم من الحرمان والانتظار الطويل، تخيلت الألف دولار، والرفاهية في ألمانيا، والزوج الجديد، ولكن تساءلت بحرقة:

– وما نفع كل ذلك إذا عاش أطفالي محرومين من بعدي؟!

أطفأت المصباح، وارتمت على الفراش نصف عاجزة، تتمنى الموت في محاولة للحاق بأهلها والخلاص، وضعت يدها على قلبها المرتعش إشفاقاً من نزيف متوج بالأشواك، وأغمضت عينيها محاولة نسيان التفكير بمشكلة البيت والعمل، والعرض الذي قدمه إحسان على طبق من ذهب، داهمتها صور شتى من الماضي، تراجعت خطوات إلى الوراء لتمسح الحاضر بكلّ مرارته، وتعود إلى أيام الطفولة، حين كانت أمها تضمّها آخر الليل عند استيقاظها مذعورة من صوت الكلاب، وتمسح لها رأسها قائلة : لا تخافي بُنيتي، هذه كلاب سوق … وكلاب السوق لا تخيف أحداً.

هل هذه خطيئته لوحده أم خطيئتي أنا؟ أفكار مجوفة، هرطقة، زرعتها كلمات كامل:

– ستبقين حبي الوحيد، وليس هناك ما يستحق الحب غيرك، لن أتخلى عنك! سنتقاسم مرارة الحياة ونجعلها حلوى وعسلاً في عشنا الزوجي… سنزرع منزلنا بالحب والأزهار..

والآن جرى ما قد جرى، ولازالت تتذكر اللحظات السّعيدة أكثر من اللحظات القاسية في مشوارها الحالي كتذكار جميل في مخيلتها لا يمكن أن يُنسى، وتساءلت: لم لا يستمرّ الفرح؟

وأخيراً انقضت مهلة الخمسة عشر يوم، وجاء إحسان إلى بيتها بكامل أناقته ومعه والدته، وفي جيوبه وعوده السّخية، وسألها عن قرارها الأخير.. كانت سلاف مثل محرقة جليدية، باردة برودة الموت من الخارج، وتتأجج في الداخل كبركان ثائر، شرعت تتبسم وهي تستمع لعروضه المغرية، ورأت أن ظلام السماء في الخارج قد بدأ ينجلي من خلال النافذة الوحيدة في الغرفة، وأسراب من الحمام الأبيض تحلق في الفضاء، وثمّة إحساس غامض بداخلها تجاهه قد بدأ يتحول مع تحول الجليد إلى ماء تحت وهج الشّمس… ذرفت عيناها بقايا دموع صامتة وسط جنبات ابتسامتها الخفية، شبه الماكرة، استعداداً لإعلان النصر على بقايا حب يحتضر، لازال صداه يتجلجل في خبايا روحها، وبلحظة لم تدرك ماهيتها، أهي لحظة قوة أم لحظة ضعف؟!، هتفت من الأعماق: وداعاً… وداعاً أيها الماضي.

Hits: 8