شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

بين ضفتين ـ زيدان عبد الملك

92

 

 

 

 

 

 

 – 1 – 

ضربة.. ونزّ الماء.. تدفّق الدم في عروقي، ضربة.. وانبجس من بين الحجارة، ضربة أخرى.. تدفّق سخياً. اجتاحتني ثورة فرح.. غمرتني من أخمص قدميّ إلى شعر رأسي.. صرختُ.. تردّد الصدى في جنبات البئر، نادتْ ما بك؟!

– الله أكبر يا سلمى! الماء يتدفّق يا حبيبتي.

أمسكتُ المعول.. اقتلعتُ حجراً.. حررت المجرى.. وضعت الحجارة في السّلة وهززت الحبل لترفعها. أعيدي الحبل، وبين ذهاب السلة وعودة الحبل، ارتفع الماء وغمر ساقيَّ إلى ما تحت الركبة. ربطتُ وسطي، وشرعت بالتسلّق.. نبضات القلب تدقّ في صدري، فتتراقص أضلعي.. استقبلتُ الشمس ساطعة.. زممت جفوني، ومن بين الرموش تسربت أشعتها.. خطوة أخيرة.. تناولتني يد سلمى.. وقفنا.. برقتْ عيناها.. زغردتْ.. حضنتها بقوة.. شددتها لتنغرس فيَّ.. تأوّهتْ.. همستْ: على رسلك. درنا.. كانت فراشة تفرد جناحيها وثوبها مروحة.. درنا حتى كدنا نسقط أرضاً. لحظات من الفرح تغمرنا، هل نقف على الأرض أم نطير في الجوّ؟! نسينا تعب الأيام، وتشقق الأيدي في الحفر، ورفع الحجارةِ والأتربة، لم يذهب تعبنا هدراً.. تحقق الحلم الذي آمنا به.

فوق كومة من الحجارة والأتربة التي رُفِعتْ من جوف الأرض وتكوّمت تلة قرب البئر جلستْ.. فردتُ جسمي ورأسي في حضنها، كم أنا محظوظ بكِ، ابتسمتْ.. عبثت أناملها بشعري، سألتها: هل أنساكِ الماءُ الجوعَ؟

– الفرحة أنستني كلّ شيء إلّا أنتَ… أمسكتُ يدها، ويممنا شطر بيتنا عائدين، وطائر السعادة يرف فوقنا.

– 2 –

مساءً زارنا أبو علي وعائلته مهنئين. نالت الذكريات نصيباً وافراً من السهرة. قال علي: يا عمّ، إنكما حديث القرية، ما قصتكما؟!

–  ماذا يقولون؟ والدكَ يعرفها.

– والدي وغيره لا يعلم إلّا القشور، أحبّ سماعها منك.

قصتنا، يا صديقي، بدأت في المدرسة، هي تصغرني بعامين، قوية، ونشيطة، تتزعّم فريقاً، وأتزعّم فريقاً، نتشاجر أحياناً، أحسّها تتعمّد مضايقتي، أواجهها بقوة، ربّما، حينها، كانت تعمل ذلك بدافع المنافسة، أو لأنها بنت الشيخ، وأنا ابن مرابع لدى والدها. لم أشعر بالدونية، تعلمت من والدي، كان يقول لأمي: هو الشيخ وأنا المرابع؛ لكنّه ليس بأفضل من غيره، خُلقَ في بيت غنى، وأنا ابن فقير. العمل ليس عيباً.

تابعنا الدراسة أنا وأخوها بشير، لم أعد أراها. التحقتْ هي بمدرسة للإناث، ومنعوها من اللعب معنا، قالوا: كبرتِ… صرنا في الصف الثالث الإعدادي. في تلك السنة تمّ الانقلاب على الوحدة السورية المصرية، التهب الطلاب، وخرجوا في مظاهرات تندّد بالانفصال، اقتربتْ مني.. همست: إيّاكَ أن تخرج غداً، وذهبتْ. نكاية بها خرجتُ، ونلتُ ما نلت من ضرب مبرّح، كدت أفقد حياتي. علمت أن (بشيراً) دسّ عليّ، ولما صدرت نتائج الامتحان رسب، ونجحت. لم يكن والدي يملك مصاريف المدرسة الثانوية، ولأخفف عنه التحقت بالثانوية الزراعية، مدرسة داخلية، وتعطي مرتباً يكفي مصروفي الشخصي.

صباح يوم أيلولي لم تبزغ شمسه بعدُ، ودّعت والديّ. حملت حقيبتي قاصداً حمص، وعند ناصية الزقاق قرب بيتها خرجتْ مسرعة، وقفت أمامي محمرة الخدين، لمحت الدمعة في عينيها، همست: الله معك، لا تنسَ مشاغباتنا، تذكّرْها كلما ضجرت.. لم تترك وقتاً لكلمة، طبعتْ قبلة على وجنتي، وعادت…

مشدوها وقفتُ، لم أعرف ما أفعل، ارتفعت يدي إلى وجنتي، تحسّست بقايا من شواظ قبلتها.. ماذا فعلت تلك المجنونة؟! حمدت الله أن لم يرها أحد. ظلّت صورتها ترافقني، وتتراءى لي أينما توجّهت حتى عدت في عطلة الصّيف، كانت ترقبني من نافذة تطلّ على الطريق، طيّرتُ لها ردّاً على قبلتها تلك.. ضحكت، ولاذت تتخفّى عن ناظري.

عملتُ أيام العطلة، وادّخرت من مصروفي علّني أستطيع متابعة الدراسة الجامعية؛ لكن سوء الحظ ترصّدني. مرض والدي فصرفت ما ادّخرته، وغلبني القدر فاختطفه، وترك لي أمّاً تدعو لي. وأدتُ حلم الجامعة، وبشق النفس أكملت سنتي المعهد الزراعي.

سلمى أنهت الإعدادية. تقدّم ابن عمها لخطبتها، رفضت معللة: أريد إكمال دراستي. غضب والدها، يكفي ما نلتِ، البيت أولى بكِ. وبعد عناد، استطاعت انتزاع الموافقة على الالتحاق بدار المعلمات. تبادلنا الرسائل، وترعرع الحب في قلبينا. اتفقنا على الزواج. صارت معلمة، وأنهيت المعهد. تقدّمتُ لخطبتها، فثارت عاصفة أسرتها، أنا ابن المرابع، وهي بنت السماء، وأنّى لي النظر إليها. وسّطتُ لهم، فازدادوا عناداً. رفضتْ كلّ مَن تقدّم لها، حاولوا إجبارها، فهددتهم.. اشترطوا مهراً وبيتاً يليق بأميرة، قالت: المهر حقّ لي، أنا أحدده. توعدوني فما تراجعت. تواعدنا على اللقاء في دار القضاء، وتزوجنا على الورق، أرتهم عقد زواجنا، وتوسّط القاضي نفسه. رضخ والدها مغصوباً.. هددها: لا تدخلي بيتي بعد الخروج منه. وتحقق حلمنا.

نصحوني بالسفر، قالت: أرضك أولى، اعمل بها. أنت تعلمت لتكون مزارعاً، أثبت للجميع أنك ابن والدك الذي تعلق بأرضه ولم يبعها رغم المغريات. دعنا نعمل يداً بيد.

قررنا أن نحفر بئراً في أرضنا بعد أن أشار أحد المختصين بوجود الماء فيها. عملنا شهوراً. لم يؤمن إنسان قط أننا سنبلغ غايتنا. حفرتُ وحفرتُ، تجاوزت الخمسة عشر متراً، لم تهن عزيمتي، كلما مللت شجّعتني، وبعدها ازدادت رطوبة التربة فكبر حلمنا.. تابعت الحفر، فتسرب الماء، وتدفّق… حققنا حلمنا الثاني.

– وبعد … ؟

– حلمنا الثالث.. ولادة “أمل”…

Hits: 7