شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

حورية سيد الوادي ـ رِهام مروان

115

 

 

بضعُ قطراتٍ من النبيذِ على شفتيهِ، الكؤوسُ طافحةٌ، والتوتُ مخمرٌ يملأ المعبدُ بإنهاكٍ. لا حركة للأمير النائم الذي يظهر نصفه العلوي من كتفيهِ وشعره الأسود الطويل. الهيكلان يقفان إلى جانب السرير الحجري، يردد أحدهم “الموتُ سيخيم على الروح”، الأول خلع جمجمته من مكانها ثم أعادها بغضبٍ، الثاني يكتم ضحكته بكلتا يداه، يتناقشان بكلامٍ غير مفهوم يشبه صريرَ البابِ.

قفصٌ أسمنتي، البحيرةُ بمنتصفه يلتف حولها ورود تفتحُ فمها لالتقاط البرغش، وخلخالٌ من الصدى تحدث بسببه هزةً أرضيةً. الفأران يتضاربان بقتالٍ عائلي أسفل السرير، يتمايلان مع الاهتزاز. تسقط جمجمةُ الهيكلِ متدحرجةً، يحاول التقاطها فيتعثر بنفسه، يركض صديقه وراءها ليمسك له بها.

ينزلق من العدم صوتٌ كفحيح أفعى قائلاً: “المرءُ لا يهين سوى من أحبه”. حبيبته كانت بقربه دائماً، ولكنه لم يفعل شيء عندما أمرته الملكة الأم بالتخلي عنها بسبب تقاليد المملكة بتزويجهِ أميرة مثله وإلا سيُطرد. كان قلبَه كبركان يشتعل في القاع، وحتى لا يقترب أحد منها أمرتهم الملكة كعقاب لها بتقييدها على بوابةِ المعبدِ سبعةَ ليالٍ بلا طعام. ولكن جسدها الضعيف لم يحتمل كملاكٍ منبوذ احترقت روحها، ربما لم يحتمل موتها ولكنه لم يستطع الدفاع عنها والوقوف بوجه الملكة الأم. ظلَّ يعاني بعدها، يقضي وقته بحجرته منعزلاً إلى أن انقلب الأمر على الجميع، سقط الأمير بلا أية حركة كسقوطِ قلبهِ الذي تحطمَّ. طلاسمُ المشعوذِ تحكي أن الحب سيعيده للحياة. البحيرةُ تنقسم بالمنتصف يبان بأسفلها وادٍ أسود عميق. الصيادون وجوههم تلمع من جراءِ الصقيع يبحثون عن حوريات مفكوكة الأزرار، ينثرون على أقدامهن قبضة من القطع المعدنية. الحر شديد يتسلل نحو الأعلى، يتهيأ الحائط بعينان زجاجية تدور بزوايا المكان، الصنارة حادة، رائحة السمك تزكم  أنفه.. يقيدون إحدى الحوريات ويلقوا بها على إحدى الطاولات بقسوةٍ، يُطبق الصمت على مائدة العشاء بلا أن ينبس أحد بكلمةٍ.. أحدهم قال وهو يتقهقه منتهياً بنوبةِ سعالٍ: “جسدها العاري سيتعفن إن بقيت هكذا!”.. كانت ممتلئة بالطحالب تتلوى محاولة التخلص من قيودها. يتهامسون فيما بينهم بعيداً عنها بملامح شرهة، تُحرك ذيلها بصعوبةٍ لتصفعهم به، تتراشق قطرات المياهِ وتتبلل ملابسهم.

قبل بزوغِ الصباح ستلتحم الأرض ويختفي الوادي، الهيكلان يجران سرير الأمير بسلاسل حديدية، ثم يقفان بقرب الوادي.  ودموعهم تملئ البلاط، يخلعون عنهم عامودهم الفقري، ويصنعون جسر بعظامهم للأسفل. يختفي الصيادون بفيضان الوحل ويحملها الهيكلان بقفص زجاجي، ممتلئ بالمياه  نحو الأعلى. تخبرهم: “هل يستحق الحب أن يذوب جسدي لأجله؟”.

ترتفع حرارة جسد الأمير ويرتجف، كان الهواء من الأعلى يخترق المياه وينساب على جلدها كالسكاكين الحادة. قبل انغلاق الوادي يسحبونها للسطح ببطء من ثقلها فتتعفن الطحالب حولها وتمنحها الورود ساقين ثم يغطي جسدها العاري أوراق الشجر مع شعرها الطويل. ألمٌ مسجيّ.. خيطُ الصنارةِ الملتفُ حولها ينقطع ..كأنَّ السماء أفرغت ما بها من الثلج. ووشم الشمس على جبهتها يضيء.. “لتغتسلي في البحيرة.. سيلتحم جسدكِ بجسده فقط كما أنتِ!” قالها المشعوذ، وهو خائف من عدم استيقاظه للأمير.. كيف يشعر الإنسان بتقييد نفسه بقلب إنسانٍ آخر. خلعوا عن الأميرِ نصف ثيابه، وسكبوا عليه مياه من البحيرة المقدسة. وجلبوا الحورية، ثم أمروها بأن تنام بقربه ليومٍ آخر لعلهُ يشعر بأنه ليس وحده. “القلادة التي بعنقكِ فيها وجهه للأميرِ.. لأنكِ أنقذتيه ذات يومٍ من الغرق وكنتِ تنتظريه بأحلامك، سيدةُ البحيرة قبل اختفاؤها أخبرتنا أنكِ وحدكِ من نبض قلبكِ له وسيجعله يعود للحياة”.

بعد عناء وتعب شعرت به تمددت بقربه محاولة النظر لجسدها بقلق وكأنها تحلم بأنه أصبح لها ساقان، بتردد مدت ذراعها نحوه وعانقته وكأنه طفل صغير بجوارها. في الصباح كانت أجفانه متثاقلةً ورائحة تشبه التراب المتغلغل بالمطر تشق أنفاسه، جلس وكان كما لو إن أحدهم ضربه على رأسه، الرؤيةُ مغبشةٌ إلى أن امتلأت عيناه بوجهها البريء. لم يمر الكثير حتى أقاموا الاحتفالات بعودةِ الأميرِ، أما هي كان الألم يزداد لديها.. بكلِّ ليلةٍ وحدها بحجرتِها.

 

“أنا أمنحكِ الحياة، عودي عند اكتمالِ القمرِ للوادي، لا شيء سيجمعنا بعد اليوم”. شعرت بأنه تخلى عنها بشكلٍ يشبه تحريرها. لم تخبر أحد عن وجعها فقط كانت تفقد شعورها بالحركة ببطءٍ، وكلما مشت تتعثر بنفسها وتصبح قدماها ثقيلة. أحد الهياكل أدرك بأن الحورية ليست بخير، ثم أنصت لحديثها مع البحيرة بأنها ستموت، وأنه ليس بمقدورها العودة وقلبها صار مِلكهُ.

الأمير عاد وحيداً خائفاً من أن يعترف بحبه. أرسل الهيكل وهو يغرق بدمعهِ رسالة لسيده الأمير أخبره فيها ما يحدث في قصر الضيوف، وأن الحورية طلبت تقييدها بقرب المعبد لعلها تموت بسلام وتتخلص من ألمها، لهذا أوصتهم بأن يرموها لورودِ البحيرةِ. أحرق الورقة بغضب شديد، ثم بدا وكأنه غيرُ مهتمٍ. في تلك الليلةِ أصابته نوبةً من القلقِ والبكاءِ كطفلٍ صغيرٍ يتذكر ما حدث.. عقلهُ يتغربل بذكرياتٍ مؤلمةٍ إلى أن غاص بوجهها الذي علق عند حدودِ روحه.

لم ينصت لحديث الملكة له عندما زارته وهي مسرورة بعدم اهتمامه للحورية وطلبت من الجميع أن يدعوها تموت بسلام بناء على رغبتها. ولكنه لم يكن مسروراً، لهذا لملم ما بقي منه، وحاول الوقوف رغم حالته المزرية، ركض حافياً وندف الثلج تغطي شعره ووصل عند ورود البحيرة، انبثقت حزمة من النور وسط الموج وظهر منها وردة عملاقة بدأت تقترب من السور إلى أن لامست الأرض وتحولت لشكل آدمي جعلته من شدة جمالها يقفل عيناه محاولاً الرؤية بصعوبة، قالت لهُ “اذهب إلى من تحتاج الحياة، سأمنحكَ فرصة أخرى لتمسك بحبك أيها الأمير المتهور”. أخرجت كرة دائرية مشعة يظهر بمنتصفها الحورية وهي على حافة الموت. قال وهو متردد وخائف “أنا لا أستطيع الذهاب إلى هناك وإنقاذها.. ساعديني”.

أطلقت ضحكة ساخرة قائلة قبل انسحابها ببطء “الخوف يقتل الحب، إياك أن تموت، لم يتبقى الكثير ستموت مرة أخرى لا تتخلى عنها”، أنهت كلماتها وهي تتلاشى من أمامه. تخلص من الجنود الذين وضعتهم الملكة ليحرسوه ثم أسرع بالركض من دون جواده واخترق الشارع البارد محاولاً الوصول إليها خائفاً من أن يتكرر معه ذات الأمر وتموت بسببه.

أما هي كانت تتصبب عرقاً وترتعش وكأنها ستذوب من آلم عدم الشعور بقدميها. بتلك اللحظة تجمهر الجميع حولها، وهم يرونها تلفظ ما تبقى لديها من أنفاس. أما هو متقدماً على غير هدى ، كانت الوجوه تتدفق في اتجاهٍ واحدٍ.. وكأنهم اختاروا في ذلك اليوم أن يمشوا في تيارٍ معاكس له. ظل يتخطاهم موارباً بعضهم ومتجاوزاً آخرين بعنفٍ، كانت الحورية ترتعش شفتاها زرقاء يمر بذاكرتها وجهه عندما أنقذتهُ ذات يوم وعادت مرة أخرى لتنقذه. العازف يغني: “اكشطي عني هذا الوجع.. أنا العطب في دهاليزك والروح الغارقة برائحتك.. تعالي لقلبي.. خذي أنفاسكِ مني”.

أتى الأمير من بينهم وهو يلهث تعباً، وقدماه الحافيتين حمراوين، اتسعت أحداق الجميع من دهشةِ ما يروه، صرخ “ابتعدوا من أمامي”، اقترب منها بلهفةٍ وخوفٍ شديدٍ مردداً وهو يحاول استجماع أنفاسه “أرجوكِ استيقظي.. لا تتركيني.. لقد أتيت لأجلكِ”، فك من حولها القيود بمساعدة بعض الناس وأنزلها بين يديه، ثم خلع رداؤه الثقيل ووضعه عليها قائلاً بنبرة مقهورة “ارجوكِ لا تموتِ”،  قال أحدهم بتعجب شديد أيها الأمير “انظر لقدميها أ.. أنها .. أنها تذوب” تكرر على مسامعه كلمات سيدة البحيرة، سقطت دمعه من عينه على وجهها، فنبض قلبها، وما أن حركت يدها لتمسك بيده ابتسم، والجميع مذهول وفرح لأنها مازالت حية، قال لها بخوف شديد عليها “سامحيني”، ثم تجرأ، وشد عليها بين ذراعيه بقوةٍ، قبلها من رأسها مردداً وهو يحتضنها “إياكِ إياكِ وتركي مرة أخرى، لن أسمح لأحد أن يبعدكِ عني”، ثم التف العاشقان وضم أحدهما الآخر وكأنهما نيزك.

الحب هو الحياة كأقدام يأخذك بين السحب.

Hits: 13