شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

محفظة في الذاكرة ـ خولة محمد فاضل- الجزائر

91

 

تلك المحفظة التي حلمت بها ولم تلمسها يدي مازالت عالقة في ذاكرتي، وما زلت أمدّ نحوها الخطى، وأحيك الأمل. أنتظر يوماً أمسكها فيه، وأفتحها، وأفتّش فيها عن ذكرياتي المهرّبة من صقيع الأيام، وعن ملفّاتي المهترئة من خضل ماء المطر الذي كان يتسلّل إليها كلّما برق طيفك بخاطري..

مرّت السنون ولم أنس أنّ زينب قد خطفت محفظتي الجلدية الأنيقة على حين غفلة مني. لأنّي كنت أتقوقع في عباءة حيائي وصمتي في ركن الظلال المنسية. وأنا الفتاة القادمة من الريف المشدودة بأنيار السذاجة والخجل والطيبة العمياء..

تلك المحفظة التّي كان محتملاً أن تكون لي، وأشدّ عليها بقبضتي الطريّة، وأحشوها بأوراقي المبعثرة، وخواطري المغمّسة في الشجن والأسى، وبعض الأحلام المختلسة بين المجازر التي أقامها المتطرّفون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أغوار الأرض حتى عنان السماء. وفي لحظة وهن وارتكاب سلبت منّي ومعها قبرت أروع الأوهام، وأجمل الأمنيات الربيعية.. وبقيت أحملق كالبلهاء في الفراغ، عاجزة عن الصياح، أكظم غيظي وحرقتي، وأجترّ آهاتي وحسرتي..

المحفظة التّي خبّأت فيها أحلامي البعيدة، وحملت روحي الشذّية ومرافئي الدافئة،  ولم تحملها يدي واريت فيها مشاعري الدافقة بالعشق الملائكي السرمدي الذي اقتحم فؤادي، وهيج خلجاته، وأسرني في فضائه الغريب، وأنا اتبعه في استسلام عجيب. تلك الجاذبية التي عجزت عن مقاومتها، وأرهقتني مجاراتها، ورحت أتبعها عمياء من اللهفة كي أرتمي على شطآنك، واسترخي في ظلال عينيك، وأنت لا تراني رغم أنّ روحك تسكنني وأنّ وهجها يتفتّق حرّاً في أعماقي، وحنيناً جارفاً، واشتياقاً قاسياً أكابد وجعه في عتمة الليل التي تحفّني بأطيافها الغريبة المريعة المعربدة والمتلوّنة والمتحوّلة غير أنّي أرعبها بهدير حروفك، وأصعقها بحبر قلمك الأسود الذي أصبح لي لحافاً للاختباء، وحصنا للاحتماء. فأغرق في دجنة الليل دون عناء ووجل..

أخذت منّي زينب المحفظة، ولم تأخذك منّي لأنّك علقت في شرياني، ونقشت رسائلك بقلبي، ورسمت لوحاتك الساحرة في ضلوعي.. أخذتها منك. وسلبتها منّي، وأنت الذي تسلّلت إليّ في صمت موارب غير أنّ ضجيجه صاخب لا يستكين. لقد نسيتك في مهجتي وخاطري تنقش فيهما ما تشاء، وتكتبني كما تريد، وترسم خطواتي على رصيف الأيام..

كانت زينب تعشق الأضواء الفاقعة، متأهّبة دوما لتمجّ أنفاس سيجارة، ولتعلّ كأساً. فهي جريئة حدّ الجنون، متهوّرةً بلا قيود، متمرّدةً إلى أبعد الحدود، كفرس بريّة جامحة، تعربد كموسيقى صاخبة، كسيلٍ جارفٍ، أو بركانٍ ثائرٍ.. أنوثتها فائرة كالمراجل، منتفضة، على أهبة للانقضاض على معجبيها.. تفترسهم بمتعة وتلتهمهم بتلذّذ .. تحاكي أسطورة معتّقة مهرّبة من زمن غريب..

أرقبها في دهشة وفضول وارتياب. فربّما كانت طيفا من وهم الخيال.. استمتع بما يلقيه الأدباء، وهم يتعاقبون على المنصّة في إحدى أماسي سيرتا الغامرة بالحياة والمغامرات.. وذهلت عندما رأيتها تعاكس الشاب الوسيم صاحب الشعر الكثّ الطويل الذي كان يقرأ مقطعاً نثرياً فاخراً من قصة أو رواية.. في تناغم عجيب بين تعابير وجهه، ودفقات صوته الدافئة، يرسم مشهداً مخملياً رائعاً لا تراه إلا نادراً، ولا يتكرر مرتين.. روحه تنساب فيه كشلّال ماء دافق نحو الغياب. غير أن ذاكرتي تشرّبت به حدّ النزّ والتشظّي والتبعثر.. حلمت به فارساً، وحبلت بتواشيحه السريالية المزركشة، وتخاريفه الصوفية، وتراتيل عينيه العشقية التي ترتجف لها أوصالي وفرائصي وتعيد نسجي وتشكيلي.. وكنت أنت ذاك الشاب الذي اقتحم أسواري، ومهر دفاتري وخواطري بوهج حروفه ورقصات أوتاره الرشيقة..

ورأيتك تناولها المحفظة، وفيها أماني الربيعية، وأحلامي الخرافية، ونسائم أيامي النديّة.. أردتُ أن أصرخ حينها، أن أبكي، أن أعدو إليك، وانتزعها من يدك قبل أن تلمسها أناملها، لكنّي وجدت المسافة التي تفصلنا بعيدة. غمرني اليأس، وفقدت القدرة لفعل أيّ شيء، وتصلّبت في مكاني، وعجزت عن البكاء والمواجهة يتملّكني الوهن والقهر والوجل من الآتي، وخرس لساني، ولذت في صمت عجيب لم أتمكّن من مبارحته وقد لفّني بحبائله..

لم يكن عشقاً بقدر ما كان مرضاً مزمناً لازمني، وجنونا بعثرني، وكمدا يخنق أنفاسي، ووجعا يقطّعني، وأرقاً يقض مضجعي. لا لم يكن حبّاً عادياً بل خنجراً مغروزاً في خاصرتي، وحملا أدرج به على وهن. فتشرّدت في المنافي الغريبة هاربةً من قرّ الصقيع، ولهفة الشغف، وولع الأشواق، وآهات الفقد وأنات الوجد..

كان بإمكان تلك المحفظة أن تكون عزائي في رحلة التفتيش عن الجنان، وإرواء الغليل. أن تكون جسر العبور الآمن إلى مرافئ الدفء بدل هذا التيه خلف السراب، والتهافت في الفراغ والغياهب..

Hits: 8