شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

تواطؤ.. ـ سلوى أيت علي

54

 

 

 

 

 

“زينتُ نفسي استعداداً لذلك اليوم، وعلى غير عادتي، بمساحيق كنت أكرهها وأختنق من وضعها، لكن ذلك حقيقةً لأنك كنتَ تخبرني بأنني جميلة لدرجة لا تزيدني المساحيق شيئاً، وبأن وجنتيَّ محمرتين كوردة متفتحة في فصلِ ربيعٍ مزهر، أن شفتيَّ مصدراً عسل، وتقبيلهما أحلى عندك من تناول أحلى الفاكهة، أما عن لون عينيَّ طبيعياً دون وضع كحل، فهو بالنسبة لك بمثابة ليل تخلد داخلهما دون أن تنتظر حلول الظلام الحالك.

زينتُ رقَبتي بعقد ذهبي كان ضمن الهدايا الفاخرة التي أصبح يغدق بها عليّ في كل لقاءٍ لنا، والتي تؤتت خزانتي، تمرّدتُ بوضع أحمر شفاه تفوح منه نكهة فراولة منعشة، وعطر فواح يشي بالكثير من الفخامة والثراء… الذي أصبحت عليهما الآن… ولأن كل شيء أصبح مغايراً،.. ارتديتُ بزهو بالغ حذائي العالي الكعب، وفستاني البديع، أحمر اللون، الذي تناسق بانسياب جنوني مع شعري الكستنائي.. الذي كنتَ ذات مساء عند خروجنا في موعد.. توشوش في أذني بحب كبير ‐ومواساة- أنه ليس من الضروري ارتداء فستان ثمين، رغم أنني أبديتُ إعجاباً كبيراً به،.. لا أخفي عليك، الآن… أبدو في غاية الروعة والجمال، أناقتي يحكيها انعكاسي الماثل في المرآة أمامي وبصوت مسموع…. عكس ما كنتَ توهمني به، لا أعلم هل حبك لي هو من جعلني أجمل نساء الكون في نظرك، أم أنك فقط كنت تدّعي ذلك لتغطي عن عجز جيبك عن تأدية مصاريف كانت ضرورية وجديرة بإظهار مفاتني، وسد حاجياتي كأنثى.. أو على الأقل لنعيش كشخصين حلما طويلا بزواج أصبح مشروطاً بوجود نوع من الاستقرار المادي.

أعلمُ جيداً أن ما ألمك حقاً هو إدراكك القوي بأن شهادة إجازتك في مادة الفلسفة لم تسعفك في فهم فلسفة هذه الحياة اللعينة، تلوم نفسك في أحايين كثيرة على اختيارك، وتظنه خطئاً ارتكبتَه بمحض إرادة تامة، لكنك بالمقابل وفي مرات عديدة، تميل للاقتناع حد اليقين أنه اختيار صائب، وأن الخلل ليس في اختيارك أنت، بل في سوء تدبير من هم مسؤولون عن ذلك..

لم يستطع قلبي تحمل منظرك وأنت تستشيط غضباً من عدم قبولك في مباراة توظيف سعيتَ جاهداً للنجاح فيها لتكون الضامن الأول لعيشنا تحت سقف واحد ونحقق الأحلام الوردية التي شكلت عالمنا معاً، تنفث دخان سيجارتك في الهواء الملوث مسبقاً بتعفن الضمائر غضباً وكرهاً على كل ما يحدث لنا معاً.. أو بالأحرى- الآن- لك وحدك، بعدما تركتك تتخبط لوحدك وسط عالم يسحقك مراراً بالخيبات، وأمواج تلطمك توالياً ظلماً وقهراً، أنا آسفة، ربما لك، ربما لنفسي.. رغم أن الأسف لن يغير من مرارة ما عشناه معاً ولو نصف ذرة، لكنني أكاد أجن عندما أتذكر تلك السنة التي مرت من عمرنا كحلم مرعب. فبعدما تحديتُ والدي وواقعي على حد سواء، انتظرتُ تحقيق حلمك الأكبر بالحصول على عمل، ليتحقق حلمي بزواجنا، لكنك ماذا فعلت بالمقابل؟ وبعد هوسك المجنون بي؟ بعد جهدك اللامشروط في تحقيق حلم أسرة صغيرة سعيدة تعوضك عن فقد والديك؟… تركتني في أول أيام زفافنا بدعوى أن أمراً مستعجلاً في عملك طال انتظارك له يستوجب رحيلك عني وفي ذلك اليوم بالذات! الكل نعتني بعروس منحوس جالبة الحظ العاثر للعريس حديث التخرج والعمل،.. جئتُ بمثابة نقطة تحول سوداء في حياتك، لكن صدقني، لم أكثرت لقولهم أو لما يدّعونه، تحملتُ نظراتهم الساهمة نحوي، والتي كانت أغلبها ترميني بشفقة حارقة! والأخرى تتظاهر خفية، أنها تتفهم الوضع في موقف لا يحتاج أساساً لتدخل أحد!.. لكن ما ألم قلبي وأدماه، هو بُعدك عني بعدما تنفست الصعداء بوجودك لجانبي للأبد بعد طول انتظار.

تركتَ كل الجوارح متعطشة لك، قلبي يخفق حباً وخوفاً وغضباً معاً وفي آنٍ واحدٍ عنك، لم تسعفني مكانتك بقلبي على تجاوزك، أو حتى الغضب منك غضباً كان مشروطاً لا مفتعلاً، لم أقوى لا على تحمل غيابك، ولا على الغضب منك، كأنني في وسط مميت تجترُّني فيه الأحزان بعنف شديد!

لم أعد أريد أن أمنح نفسي حتى حق انتظارك لأنني أتممت الوقت المخصص للانتظار بل تجاوزته كثيراً، أظن أن وقت المغادرة هو من حان الآن، ولم يعد لك الحق في أن تجدني مركونة كطفلة بريئة تنتظرك في زاوية الغرفة، أو أندب حظّنَا من ضريبة حياة قاسية تفترس الروح، وتترك الأَسِرَّة قاحلة.. احترقت غابات الأمل، واشتعلت نيران الشوق والألم بداخلي.

تركتَ هُوةً اتسعت بعدد أيام غيابك شيئاً فشيئاً، فبالله عليك أخبرني كيف سأنير عتمة حياتي التي اشتدت بعد غياب نور وجودك عني؟ كيف لي أن أصف لك تشرد روحي بعدك؟

ضياعي بدونك، حتى عقارب الساعة التي أظل أنتظر مرورها على عجل، ستشهد أنني أعد بلهفة الساعات، الدقائق، الثواني، و أرتجف شوقاً كلما رن هاتفي أو اهتز، جننت بانتظار رسالة عودة منك، لكنك أهديتني حباً مزيفاً، أهديتني موتاً وأنا على قيد الحياة! تركتني كطير بُترت جناحاه، كبقايا حرب مدمرة أنا، أعد الضحايا والخسائر وأعلن هزيمة شنعاء في معركة كانت على أرضي.

أنا من لم يكن حظ ماضيها معك إلا شقياًّ، رأيتُ مستقبلاً سعيداً رأفةً بأرواحٍ أثقلها الانتظار، كأمنية غير مستجابة..

فأخبرني كيف أطفئ لوعة الشوق وحرقة الغياب، كيف أحكيها؟ ولمن؟

كيف أحتمل كل هذا الألم، وهذا الكم الهائل من المأساة التي خلّفها غيابك المضني، كأن أهل العالم كلهم هجروني، كأن الكون كله ترك يدي! كيف لي أن احتمله، وأنت تعلم مدى ضعفي وهواني من شدة حبك، كأنني كنت أضخ من روحي، من قوتي، وطاقتي فيك، ولأجلك.. صورتك لا تفارقني، ما زالت عالقة بذهني المشوش، وأخرى صغيرة تعلوها تجاعيد الحياة من فرط إخفائها في جيب حقيبتي الصغيرة حتى لا يراها أحد، وطيفك يلازمني أينما حلّيت، كان أوفى منك حضوراً!،.. رائحتك في كل مكان، وكلماتك التي تَعِدني بتعويض كل لحظة بُعدٍ بَعد عودتك التي تعهدتَ أنها ستكون قريبة،.. ما زالت تتردد على مسامعي كأنها أغنية شجية، فهل يا ترى نسيتَ وعدك لي؟ أم أنك لم تشتاق لمداعبة خصلات شعري؟ وتشبيك أناملك بيدي؟ أن نخرج سوياًّ للتسكع في شوارعٍ شهدت على حب لم يكتب لأركانه الاكتمال؟ ألم تشتاق لسماع صوتي؟ وأنا التي أجنّ ولا يزور جفوني نوم إن لم أسمع صوتك ليلة واحدة أطمئن عن حالك؟ ألم تحنّ لمعانقتي؟ لحضني الذي كان لك هو الأمان والاطمئنان من ضيق العالم بأسره؟ ألم تخبرني أن في حضني حنان ودفئ والدتك الذي لم تنعم به طويلاً؟ فكيف لأحد أن يترك أمه، وطنه، ويتخلى عن حضن يحتويه من بؤس العالم؟ رحلتَ، أخذتَ معك الأمان، وتركت لي البؤس..

أم أنك وجدتَ مستقراً في حضنٍ آخر غيري؟ …

تُغرس خناجر الغيرة والغضب في قلبي بمجرد أن يخطر هذا الأمر على بالي! أصارع نفسي وأحاول تضميد جراحها إثر غيابك الذي خلَّف ندوباً لن تندمل، بالكاد كنا سنُشفى منها معاً… لولا غيابك ولامبالاتك القاتلين.

سأكون كاذبة، جاحدة في حق نفسي، إن أخبرتك أنني بخير بسبب هذا الرحيل المفجع، كأنك تنتقم، لكن مِمَّ؟

أمن قلبٍ لم يعرف يوماً سِواك رغم كل ما كابده من آلام معك، من أجلك، ولأجلك؟ ..أم من حب مدفون في قلبي كمقبرة عانقها النسيان؟

كنت أخاف من خذلان الحياة التي كانت قاسية في حقنا معاً إلى مدىً بعيد، لكن خذلانك كان أقسى، أقوى، وأفظع، جفاؤك وغيابك معاً غيَّرا كل شيء، لم أعد كما كنت، ولا شيء سيعود كما كان، زاد قلبي تمزقاً وألماً بإلقائك على مسامعي خبر عَقد عملك الجديد المغري خارج المغرب، ببرود قتل ما تبقى من بصيص الأمل داخلي، وأنك ستتردد على زيارتي أثناء فترات عطلتك… كان تواطؤك كافياً لإفراغ ما تبقى في جُعبتي من صبر وود اتجاهك، لينتفض عنفوان امرأة غطستَ وجه كبريائها في ماءٍ عَكر، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وأنا تحملتُ فوق طاقتي، لقد سرّعتَ من وتيرة إنهاء هذا الانتظار المفزع الذي يسري في عروقي كسُم قاتل، كان قرارك واختيارك كافيان لأن أتقدم للقاضي بطلب الانفصال وطلب حريتي .. لعلي أتحرر من قيودك، من حبك، من استيطانك، من عذابك، وأن أشفى من رماح خيبتك، على الأقل أن أحس بأن لا شيء يربطنا قانونياً ودينياً واجتماعياً، لتخرس أجراس والدتك المزعجة، التي ترن كل يوم في قعر رأسي، بإرجاع سبب رحيلك وغيابك لي،… لم أكن أعلم أن ما عانيتَه من تأخير في إيجاد عمل قارّ، سيجعلك متوحشاً لدرجةِ تجاهل أحاسيسك، وكبح جماح حب قوي ومشاعر جيّاشة بداخلك، من أجل بناء حياة مادية كنا قد تجاوزناها بعدما كانت هي عائقنا الوحيد، لكنك الآن فضلتها على كل شيء، حتى على حساب من كرّست حياتها كلها من أجلك، وتركتَها تواجه الحياة بفؤادٍ مكلوم..”.

مسحتُ دمعة حارقة تدحرجَت على خدّي دون أن أنتبه لها، كان لونها مختلفاً، لا أعلم هل هو كحل عيني، أم أن مرارة وقتامة إحساسي اللذان أصبغا عليها اللون الأسود ؟!

ضغطتُ زر “إرسال”، بعدما أنهيتُ كتابة رسالة نصية له، وأغلقتُ هاتفي؛ مزقتُ صورته الصغيرة إلى أشلاء، ألقيتها بغضب في سلة المهملات، رمقتُ نفسي في مرآة الحمام، وعدلت مساحيق وجهي، رسمتُ ابتسامة تمطر كذباً على محيّاي، وعدتُ مسرعةً لزوجي الذي كان ينتظرني في السيارة أمام المطعم الفاخر، حيث كنا نحتفل بآخر أيام شهر عسلنا مع بعض رفاقه المقيمين هنا في تركيا، قبل عودتنا لألمانيا حيث سنقيم”.

Hits: 6