شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

كان قدراً ـ عبدالرحمان الخروف- المغرب

55

 

قبل أن تتسربل الأرض بسربال النور وتنزع عنها سربال الظلام، وتبدأ العصافير بالغناء الصباحي الباكر، استيقظ “علي” يجمع أمتعته ويصفصفها في حقيبة ظهر متوسطة الحجم، يطغى على ألوانها السواد كأنها قطعة من الفحم، يضم ابنته الوحيدة، يقبلها قبلات متتالية، ويمنحها وعوداً سيفي بها حين يعود من رحلة عمله، تقابله بابتسامة تنبئ عن الحب والرضى، وكذلك يصنع مع زوجته، يعانقها عناقاً حاراً، يشعل لوعة الحب ويطفئ جمرة الشوق، ينطلق نحو محطة الحافلات بخطى متسارعة تسابق الوقت كي تصل في الموعد المحدد، لم تبق سوى بضع دقائق وتنطلق الحافلة بسرعة ميممة وجهها وجهتها، يأخذ التذكرة ويصعد، بقي مقعدان فارغان، يجلس جهة النافذة، يحب أن يرى الأشياء تتحرك متزامنة مع حركة الحافلة، تشعره هذه الديناميكية بأن هناك حياة جميلة في هذا العالم القاتم، يقول في لا وعييه:

-هناك سر في هذا الكون لا يكشفه إلا الموت!

يأتي رجل عجوزقد سقط حاجباه، محدودب الظهر، جلس بجانبه، تبدأ الحافلة بالتحرك، يقتنص العجوز الفرصة سائلاً:

ـ هل أنت أيضاً متجه إلى مراكش؟

ـ نعم، أنا متجه إليها.

يدير وجهه نحو النافذة محاولاً تجنب كلام العجوز، ترجع به سفينة الزمن إلى الوراء قليلاً، ينهال عليه وابل من الذكريات المتباينة، يتذكر لحظات مرت كأنها ما كانت، زمن جميل ولى دون أوبئة، تنساب من مقلتيه دمعة كأسخن ما يكون، دمعة تحوي داخلها كل سيء وجميل، يمسحها، يسأل العجوز وسحابة من الحزن تعلو سحنته وتكدر صفو جبينه:

ـ أمن مراكش أنت؟

تنفجر أسارير الرجل كطفل صغير حصل على لعبته المفضلة، وينطق مجيباً في حماسة شديدة:

ـ أجل منها…ثم يفتتح موسم ثرثرة لا نهاية له.

بقيت عشرون دقيقة ويصل علي إلى وجهته، بضعة كيلومترات وتطل عليهم مراكش ببهجتها وحسنها، يحلِّق به طير الحنين نحو اليوم الذي سيرجع فيه إلى أحضان طفلته وزوجته، فيتمنى ويرجو أن يعمل بجد ليسعدهم ويمنحهم كل شيء في الحياة.

على غير ميعاد، وفي لحظة خاطفة كإماضة البرق تنحرف بهم الحافلة عن الطريق وتهوي في حفرة كبيرة على جانب الطريق الجبلي الملتوي، سقطت الحافلة، وسقطت معها أحلام كثيرة وآمال متعددة وأهداف مؤملة، شُدِخت رأس الرجل العجوز إلى أشلاء كأنها بطيخة خضراء وتناثر مخه في المكان، كان قدراً، والأقدار قاسية، هكذا قال بعض الناجين.

استيقظ علي من إصابته ليجد نفسه مطروحاً في المستشفى، كان جسده شبه محطم، حاول الحركة، لكن حال الألم بينه وبينها، ومنعه من الشعور بما حوله، حضر الطبيب حين علم باستيقاظه، كانت ملامحه تكشف سره وتتحدث بكل شيء قبل لسانه، قال بنبرةً من الامتعاض والاشمئزاز:

ـ حمداً لله أنك أفقت.

هناك شعور خانق يجثم على صدر علي ويمنعه من التنفس، ثقل كبير ممزوج بالخوف مما سيقوله الطبيب، لم يتمالك نفسه، أراد أن يعرف ما حل به، فحطم حد المجهول سائلاً الطبيب بصعوبة بالغة:

ـ ما بال رجلاي لا أشعر بهما..؟

أجابه متظاهراً بالحزن:

ـ من المؤسف أنك لن تستطيع السير على قدميك بعد اليوم.

بلغت هذه الكلمات مسمع علي، فحملته من المشفى وقذفت به في براثن المجهول، أظلمت الدنيا في عينيه، تمنى لو أنه لم يولد، تجمدت الدموع في عينيه وتحجرت، لم يصدق بعدُ ما سمع، بقي ينظر في وجه الطبيب، لكنه لا يراه، مكث على هذه الحال ساعة من الزمن، ثم فجأة عاد إلى وعيه وبكى بكاءً مريراً، لم ينفعه البكاء فصرخ صرخة كاد ينهد منها صدره، ظنوه قد جن، ثم فقد وعيه.

وفي لحظة غروب الشمس كانت هناك ضجة كبيرة أمام المستشفى تصدرها تجمهرات كبيرة من المارة الواقفين على شكل دائرة تتقلص شيئاً فشيئاً، بعض الأشخاص يبكي بينما هناك آخرون غير مبالين يلتقطون الصور، كان الدم قد غطى وجه الأرض وتختر فوقها حتى صار وكأنه طبقة من طبقاتها وفي وسطه جثة تسبح، سترها بعضهم بإزار أسود، وحين حضرت الشرطة سكت الجميع، لم يعد يسمع إلا الهمس، ثم بدؤوا بالابتعاد رويداً رويداً، وفجأة كسر طفل صغير الصمت بصوته سائلاً والدته باستغراب وتعجب:

ـ أمي ماذا يقصدون بأنه انتحر..؟

Hits: 7