شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

خبز العيد ـ كوثر مارديني

56

 

 

 

 

اليوم هو وقفة العيد وغداً يكون اليوم المنتظر للعيد، ولوند قد جهّز نفسه لاستقباله خير تجهيز، فمنذ أيام اشترى الثياب والحذاء وخبّأها في الخزانة وبين الحين والآخر يتوارى عن الأنظار ويفتح الخزانة فيشبع عينيه بالنظر إليها وتغمره سعادةٌ ما بعدها سعادة ويبتسم لها ثم يغلق الخزانة ومرات أخرى يأخذها ليراها أهله من جديد والذين كانوا يبدون إعجابهم الشديد بثيابه ويؤكدون له أنها أجمل من ثياب كل أولاد الحارة ثمّ ينصحونه بإعادتها إلى الخزانة لتبقى نظيفة وجديدة في يوم العيد .

وفي المساء وقبل آذان إفطار آخر يوم ٍ من أيام الشهر الفضيل طلب من أهله أن يذهب إلى الفرن بنفسه، فقد كبر وأصبح في التاسعة من عمره، في الأيام العادية كان يتململ وأحياناً كثيرة كان يرفض الذهاب لشراء الخبز، لكن اليوم الخبز من أجل العيد، لذلك كانت فرحته لا يسعها الكون. تناول النقود من يد والدته التي حممته جيداً ونبهته إلى أن يحافظ على نظافته، وهو يؤكد لها أنه سيأتيها بأطيب خبز وبأقصى سرعة. ودّعه والداه وخرجا معه إلى الباب الرئيسي وقبلاه وهما فرحان لفرحه وأخذا يرمقانه بنظراتهما إلى أن غاب عن عينيهما، شدّ قبضته الصغيرة على النقود وسار بسرعة ليصل إلى الفرن ويحجز دوراً لنفسه والسعادةُ تتطاير من وجهه البريء، كان قلبه يسبق خطواته وهو في الطريق وهناك وقف في الدور ينتظر الخبز بفارغ الصبر ليعود به إلى البيت ويثبت لأهله أنه أهل للثقة وبأنه أصبح شاباً يعتمد عليه، وكلما سمع أحد من القادمين إلى الفرن يسلّم على المنتظرين في الدور ويقول لهم: كل عام وأنتم بخير، يخفق قلبه ويبدأ بعدّ الساعات الباقية لصباح يوم العيد ويفكر كيف سيبدأ يومه منذ ساعات الصباح الأولى، كيف سيرتدي ثيابه التي سيضعها الليلة بجانب رأسه عندما يخلد للنوم، وكيف سيسرّح شعره الأسود المسترسل ويضع عليه مصفف الشعر الذي سيأخذه من أخيه الأكبر وسيضع قليلاً من عطره أيضاً فأخوه لن يمانع هذه المرة لأنه يوم العيد، وسيعايد والداه وكل إخوته ثمّ سيذهب مع رفاقه ليدور على بيوت الحارة كلها ويعايدهم وسيعطونه السكاكر اللذيذة وسيتمكن من جمع أكبر عددٍ منها تكفيه لعدة أيام، وأخذ يحسب العيدية التي سيعطيها له والداه وأعمامه وكل أقرباؤه وهو يعرف كل واحدٍ منهم كم سيعطيه .

بقي لوند يفكر في العيد وبما سيفعله خلال أيامه الثلاثة القليلة لحظةً بلحظة، ومن المؤكد أنها لن تكفي برنامجه الطويل، ولكن هذا التفكير اللذيذ توقف فجأة عندما سمع لوند صوت أحدهم يصرخ بقوة… الله أكبر… الله أكبر، لم يتمكن لوند أن يفسر هل هذا التكبير هو للإفطار أم هي تكبيرة العيد؟!… لم تكن هذه أو تلك! …الأحلام توقفت والقلب الذي كان يخفق بقوة لفرحة العيد توقف، وتلك الابتسامة البريئة تلاشت، وذلك الجسد الصغير الذي كان يطير من الفرح قبل لحظات تحول إلى قطع لحم متطايرة، وتحول كل من كان بانتظار الخبز إلى أشلاء. عاش لوند العيد قبل أن يأتي وبقي العيد حلماً ولم يره، لكنه عاشه بكل تفاصيله حلماّ جميلاً وسيعيشه في السماء.

Hits: 8