شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

موضوعية الإعلام ودوره في كتابة التاريخ ـ رياض يوسف

89

 

لم يعد اليوم باستطاعة أحدٍ على وجه المعمورة إنكار أن العالم أصبح مدينة صغيرة بل قرية صغيرة؛ وذلك بفضل تطور وسائل الاتصال المسموعة والمقروءة، وبات الإعلام بجميع صوره في متناول الأغلبية الساحقة أينما حل.

فبعد أن كانت الرسائل تُنقل عن طريق الفم أو ما يسمى الاتصال الشفهي عبر أشخاص يتحملون الصِّعاب ومشقة الطُّرُق الصحراوية، أوعن طريق الحمام الزاجل؛ تطورت هذه الوسائل وأصبحت السيارات والسفن والقطارات ووسائل النقل الأخرى؛ تؤدي هذه المهمة.

أما اليوم فقد باتت الرسائل تُنقل وتُرسل خلال الموجات الكهرومغناطيسية عبر الأثير، وبفضل هذه التكنولوجيا والتطور بات الإعلام في منطقتنا على سبيل المثال لا الحصر يلعب؛ وخاصة في الفترة الراهنة من القضايا العربية المستجدة التي تمخضت عن ربيع الشعوب في بعض الدول العربية ومن بينها سوريا؛ دوراً بارزاً في رسم التاريخ الذي لم يكن يوماً خالياً من التحريف والتزوير بِيَدِ ثلةٍ من الأشخاص؛ لمصلحةِ أشخاص أو قوميةٍ أو حزبٍ أو حركةٍ أو ملةٍ أو دِين. فمع بداية هذه الأزمة لعب الإعلام دوراً بارزاً في تحريف وانحراف الأزمة الداخلية في سوريا إلى أزمة دولية لصالح أجندات دول إقليمية وجارة، وأغمض العين عن مطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة، وبهذه الطريقة والتحريف قام البعض بكتابة بعض التقارير الإعلامية التي لا تمت إلى الواقع بِصِلة، وقام هؤلاء برسم ما يجول في مخيلتهم ولصالح أجندات معينة مدفوعة الثمن، وحسب أهوائهم وأهواء داعميهم بتجاهل الكثير من الوقائع، وتغيير البعض منها وتشويه البعض الآخر؛ ليتم بعد ذلك توثيق هذه التقارير على أنها الحقيقة بعينها؛ فيما هي بعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع، ومن هنا ولأن الإعلام بطبيعته له علاقة وثيقة بكل العلوم؛ السياسية والعلمية والفنية والاقتصادية وغيرها، بل الإعلام شريكُ هذه العلوم وخاصة التاريخ؛ يتم اعتماد تلك المعلومات من قِبَلِ بعض المؤرخين الذين يستندون على الإعلام في أرشفة وكتابة تاريخ حدثٍ ما، أو واقعةٍ بعينها، أو حِقبةٍ بحد ذاتها، أو حربٍ أو أزمةٍ أو حتى جريمةٍ إرهابية، واستنباط واستنقاء المعلومات منه.

هنا يُحكَمْ على مدى صدق وموضوعية وحيادية الإعلامي ومؤسسته التي وثَّقت ذلك الحدث على درجة مصداقية هذا التاريخ؛ كونه كان المصدر لتلك الحادثة وقت حدوثها، وانطلاقاً من مبدأ رسم التاريخ من خلال الاعتماد على الإعلام يرى البعض بل يتخوف، ويشكك البعض الآخر بمدى صلاحية الإعلام ليكون مصدراً للتاريخ، وهنا أريد الاستشهاد بما دار من حوار بين الزعيم المصري الراحل سعد زغلول وبين الأديب والمؤرخ طه حسين حينما التقيا في باريس عام 1918 حول التشكك في العلاقة بين الإعلام والتاريخ (محمد سيد، 1985: ص 13)

سعد زغلول: ماذا تدرس في باريس؟

طه حسين: أدرس التاريخ

سعد زغلول: أَوَ مُؤمِنٌ أنت بصدق التاريخ؟

طه حسين: نعم، إذا أحسنَ البحث عنه والاستقصاء فيه وتخليصه من الشائبات.

سعد زغلول: أما أنا فيكفي أن أرى هذا التضليل وهذه الأكاذيب التي تنشرها الصحف في أقطار الأرض ويقبلها الناس من غير تثبت ولا تمحيص لأقطع بعد ذلك بأن لا سبيل في استخلاص التاريخ من هذه الشائبات.

وانطلاقاً من فكرة هذا الحوار يرى العديد من الشخصيات والمؤرخين التأثير السلبي للإعلام على التاريخ من حيث المصداقية في توثيق الحدث وقت وقوعه، وهذا الرأي صائب لحد كبير وخاصة عندما لا يأخذ المؤرخ الوقت الكافي في البحث والتمحيص والفرز بين الواقع والحقيقة، وبين ما تم توثيقه على أنه الواقع والحقيقة.

وهنا يجب علينا أن لا ننسى أن هناك بعض العوامل المُساعِدة على تشويه التاريخ (المعتمد بالأساس على الإعلام والذي ربما يكون مشوَّهاً أو مُسيَّساً أو مدفوع الثمن)، وأن نسأل أنفسنا السؤال التالي:

لماذا تُشوَّه بعض الحقائق في الإعلام وتُسيَّس؟

لمعرفة السبب علينا الوقوف عند بعض هذه الدوافع والأهداف ومعرفتها لكي لا نكون من ضحايا هذا الإعلام، ولعل أهمها هي: أهداف دعائية، حيث تأخذ الدعاية حيَّزاً كبيراً في التأثير على نفوس الجماهير، والتحكم في سلوكهم لأغراض سياسية، وذلك بالنسبة لجمهور ومناصرين معينين في زمن معين، وتقوم الدعاية كما تعلمون على التهويل والمبالغة والتضخيم وتحريف الحقائق وإخراجها من مضمونها الحقيقي، وهي بهذه الحالة تعمل على استغلال سذاجة الجماهير ومدى وعيهم وإدراكهم لموضوع أو لحدث ما، وتؤثر في غرائز الجماهير وعواطفها وميولها في محاولة للتأثير على العقل وبرمجته نحو هدف مرسوم مسبقاً، وإبعاده عن إدراك الحقيقة.

كما أن هناك هدف آخر ويُعَدُّ الأكثر رَوَاجَاً وهو تحقيق الربح والمنفعة المادية؛ فأثناء الصراعات والحروب في منطقة ما تعمل كافة وسائل إعلام طرفي الحرب على تشويه سمعة الطرف المعادي، وعَرْضِ وتوثيقِ تجاوزاته إن وُجِد، وخلق تجاوزات وهمية في حال عدم وجودها؛ لإدانتها دولياً وكسب تعاطف الشعب والرأي العام، وهنا يأتي دور ما يسمى الإعلامي المسلوب الإرادة، والضعيف الشخصية، والدخيل على هذه المهنة، والذي يمكن أن يعمل ما يُطلب منه من خلال تشويه الحقائق، وتوجيه الرأي العام عبر تقارير مسيسة تخدم الجهة الدخيلة والغازية مقابل بعض العمولة التي تُعْرَضُ عليه، وهو غير آبه لما قد يتركه هذا التقرير من سلبيات على شعوب المنطقة.

ومن هنا لابد للإعلامي أن يكون إعلامياً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وأن يبتعد عن كل ما يسيء إلى مؤسسته قبل شخصه، وأن يكون موضوعياً في نقل الحقيقة بعيداً عن كل ما يؤثر سلباً على البلد الذي يعيش فيه، ويعمل جاهداً على نقل الواقع والحقيقة دون أي تزييف أو تشويه، باعتبار هذه المعلومات ستكون للأرشيف لكتابة تاريخ دولة أو شعب أو حدث ما، كما على الإعلامي أن يلتزم بأخلاق الإعلام والمعايير التحريرية وحقوق الإنسان أثناء تغطية الأزمات، وذلك لأن الصحافة تسعى إلى تعزيز حق الجمهور في المعرفة، وتمكينه من تحديد الموقف الذي يناسبه من بين زوايا التغطية الصحفية واتجاهاتها، مع الحرص على عدم إحداث انتهاكات جسيمة قد تَلحَقُ بالأفراد أو المجتمع  أو المصادر. وذلك للعمل على تمكن المؤرخ من الحصول على معلومات صحيحة جرت بالفعل، وأحداث موثقة بعيدة كل البعد عن التحريف والتضليل وتفضيل شعب أو ملة أو دين أو أثنية على أخرى؛ ليتمكن من رسم تاريخ ليس كالذي رُسِم من قبل وإنما كما جرت أحداثه بالفعل.

Hits: 4