شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

العدد ـ 9

90

لتحميل العدد التاسع انقر الرابط ادناه

مجلة شرمولا- kovara şermola (9)

 

 

 

 

 

 

 

افتتاحية العدد التاسع

الصالونات الأدبية.. دورها وواقعها

 

تتعدد الأشكال التنظيمية للفعل الأدبي والثقافي، منها ما يكون على هيئة مركز ثقافي أو اتحاد ومجموعات ومنظمات ومنتديات للكتاب والمثقفين.. ومثلما هناك مصطلحات خاصة تطلق على مكان الاجتماعات والنقاشات كالبرلمان في القطاع السياسي على سبيل المثال، ظهر مصطلح “الصالون الأدبي” على الساحة الثقافية، والذي لعب بدور لافت في تنشيط الحركة الأدبية والثقافية في مختلف بلدان العالم.

يشير معظم المصادر إلى أن “الصالون” “salon” كلمة أوروبية (إيطالية) تعني “غرفة استقبال” أو “القاعة”، أي أن الصالون الأدبي، هو مكان تجمع الأفراد المشتغلين والمهتمين بالأدب والثقافة لتداول وتبادل المعارف والحوارات الثقافية والأفكار وإقامة الأنشطة الأدبية والثقافية المختلفة.

ويرتبط قيام الصالون الأدبي واستمراريته بتوفر شروط معينة منها أن يكون مؤسسها ومديرها ذا ثقافة عالية ويمتلك مهارات لإدارة جلسات الحوار واستقطاب الأدباء وأصحاب الفكر والثقافة، وبتخصيص مكان معين ينعقد فيه جلسات الحوار بشكل دوري، إضافة إلى توفر التمويل اللازم لاستمراريته.

ظهرت الصالونات الأدبية في أوروبا لأول مرة خلال الفترة التي عرفت بـ “عصر النهضة” بدءاً من القرن السادس عشر، وكانت أبرزها في تلك الفترة صالون “فالنتين كونرار” الفرنسي، الذي أنشئ عام 1629م، وقد ولدت من رحمه “الأكاديمية الفرنسية” التي أصبحت أهم صرح للغة الفرنسية في البلاد. وهذه دلالة على مدى أهمية الصالونات الأدبية، والدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه إن توافرت الشروط النوعية في إنشائها وإقامة برامجها وأنشطتها.

وقد عرف الكثير من الشعوب والأمم “الصالونات الأدبية” دون أن تطلق عليها ذات الاسم عليها، فكان الخطباء والشعراء والفلاسفة والحكماء يتبارون ويتناقشون في حضرة الملوك والأباطرة أو في أمكنة عامة أو في مجالسهم الخاصة بالعصر القديم والوسيط، فقد تواجدت لدى الفراعنة المصريين والبابليين والإغريق التجمعات التي يتم فيها الغناء وإلقاء الشعر، كما اُشتهر “سوق عكاظ” في شبه الجزيرة العربية كتجمع يلقى فيها الشعر ويتبارى فيها الشعراء العرب، واشتهر العديد من الخلفاء العباسيين بمجالسهم الثقافية والفكرية ومنهم المأمون، كما اشتهر الأمير الحمداني “سيف الدولة الحمداني” بمجلسه الأدبي والذي كان يحضره أشهر الشعراء والفلاسفة في ذلك العصر كالمتنبي وأبو فراس الحمداني والفارابي ..وغيرهم.

وما يميز ظاهرة “الصالونات الأدبية” هو ريادة المرأة في تأسيسها وإدارتها، فأول صالون إيطالي أنشأته “إيزابيلا ديستيه” وفي فرنسا التي شهدت العصر الذهبي للصالونات الأدبية كانت أول صالون تؤسسه “مدام كاترين دو رومبوييه” عام 1608م ومن ثم مادلين دو سكوديري، والكاتبة آن تيريز التي عرفت بـ مدام لامبرت، ومدام دي تينسين، ومدام دوديفاند، ومدام هلفيتيوس، ومدام دي رامبوييه، وفي سويسرا ظهر صالون الكاتبة السويسرية مدام نيكر (سوزان كراجد)، وفي ألمانيا صالون الكاتبة بول هنري ثيري….الخ. وقد استقطبت تلك الصالونات أبرز المفكرين والكتاب والسياسيين الذين ساهموا بالنهضة الأوروبية.

ويذكر تاريخ الأدب العربي أن “سكينة بنت الحسين” أنشأت صالوناً أدبياً في الحجاز بالعصر الأموي، وأن سكينة بنت ولادة بنت المستكفي أنشأت صالونها الأدبي في قرطبة بالأندلس (إسبانيا) وكان يضم كبار الشعراء مثل ابن زيدون. كما أن أولى الصالونات العربية في العصر الحديث كانت لـ “نازلي مصطفى فاضل باشا” الذي تأسس عام 1890، وكان يحضر صالونها كبار المفكرين والكتاب الذين لعبوا بدور كبير في الحياة الثقافية والاجتماعية المصرية ومنهم الإمام محمد عبده، سعد زغلول، قاسم أمين وغيرهم. كما اشتهر أيضاً صالون الأديبة اللبنانية “مي زيادة” والتي أنشأته عام 1912 في مصر أيضاً.

وفي سوريا ظهر صالون ماريانا مراش (1849-1919) في حلب، والتي تعد من أولى الأديبات في سوريا، وصالون “ماري عجمي” التي تأسست عام 1922م، وصالون زهراء العابد.. وغيرها.

وازداد وتيرة تأسيس الصالونات الأدبية في النصف الثاني من القرن العشرين في العالم العربي، ويشير العديد من النقاد العرب بأن ظاهرة الصالونات في العصر الراهن تدنت مستواها مقارنة في السابق، حتى أنها أضحت مجرد لقاءات تتسم بالمدح الزائد والإطراء الغير الممنهج وتفتقر إلى النقاشات والنقد الجاد، وهو ما يهدد مستقبل النقد الأدبي والفكري عربياً.

وفي مناطق شمال وشرق سوريا اشتهر صالون “فوزية المرعي” في الرقة التي تعتبر أول امرأة تؤسس منتدى أدبي في شرق سوريا، واستقطبت العديد من الشخصيات الأدبية والثقافية والسياسية في سوريا. كما تعتبر العديد من الهيئات والكروبات والمنتديات الثقافية الكردية التي تأسست منذ منتصف التسعينيات من القرن العشرين صالونات أدبية، ومنها ” كروب ديريك للثقافة الكردية، لجنة الأمسيات الكردية في دمشق، مجموعة (تفن) للثقافة والفن في ديريك، لجنة النشاطات الثقافية الكردية في قامشلو، كروب تربه سبي للثقافة الكردية، ملتقى كركي لكي الثقافي، … الخ”. والتي كانت حاجة ضرورية، وذات أهمية كبيرة في ذلك الوقت، كونها كانت أحد الأشكال النضالية من لدن الشعب الكردي، بل وأبرزها ثقافياً، فساهمت إلى حد كبير في إبقاء وحيوية الجانب الثقافي لدى الكرد، في ظل استمرار سياسة القمع والحظر المفروض على كافة جوانب الثقافة الكردية في البلاد.

وبعد عام 2012م وبسبب التغييرات السياسية، وتوفر جو من الحرية في الممارسة الثقافية والفكرية، فإلى جانب قيام التجمعات والاتحادات الأدبية والثقافية بإقامة فعاليات متنوعة ومنها أمسيات ومهرجانات ومسابقات وأسابيع ثقافية…الخ، ظهرت عدد من الصالونات الأدبية ولعل من أبرزها “ميتا” و “شاويشكا” في قامشلو، وهناك بعض الأنشطة المرافقة لبعض المؤسسات الثقافية يمكن إدراجها في خانة الصالونات كـ “نادي انكي للثقافة” في الطبقة، وجلسات القراءة في كوباني، وهناك منتدى “نوبر” العائدة لطلاب قسم الأدب الكردي بجامعة روج آفا في قامشلو.

يقتصر نشاط الصالونات الأدبية في شمال وشرق سوريا على قراءة نتاجات الكتب ومناقشتها، وفي نطاق ضيق، ومع أنها نشاط لها أهميتها، ولابد منها، لكن ذلك يجعلها متقوقعة على نفسها، دون أن تترك أي أثر معرفي كبير في الحراك الأدبي والثقافي، ولاسيما أن معظم الكتب التي يتم مناقشتها لغير المؤلفين المحليين، وبالتالي تصبح النتاجات الأدبية المحلية خارج أعمال النقد الجاد. وقد توقف نشاط صالون “ميتا” بالفعل نتيجة تقوقعها وعدم تداولها الشأن العام الأدبي والثقافي. ولهذا يتعين على القائمين على هكذا أنشطة أن تدرج برامج ومواضيع نقاشية، تتناول الواقع الأدبي والثقافي المعاش في المنطقة، بغية تحليلها وإظهار نواقصها وطرح الحلول المناسبة، لتساهم عملياً في تطوير الحياة الثقافية في المنطقة والرقي بها. وكذلك على الجهات المعنية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دعم مشروع إنشاء الصالونات الأدبية في مختلف مناطق الإدارة.

Hits: 21