شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

النموذج الكردي – عبد الله أوجلان

29

 

ركزنا في هذه الأثناء على النموذج الكردي وعندما سعينا لأن نصبح منظمين وسياسيين وفتح الطريق تجاه المهمات العسكرية، ظهر في تركيزنا بأن النموذج الكردي في الحقيقة يشكل عقدة، وبأن هذه العقدة تنبع من الأسباب السياسية لحد كبير. وجدنا بأن الشخصيات التي بين أيدينا هي عبارة عن بلاء. سألنا لماذا هؤلاء الأفراد هكذا، قلنا لنطور التحليل قليلاً. وتجاوزنا الحدود السياسية. ودخلنا المجال السوسيولوجي والنفسي والأدبي لأن المشكلة الموجودة هي عقدة وهناك أناس لا يملكون العواطف والجرأة والأسلوب، ويسبب في إمحاء الذين بجانبه من أجل سيجارة أو قصعة من الحساء. ويقول “أنني أقوم بالقيادة” ومن أجل الأحباب جاويشية يؤدي بنفسه إلى الإمحاء ويقول “إنني أثبت نفسي”، يهدر قيم الحزب كلها ويقول “أثبت شخصيتي” أو “نلت انتقامي”. لا يصيب الهدف، يبعثر كل شيء ويقول “أنا الذي نفذت أكبر عملية قتالية”، كلها انحرافات شخصية. فنحن نواجه عملية تخريب للشخصية. يظهر بأن هذه الشخصية قد تعقدت وأصبحت بمثابة مركز الآثام. كيف وصلت لهذه الدرجة؟ لقد تطرقنا بشكل مكثف في تحليلاتنا وأظهرنا فيما بعد بأن المجنون هو المجتمع. هناك فئة ضمن الحزب أيضاً تشكل مركزاً للنواقص والأخطاء التنظيمية والعسكرية والسياسية، وقد قابلت هذه الأخطاء بدهشة كبيرة.

كيف يمكن تجاوز هذا الوضع؟ هذا إذا تجاوزنا هذا النموذج من الأساس!!، فالعدو شتته وجزأه ألف مرة ويرغب تشتيته وتجزئته بيدنا أيضاً. يصبح هذا تكرار للحكاية القديمة. إذا قبلنا وضعه حينها ننهي الثورة ونقوم بتصفيتها. وإن حاولنا العثور على الطريقة السليمة وقوة الحل والإمكانيات يظهر العمل الأساسي للآداب. إن تم الانتباه، فإن التحليلات التي قمنا بها تقترب إلى الرواية بنسبة كبيرة أكثر من التحليل السياسي وهي تقييمات تطبع الرواية طابعها عليها أكثر. تكاد قد حللت النموذج الوطني وأظهرت التحليلات النماذج الأساسية على الأقل. المهمة الأساسية للرواية أيضاً هي خلق النماذج الاجتماعية أو تحليل النماذج الموجودة في المجتمع بتحريرها وتصنيفها. وما نقوم به هو هذا بنسبة كبيرة. لكننا لم نعمل هذا للقيام بالآداب إنما عرفناها كوظيفة من أجل تجاوز الانسداد الثوري والأزمة الشخصية وأمراضها.

بهذا الشكل ظهر علم الآداب ضمن التحليلات الموجودة. إذا كان تطور النشاط الأدبي قوي جداً سيتطور اعتماداً على هذه التحليلات. ويتم رسوخ جذوره من خلال هذه التحليلات. في الواقع تم وضع صلة بالتاريخ وبالحقيقة الاجتماعية الأساسية وكذلك بالهدف الحقيقي، بالسمو والتحرر بكل معناه. تم إظهار النموذج السليم، الفاسد، القبيح، الجميل، الخائن، المتحرر، المريض والمتأزم والنموذج الذي بإمكانه أن يصبح قوة الحل على الأقل.

بعض الخصائص الأساسية لهذه النماذج، هي إظهار خصوصية الوطنية والتحول السياسي وجعلها منظمة وذات قوة. وإظهار خصائصها التي تدخل في خدمة العدو. وتبيان كيفية تحوله إلى ثرثري وشقي لأنه قطع صلاته بالعديد من الحقائق الأساسية، بمعنى من المعاني قمنا بإيضاح النموذج المجنون، الهارب والثرثري، حتى قيمنا المجتمع الذي جنَّ بأنه مجتمع المرضى والمنحطين والمجانيين. مع الأسف رغم كل الصعاب يظهر ان كل واحدة من تلك الخصائص منها تمثل الحقيقة.

كل هذا يظهر أنه تم ممارسة الأدب. بمعنى إن ظاهرة الأدب الكردي التي أوضحناها ستتطور بهذا الشكل نوعاً ما. أي هل الذي تم القيام به سابقاً كان أدباً؟ حيث تم كتابة بعض من الروايات التي تتخذ مجزرة ديرسيم وآكري فكرة لها وفق أيديولوجية الجمهورية التركية، حيث تمثل بجوهرها مديحاً للمجزرة وتشهيراً للنموذج الكردي يومياً في التلفاز والسينما بأبشع الأشكال، إضافة إلى الاستهزاء منهم، هذه تمثل تفاهة القوى الحاكمة.

عندما أذكر الكرد، يخطر بالبال تلك الشخصية التي تتحدث بالتركية البسيطة وعديمة الجدوى، ويستهزئون بها، وحتى أنه يتم استخدامهم، وقد حدث هذا في الآداب والسينما أيضاً وخاصة في التلفاز. حتى وصل بهم الاستغناء عن الحقيقة الاجتماعية والخجل من نفسهم بشكل أدبي مدهش، ويحتضن من يقوم بالأدب الثوري كل هذا، ويناضل ليضع الصحيح والسليم.

نقوم بترسيخ الأسس وترتيب هذه الجوانب. عندما تُظهر هوية الإنسان الكردي، أنك بهذا الشكل، فإن لم تقم بهذا ضمن منطق سليم فإنك ثرثري، فوضوي، مريض، قزم، منحط. محتال، خائن، عميل، مستسلم وبدون روح. وإن قمت به بشكل منطقي فإنك كادر، واعٍ، إيجابي وجميل. والأدب الوطني يكتب من خلال مصطلحات كهذه. حيث يكتسب الروح ويحيا من خلال هذه المصطلحات ويقوم بعمله ضمن المجتمع بشكل قوي جداً ونقوم بكشف هذا الجانب أيضاً.

يمكننا البحث في مشكلة الأدب الثوري، من الممكن أن يتطلب تطبيق هذه الطريقة والنظر إلى التاريخ والمستقبل، وكتابة الروايات التاريخية على هذا الأساس وتطوير الشعر، القصة وروايات الأمل أيضاً بصدد المستقبل. كذلك القيام بالموسيقا والرسم، بالإضافة إلى التعبير عن القوالب القومية والقوالب القديمة من البداية وحتى النهاية. حتى يمكن تسخير الحدث بكثافة لأنه يعاش تكوين فوقي ـ تحتي بشكل عظيم.

في الواقع أكثر الآداب المؤثرة، تلك التي تعبر عن هذا التكوين (المختلط) الفوقي ـ التحتي. يتطلب خلق الأرواح الحية من الأرواح الميتة أو انبعاث الروح بحد ذاتها، لأنه يمكن القول بكل وضوح إن نسبة كبيرة من الذين يسيرون على أقدامهم هم مثل الأرواح الميتة. أفضل ملاحظة لنا في هذا الموضوع، وما نرغب القضاء عليه في حياتنا هو الموت. حيث نود التغلب على هذا المجتمع أو على طراز الموت الموجود لدى جزء كبير منه، وإخراجه من حالته التي يتنزه بها كالأموات الذين يسيرون على أقدامهم. هناك العديد من الجوانب التي تمثل الموت كاللامبالاة، البرودة، الاستفزاز والإفساد، هذه هي جوانب الموت المنتشرة. بينما جوانب الانبعاث ورغبة الحياة والإعجاب محدودة جداً في هذا الأساس الذي يتم إظهاره في هذا التكوين المختلط من خلال معايشته.

رؤية الحيوية في الشهداء والمقاومة تجاه التعذيب الهمجي ورؤية كم هو ميت في الوقت الذي يظن بأنه يعيش باختصار، رؤية تطور العديد من المميزات في الحياة منتشرة جداً، كذلك أوضحنا بأنه ما من أحد يتابع المجتمع من خلال هذا التحليلات وإلا يخجل من المجتمع والحياة القديمة، هذا صحيح. يسيطر على المجتمع خجل كبير، لأننا نقول الآن “كيف عشنا هكذا؟”. هذا تطور جيد. ووصل الإنسان إلى معرفة كم اهترأ موته ويتطور الآن ولع الحياة، يمكن التعبير عن كل هذا من خلال الآداب بشكل عظيم. أبرز الآداب، هي التي تظهر في مراحل التكوين المختلط هذا، ما الذي يتطلب تركه ميتاً وما الذي يتطلب انبعاثه وإحياءه، هذه هي المهمة الرئيسية للآداب، ويمكن لجميع فروع الفن الأخرى أيضاً ان تؤدي مهمتها من خلال ترتيب مدح حياة الانبعاث المطلوبة وكتابة الأمر (الحكم) بالموت لما يتطلب موته بنفس الشكل.

طبعاً نضع البداية فقط، ونقدم الأرضية في هذه المواضيع. فقد تم تقديم أرضية مكمّلة من أجل الذين لديهم الوقت ويرغبون العمل من خلال الآداب، ولأستريح قليلاً، وليس ضمن أعمال مختلفة ومكثفة كثيراً. حيث يمكن إعطاء أمثلة الآداب التاريخية والتي تتضمن التحول بصدد المستقبل من ناحية والوقت الراهن. وهذه بحد ذاتها تقوم ببناء التحول أيضاً. إن المثقف الذي مر بالمجزرة الاستعمارية وانصهر، دعك من أن يصبح أديباً بهذا الشكل في واقعنا، فأنه يعمل ما بوسعه كي يصبح عائقاً، لكن بات لا تمنح الفرصة لمثل هذا النموذج من الأدباء.

قاعدتنا ثورية لآخر درجة، انها أرضية للتحليل الثوري، النداء الثوري والروح الثورية.

المقاربات الاستعمارية الكلاسيكية باتت منتهية، حتى أنها لا تستطيع التنفس. شعراء وفناني وروائيي المرحلة القديمة أيضاً يمكنهم القيام باعتراف صميمي لأية درجة هم مذنبون تجاه الواقع الكردي. يمكن أن يسلكوا الطريق نحو الإصلاح بقيامهم بالاعتراف والإيضاح نوعاً ما على شكل “أي خائن كنت، كيف وقعت في اللعبة، وكيف تم استخدامي؟”. أعتقد أنه يُطَوَّر اعتراف على هذا المنوال أيضاً طبقاً للمعترفين الآخرين، في القول “أي خائن ومستسلم كنت، كيف كنت أداة رخيصة، كيف استخدمت ضد شعبي؟” بعد ذلك ضع قوتك إن كانت موجودة، وتحدث حياً. تحدث عن العظمة والجنة والجهنم، المقاومة والتعذيب، وأعبر عن القبح وأبحث عن الجمال وأكتب عن العداوة والحب والصداقة.

الحب في هذا الموضوع أداة قوية، بقدر ما تكون الثورة مكان نجاح كل الناس، فقد فتحت إمكانات واسعة جداً للأديب وللذي يرغب بالقيام بالانطلاق من خلال الآداب. لكن إذا كان الأديب خاملاً في هذا الموضوع وطفيلياً ولا يستطيع تسخير نفسه بشكل سليم لن يستنتج أي شيء، إذا لم يستطع على مدى السنوات تثبيت الخصائص العديدة التي تطرقت إليها، حتى أنا، فلن يستطيع أن يصبح أديباً جديراً. مع العلم إذا كانت نفسه بدون روح ويحرف الحياة لن يكون بمقدوره تربية شعب بالثورة والآداب. ولن يستطيع استخدام فن الآداب وهذا الأدب بشكل لائق. وسيتقرب من المشاكل بضيق.

ليرى الأديب بنفسه المشاكل ويصبح قوة الحل..!. إن عدم استطاعته رؤية المشاكل والتعريف بنفسه بقوله: “إنني أديب جيد” لهو خداع، في الوقت الذي تكون الأرضية هكذا من أجل الآداب، لا يتطلب فقدان الأمل، لقد بدأت ببعض الجهود من الآن. الثورة ستُزيد من سرعتها أكثر، يفهم ذلك لدرجة ان الثورة تتجه نحو الإيجابية وتضع قضاياها ضمن جدول الأعمال وتقترب من الحل، لقد ظهرت فرصة عظيمة للأدب الثوري أيضاً. وإذا كنا نعطي الآن أهمية بهذه الدرجة للآداب في وسط النزاع هذا، يعني أن هذا التأثير سيدخل في الممارسة العملية تدريجياً. وسيبدأ هذا الجناح من الفن بلعب دوره، لأنه في تاريخ العديد من القوميات، خاصة في مراحل الثورة يظهر تيار الأدباء القوي، مثلاً في مرحلة الثورة الفرنسية ظهر أدباء كبار. قاموا بتعتيم وتشويه المرحلة الإقطاعية ـ علماً أن هؤلاء كانوا يمثلون الفرق الرجعية والتقدميةـ أو يرغبون القيام بذلك، كما كان الذين يسعون لتشكيل الفرق ابتداءً من الفلسفة ولغاية الأخلاق منتشرين، كانت لديها فلاسفتها وموسيقييها وأدباءها الكبار. ومازالت تقرأ كلاسيكياتها حتى الآن. هناك أيضاً جيل أدباء ما قبل وبعد الثورة السوفيتية. نراهم بشكل أفضل لأن القضايا التي ننشغل بها اليوم كانت نفسها التي عملوا بها، وهناك الكلاسيكيات العظيمة ابتداءً من “كيف نعيش” و”ما العمل” وأيضاً “الحرب والسلام” التي عبرت عن الجهود العظيمة خلال سنوات الثورة. حسب ما نعلم بأنه ظهر أثر الآداب الكبيرة في مراحل تكوين البنية الفوقية والتحتية في الثورة لكل قومية تقريباً، وما دمنا نحن أيضاً في مرحلة ثورة جدية كهذه. حينها لابد وأنه سيتطور جيل الأدباء أيضاً من خلالها. لماذا لم يتشكل جيل الأدب الثوري عندنا قبل الثورة؟

نربط تشكل هذا الجيل بتوسع الانصهار ومجازر الاستعمار. لأن الاستعمار قاسٍ جداً، لدرجة أنه يغلق الأدمغة ويجمد القلوب والأرواح  بالصهر وهي مازالت في المهد. لا تستطيعون النظر إلى حقيقتكم ولا التفوه بكلمتين مثل “أنني كردي”. وعندما يستمر هذا لمدة طويلة، عن أي تاريخ وأي حقيقة اجتماعية قومية وأي أديب يمكن التحدث؟ هذا هو السبب. خاصة أنه كلما تأججت الثورة قليلاً كلما هدّم العنف جدران هذا الاستعمار حينها يولد الأدب بشكل متتالي. وهو تقييم صائب للغاية. ويمكن أن تتطور الظاهرة في هذه المرحلة. أساساً حركتنا في نفس الوقت هي حركة أدبية كبيرة تحتوي على تحليلات كافة المواضيع العسكرية، السياسية، التنظيمية والاجتماعية،. في الواقع الظاهرة مثل كبكوبة الغزل. فالنموذج الكردي نموذج ضغط عليه عسكرياً، سياسياً، اجتماعياً، قومياً، ثقافياً كذلك أدبياً أيضاً. وبالتالي يتطلب تحليلاً سياسياً، أدبياً واجتماعياً وتطوراً عسكرياً يقلبه رأساً على عقب بشكل جذري وتجاوز وتسخير هذا النموذج نوعاً ما. بهذا الشكل يمكن إفناء الجوانب الفاسدة أن كانت موجودة. أحياناً جسدياً، حيث يسجل الانفتاح للجوانب الحية نوعاً ما ويمكن ان يتعرض لتطور عسكري، روحي، اجتماعي ونفسي كلياً بعد ذلك. وهو كذلك أيضاً في كردستان بسبب طابع الضغط الاستعماري.

إن لم يكن هناك ضغط على الثقافة، لتطور الأدب أكثر بشكل مغاير، ولو فتح مجال التطور الاجتماعي ـ لو كنا مستعمرة لأمريكا على سبيل المثال ـ لترك المجال حراً للجانب الثقافي والاجتماعي، ولتعرضنا للتطور الأدبي والثقافي بشكل مغاير أكثر. فمن غير الممكن لاستعمار الجمهورية التركية أن يدع التطور الاجتماعي حراً، حتى أنه توجد مشكلة مجزرة اللغة والثقافة وبالتالي ليس هناك فرصة للفن والعادات الاجتماعية وللموسيقى أن تصمد، حتى أنه لا يوجد ضغط من هذا النوع في عنصرية جنوب أفريقيا وإسرائيل هذا الوقت. يتبنى العرب والسود هناك لآداب وموسيقى قوية جداً. لأنه لا يوجد حظر ويعيشون واقعهم الاجتماعي، لأن درجة الضغط المسلطة عليهم لا تتدخل بالتطورات الحاصلة في العديد من المجالات التابعة لهم. بعكس ذلك إذ يمكنهم استغلال الفرصة. بينما عندنا لا يوجد أي شيء. بالإضافة إلى أن التطور سيحدث بشكل شامل عندنا، كل من يتطور عندنا سيصبح سياسياً، عسكرياً، أديباً، وحقوقياً، أي سيكون إنساناً كلياً. الذين فقدوا كل شيء سيكسبون كلياً. والمكتسبات مرغمة لان تكون كلية. الحقيقة الاستعمارية هي التي تفرض هذا. لهذا السبب أن حالة فرد ما عندما يقول “إنني عسكري لا أفهم بالسياسة” أو “إنني سياسي لا أفهم الحياة الاجتماعية” ما هو إلا خداع للذات وعدم رؤية حقيقة الاستعمار.

بلا ريب، هذا ليس معناه أن التباين لن يحدث، بل على العكس يتطور المجال العسكري وفرع الجبهة والنشاطات الاجتماعية بشكل أقسام مختلفة، لكن روابطها وثيقة جداً. سيتأثر البعض وسيطورن بعضهم البعض. لا يمكن تشكيل تنظيم حزبي لأجل كل ساحة، انما نتحدث عن تقوية بعضهم على أساس الخاصية.

لا العسكرياتية مضادة للآداب، ولا الآداب مضادة للعسكرياتية. على العكس إنما يمهدان الطريق لبعضهما. والثورة ليست عائقاً أمام الإنسان بأن يصبح أديباً جيداً، بل على العكس من ذلك تمهد السبيل لأن يصبح أديباً سليماً. ينبغي ملاحظة هذا ليس على أساس المواجهة وإنما على أساس تطوير بعضهم بشكل عظيم.

هذا التطور ضد تأثير الاستعمار أيضاً وجواب كبير لمجزرة الاستعمار التي مارسها في مجال الآداب. إذا كنتم تتضايقون من هذا فهذا يعني أنكم تحت تأثير الاستعمار. تماماً  كالذين يمثلون شخصية الآغا أو العبيد ولا يستطيعون أن يصبحوا سياسيين وعسكريين سليمين وهذا سارٍ لأجل الأديب أيضاً.

أساساً حركتنا في نفس الوقت هي حركة أدبية كبيرة تحتوي على تحليلات كافة المواضيع العسكرية، السياسية، التنظيمية والاجتماعية

 

يمكن طرح أسئلة كثيرة جداً على الفن عامة والأدب خاصة والتوقف على سبل الحل. في الواقع، قمنا باختبار أدبي، فالتحليلات اختبار للآداب نوعاً ما. ولو كانت لدي الإمكانات لأظهرت نماذج عديدة. أظهرت بعضاً منها، وشعرت أيضاً بحاجة لإظهار الأكثر. جعل الإنسان الكردي يتحدث يعني كأنك تجعله يستفرغ أو يتقيأ، أي بمعنى أن تجعله يتحدث عن القبح، الانحطاط، اللاحل والعدمية الموجودة لديه. ومعنى هذا أيضاً إظهار القوة والطريق الصحيح والحياة السليمة له. قمت ببعض منها ولم يبقَ أحد منكم لم يتأثر بها. لم يبقَ أحد إلا ويسأل نفسه رويداً رويداً ابتداءً من الاستيعاب وحتى سؤال “كيف نعيش؟”. بهذا المعنى اتضح أنه ليست هناك مشاكل لن تعبر عن الحقيقة، وتصرفات الأرواح والأجساد مازالت بادية للعيان.

عليك تحديد الاتجاه نحو الحياة. ماذا يعني الصراع من أجل الإحياء، والإحياء من أجل الصراع؟ كل يوم نناضل من أجل هذا، فقد قذف النموذج الكردي بنفسه أرضاً ولم يعد بمقدوره أن يعمل شيئاً سوى خلق الفكر القبيح والموت. في الواقع، الآداب أيضاً هي محاولة العثور على ما هو صحيح للذين لا يستطيعون السير بشكل سيلم وليس بمقدورهم التكلم ولا يعرفون تقديم التحية ولا يملكون الحب والاحترام ولا يعرفون الطريق، أولئك الذين ضغِطَ وعتّم عليهم والذين خطفوا وتعفنوا وعديمو الجدوى وبالتالي بنوا صلاتهم مع الاستعمار مع ورؤية نموذج الذين انتهى أملهم.

ما هو الصحيح؟ ما الذي يمكن إحياؤه؟ لماذا كل هذا المرض والهروب وإلى أين؟ هل هناك من سيقبل هذا الكردي على وجه الأرض؟ هل هناك من سيحبه وهو في أحضان قوميات أخرى؟ هل هناك من سيقول “لقد جاء أبناؤنا”؟

كلا، فالجميع يرون الكردي تافهاً ويشمئزون منه. حتى أنهم يحاولون قتله. يقال “نظم نفسك” للذي يقول “كنت جاهلاً، لا أرغب بالتفكير، لا أرغب بالتحدث وإنني قاسٍ”. هل بقي لدينا طاقة لنستهزئ منها؟ لِمَ لا نرى الحقيقة؟ ها هي كما ترون، كلها حقائق الآداب في الوقت نفسه. في الواقع، كان بإمكاننا أن نطورها أكثر. لكن مع الأسف لأن الإنسان الكردي هزيل لدرجة أخذ الحيطة من ضمه للنشاط الثوري، لأنه لا يبالي بإيجاد جواب لسؤال “أي نوع من الحياة؟”. وتتوه المسألة. هنا قام العدو بالضغط عليه والشخصية التي خلقت منه واراها، وجعل منها كبكوبة من الذنب وأغلقت الحياة بكاملها عليه، حيث توجد شخصية تحتوي على هذا النوع من الخصائص. شخصية باكية. لأن فقدان الإنسان لأبسط شيء على الفور وعدم القيام بتنظيم قضاياه للتحرر وإعطاء معنى للمهام العسكرية وعدم تنظيم فصيلة وتدريبها وعدم الدخول في حوار على الأقل مع عدة تجمعات شعبية هي من عمل الشخصية المنتهية، نستطيع توضيحها أدبياً أيضاً ان الذين يستهزؤون من نمط الحياة الصحيحة ويهربون من حل المشاكل لا يمكنهم البقاء ضمن الصفوف بنواقصهم وقبحهم. في الواقع، هذا النموذج يعتبر بلاءً، وفي درجة التيه وبعيدٌ جداً عن أن يصبح أملاً وروحاً، إذ لا يحق له قول “اقبلوني بهذه الحالة”.  قول “إنني مجنون وبلاء عليكم، سأبكي وأشتكي، إن لم يعطِ نتيجة سأخلق الأزمة. سأقوم بالضرر، إن لم يعطِ فائدة،  سأشوه وأحرّف وأصبح متآمراً. لدي بعض من الطلبة ليس معلوم من هم، أن لم تمنحوا ما أفكر به حينها سأقوم بالفوضوية”. هذه كلها أمراض شخصية ومنتشرة. في النتيجة، ينبغي أن يصبح ثورياً جيداً وطبيباً نفسانياً ويرى بمنظور أديب جيد.

هذه الشخصية هي بلاء بحد ذاتها، دعك من أن تُلحِقها بالجيش، حتى ضمها إلى الحياة الاجتماعية يعني إمحاؤها لأنها تقوم بالتبعثر والتخريب دائماً. وفي الأساس يعيش حالة القضاء على مجتمعنا، ونتوقف عليه أكثر من العدو.

منذ مدة طويلة أثبتنا بأنه يتحدث لكنه يهشم نفسه وجوهره. يظن نفسه عسكرياً لكنه يضرب الحزب. لا سيما وأنه يوجد أمثلة كثيرة. يقتل رفيقه ويبعثر التنظيم ويقوّي عدوه. نعرف جيداً أن وضع قسم كبير من قادتنا وقياداتنا بهذا الشكل. لقد أصبحوا بلاءً كبيراً على الشعب. تظهر حاجة ماسة لتعديل هذا الوضع. هناك الاهتمام بالتآكل والإمحاء تحت اسم الحب والاحترام.

عندما تمعنا في الرغبات والغرائز وجدناها تتجه نحو الخيانة. طبعاً لم نستطع تحليلها ورؤيتها، كيف يمكننا تعديلها؟ كيف سنجد الحل لمشاكلنا الحساسة؟ إذا لم يكن بمقدورهم رؤية كل هذه المشاكل، لن يكون بمقدورهم التحدث عن الشخصية الثورية.

المسألة هي أننا نبين إذا تطلبت أي روح وأية حياة اجتماعية واقتصادية وأخلاقية ومعنوية من أي شكل، حينها نوضح أية فلسفة يجب تبنيها أيضاً.

إذا كانت المسألة هي لغة الخطابة والأسلوب وطريقة النجاح، فإننا نبينها أيضاً. من ذا الذي يسأل نفسه بشكل جدلي ويجيب أيضاً “يوجد نقص لدي في ذاك الجانب، وفي الطرف الآخر عدم كفاية، أنني بحاجة إلى التجديد في كذا موضوع”؟. فما لدينا، هو إظهار المشاكل وعرضها. كل فرد يرد على الأوامر المعطاة للجميع بشكل عام. في النتيجة ما يبقى هو أن يحدد ويأخذ الفرد ما يتطلبه وفق حاجته ومهمته. أن لم يتم القيام بهذا، لن يحدث تطور، لا سيما إننا كشعب أيضاً لم نستطع التطور أبداً. يتعلم بعض الكلمات ويحدد بعض التصرفات وفقها ويظن نفسه أكبر قائد. يتم إهمال التدريب لشهور وأعوام ويقول “ليكون الجميع تابعين لي”. هذا تخلف لم يتواجد حتى عند الآغا الكردي الأكثر تخلفاً. يجب التعيين بشكل أفضل لأي درجة يتطلب هذا الأسلوب والوتيرة الموجودين لدينا ومقدار احتوائهما على التحول. وإلا ليس من الممكن الإيمان بأنه سيصبح ثورياً وسيؤدي واجبات الكادر بنجاح بشكل أو بآخر. بعد معرفة الحقائق بهذا القدر من البروز، لن يكون بمقدورنا غض النظر عنها. الثوري لا يخدع نفسه بهذا القدر.

إنقاذ الحياة وتجديدها وجعلها ذات معنى وتحويلها إلى حياة جميلة هي كحاجتنا إلى الماء. أن الفرد الذي يخلق المشاكل ويتسبب بزيادة الانهيار لهذه الدرجة ويصبح سبباً في الضياع لن يوثق به مهما تحدث عن الاحترام والحب والحياة. في الحقيقة على الإنسان أن يتعرف على ذاته ويرى الصواب. إذا لم تقبلوا الإهانة واللاعدالة بسهولة وترغبون قليلاً بالحب والاحترام، حينها عليكم قبول حقيقة العمل وأن تكونوا مخلصين! إننا مرغمون على ترك أوهامنا، زيفنا، ومكرنا القروي! يجب تجاوز هذه الديماغوجية والوصول إلى الحقيقة. كذلك تحديد  مسار التطور. على هذا الأساس يجب أن تكون هناك محاولات، والحدود التي يمكن قبولها. يجب أن يكون في حالة ويبحث عنه ويجب عدم إشغال الآخرين به ويكون قوة للحل ويعطي الجسارة للآخرين ورفيق الجميع. ويخلق المجتمع الجديد تدريجياً ويمثل في شخصه عدم القيام بالسرقة والمكر ولينفذها على العدو.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مفكر وقائد سياسي كردي، مواليد منطقة أورفا بكردستان- تركيا في 4 نيسان1949م، درس العلوم السياسية بجامعة أنقرة، أسس وترأس حركة التحرر الكردستانية منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم. معتقل منذ شباط 1999م في سجن جزيرة إيمرالي بتركيا، له عشرات المؤلفات السياسية والفكرية، صاغ من معتقله فلسفة “الأمة الديمقراطية” ونشرها في كتابه “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” بأجزائه الخمسة.

 

Hits: 4