شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الطريق إلى المسرح..(متى تُرفع الستارة..؟) – عبدالوهاب بيراني

75

 

إن حاضر المسرح الكردي يبشر بمستقبل أكثر انفتاحاً وتعاملاً وأعمق قدرة على توفير عناصر الفرجة المسرحية القادرة على صنع مسرح له فضاءاته وإبداعاته

 

ثمة، عنوان كبير يدعى” المسرح الكردي” رغم عدم وجود تعريف لماهية المسرح الكردي..، ولم يتعامل مع الصفة الاسمية سوى كونه دالاً على حالة أدبية فنية على غرار المسرح السوري أو العربي أو الفرنسي، رغم الافتقاد لجوهر التسمية، ورغم ما تشهده الحالة التوصيفية من مغالطات جمة، فالمسرح، ولن نذهب في تعريفه الأكاديمي، أو الأرسطوطاليسي، إلى بينات وشروط وبيئات وعتبات المسرح على أنه مسرح بسبب افتقاده لكثير من شروطه الأدبية على صعيد الكتابة المسرحية بلغته الكردية، أو الفنية على صعيدي الأداء والإخراج، فالمسرح بداية هو نص حواري أو لنقل أنه فكرة يستند عليه النص، وهو أداء وفن وموسيقا وتقنيات إضاءة وديكور…الخ.

أتمنى أن يأتي اليوم الذي يتبلور فيه المسرح كردياً وفق شروط العمل الفني المسرحية، وشروط الكتابة التي تليق بمسّرحتّها، وتقديمها وتوفير الكم الجمالي الخلاق القادر على تقديم وجبة فنية دسمة تمتلك جمال وشروط الفرجة المسرحية، وبالتالي القادر على خلق تماس تفاعلي ما بين الجمهور (المتلقي) والعمل المسرحي (المنصة).

لن نبحث كثيراً في بدايات ظهور الأشكال المسرحية كردياً، والتي ينطلق منها العديد من الباحثين إلى كون البدايات ربما يمكن اعتماد كرنفالات والمهرجانات وحفلات وطقوس الزواج والختان مظاهر مسرحية، رغم عدم جدية هذا الأمر حسب ظروف وشروط المسرح كشكل أدبي وفني متكامل، فلا يمكن الحديث عن مسرح كردي إزاء الحالة المسرحية الاغريقية أو الرومانية، أما اعتماد طقوس الموت والدفن والنحيب والعويل حالة مسرحية فذلك أيضاً بعيد عن الرؤية النقدية المسرحية، ولا يمكن ولأجل إرضاء تعصب قومي أوديني، فرض الريادة أو القِدم، فالمسرح فن مدّني، نشأ في المدنِ الكبيرةِ والمتوسطةِ، وربما غياب هذه الحالة عند الكرد، نتيجة الحالة أو النشاط الاقتصادي، والأعمال المرتبطة بالفلاحة والزرع والحصاد وبما تحمله من طقوس موسمية متكررة، وأيضا حالات الرعي والانتقال المستمر ضمن حلقة المشاتي والمصايف.. والبحث المستمر عن المراعي الخصبة ومواسم التزاوج والولادات لمواشيهم كانت أيضا طقساً، وحالة تحمل الكثير من المسرة، وفي تلك الليالي التي كانت تسيطر الثلوج على مسالك الأرض ودروبها.. في تلك الليالي الشتوية الطويلة كانت الاغاني والفنانين الشعبيين والمطربين يؤدون أغانيهم وبمرافقة الاتهم الموسيقية من دف ومزمار وطنبور وبللور وغيرها، وكان الملل وبالتالي الحاجة لاستهلاك الوقت كفيلاً بوجود هكذا حالات أو مظاهر فنية للترفيه وكوسيلة للمعرفة، لم ترتقي إلى حالة ممسرحة، حتى وإن كان هناك مهرجون وفكاهيون، ومرقصي السعادين، وتقمصهم لحالات حوارية جزئية وقيامهم بتقديم حركات جسدية من رقص أو غيرها، هدفها لفت وشد الجمهور وخلق تفاعل ما ضمن الغرفة والتي كانت على الأغلب مضافة الأغا أو كبير القرية، في وقت كانت المدن لها طقوسها الاجتماعية المغايرة والأكثر انغلاقا إزاء فرصة إتاحة عنصر الفرجة للجمهور، على عكس حالة القرية التي كانت تمنح فرصة حضور هكذا أعمال حكواتية أو فنية لعامة القرويين..

هذه مقدمات للوقوف على إيجاد تعريف للمسرح الكردي ولتوصيفه فنياً مع أبداء الرأي حول خصوصيته وتمايزه وظروف نشأته ومراحل تطوره.

وكتجربة شخصية في العمل المسرحي والكتابة له والتي بدأت من خلال الكتابة والمتابعة النقدية للمسرح السوري عموماً والكردي خاصة، فمن مادتي النقدية عن العرض المسرحي المونودرامي “يوم غير عادي” إلى مشاركتي كمتابع إعلامي لمجريات انطلاق أول مهرجان مسرح كردي في التاسع من أيار عام 1994، الذي بدأ حفل افتتاحه بمدينة عفرين، وتحديداً في ريفها الجبلي الجميل بالقرب من شلالات ميدانكي الشهيرة سياحياً على المستوى السوري، وتم اختيار هذا التاريخ لخصوصية تتعلق بالفن التمثيلي الذي أرتبط بالشخصية السينمائية الكردية العالمية الممثل والمخرج والكاتب والسيناريست يلماز غوني الذي رحل عن عالمنا بتاريخ 9 أيار من عام 1984، حيث تم اعتماد ذكرى رحيله العاشرة بداية لموعد انطلاق أول مهرجان مسرحي كردي، فقد بدأت الوفود المسرحية والمهتمين بالفن المسرحي من كتاب وممثلين وموسيقيين ومخرجين وصحافيين ومتابعين بالوقوف دقيقة صمت على روح فقيد الفن الكردي يلماز غوني وسائر الراحلين الرواد في المجال الفني، وبدأت أعمال المهرجان بإلقاء كلمة اللجنة التحضيرية للمهرجان التأسيسي الأول، ومن ثم بدأ مسؤولي الفرق المشاركة ومن أغلب مناطق التواجد الكردي بإلقاء كلمات سريعة مقتضبة حول أهمية الفن المسرحي ودوره الثوري والتنويري وكحاجة عليا للإنسان، وبدأت الفرق بتقديم عروضها الافتتاحية في الهواء الطلق وفي أحضان  الطبيعة الجميلة، دون ديكور أو إضاءة معتمدين على الأداء والحوار والثياب والاكسسوار الشخصي للشخصيات المسرحية بمرافقة الموسيقا، وسط حالة فرح وحبور بالمنجز الفني، وتم الاتفاق على تقديم العروض المسرحية في كل من المدن قامشلي وعفرين والحسكة ضمن برنامج زمني تم تحديده آنذاك، وكإعلامي متابع للحدث تم أرشفة الحدث بواسطة كاميرا متواضعة وعبر عدة تقارير صحفية، وتم الاتفاق على إقامة المهرجان بشكل سنوي.

وقد تم تقديم العروض في المدن المذكورة من خلال إقامة المنصة ضمن باحات سكنية (الحوش) وإجراء عمليات الديكور واستخدام تقنيات إضاءة بدائية للاقتراب من الحالة الفنية، وتم تقديم عدة عروض مسرحية، استمدت مادتها الدرامية من المسرح الإغريقي عبر ترجمة النص للكردية، وإعداد مسرحي يتيح إيصال فكرة العمل للمتلقي ومن نصوص كردية محلية، وأيضا قدمت أعمال مسرحية غنائية خاصة بالطفل الكردي، وفي ختام أعمال المهرجان الذي استمر عدة أسابيع  تم الإعلان عن جوائز تقديرية لأفضل نص مسرحي، وإخراج، وأيضا لأفضل ممثل وممثلة وتم اختيارهم من قبل لجنة تحكيمية رافقت العروض من البداية للنهاية، وأسدل الستار عن المهرجان الأول بانتظار رفع الستارة عن المهرجان الثاني الذي وللأسف تأخر كثيراً لعوامل عدة منها الرقابة الأمنية لكل النشاطات الأدبية والفنية ذات الصبغة الكردية، ولضعف التمويل المادي والمالي، وللافتقار إلى العامل اللوجستي الداعم، ولعدم وجود أماكن للعرض، ناهيك عن أزمة النص والكتابة للمسرح الكردي، وظروف ذاتية وموضوعية تتعلق بتدخل التنظيمات الحزبية في الحركة الأدبية، ومنها المسرحية، ولعدة عوامل أخرى، تستحق وقفة خاصة للوقوف على أسباب الإخفاق في الاستمرار وتطوير أليات المهرجان لاحقاً.

هذا المهرجان لم يدون ولم يكتب له الحياة لاحقاً، فقد فارق الحياة، ومن الإجحاف أن نحكم عليه بأنه ولد ميتاً، بل يمكننا القول أنه تعرض للإجهاض القسري..

كانت هذه التجربة العملية في البدء برسم الطريق نحو مسرح كردي حقيقي، وهي تجربة جديرة بالتوثيق والبحث والدراسة.

لاحقاً عملت في الكتابة المسرحية بإنجاز عدة نصوص مونودرامية وإخراجها بالتعاون مع الفنان والممثل الكردي أحمد عرب الذي اشتهر في تقديمه لأدوار مونودرامية واستطاع أن يكتسب محبة الجمهور والذي عرف لاحقا باسم “بيبيكو”  Pipiko (زمار الحي) وهو اسم شخصية قدمها على منصة نوروزية في نهاية التسعينيات من القرن المنصرم، وليثبت مقدراته التمثيلية على مستوى الأداء المسرحي كممثل ادرك استخدام لغة الجسد والتي تواصل معها الجمهور بحب وشغف كان دوره في مسرحية “الدرويش” التي كتبتها خصيصاً له وعملت على إخراجها أيضا حيث استطاع من خلال الجمع ما بين الكوميديا السوداء والتراجيديا، مستخدماً الغناء والرقص والحوار المونودرامي في العمل خلق حالة فرجوية فاعلة اعتمد على فحوى النص الذي جاء تنبئياً، اعتمد على حوار بوهيمي مع الله والطبيعة والأنسان والتاريخ، للأسف تحققت تلك النبوءات لاحقاً وخلال سنوات لاحقة، حيث نضبت ينابيع الخابور، وتحولت الينابيع والبحيرات الصغيرة إلى بركة دم، وشب الحريق في حقول القمح، وخلت المدينة من أهلها، وحامت أسراب الجراد والغربان السوداء في سماء المدينة (سري كانيه/ رأس العين) وبدأت الريح تهب على نوافذها المخلوعة، فباتت مدينة أشباح مخلوعة الأبواب والنوافذ.. ولن أدخل الحالة الراهنة وما شهدته المدينة من غزو لجحافل أعتى تنظيمات الإرهاب الأسود التي هجّرت ونهّبت المدينة عن بكرة أبيها بكل ما عنته مسرحية الدرويش وما جرى على لسان بطلها “درويشو” من نبوءات شحنها المؤلف بقدرة عالية رسم من خلالها أفق شخصية مسرحية وأسلوب للكتابة النصية.

ونتيجة الافتقار إلى عناصر وعوامل فنية وتقنية من إضاءة (حيث أغلب العروض كانت تقدم نهاراً) وديكور (العرض كان يتم على أرض مكشوفة وضمن رقعة يحيط بها الجمهور من كل الجهات، لذا تم اعتماد أليات المسرح الفقير، أو ما يسمى مسرح الرصيف أو مسرح الحجرة (الغرفة) حيث كان من الهام إيصال خطاب العمل عبر حوار داخلي منطلق للأخر (المتلقي) باستخدام مهاراته الأدائية على لغة جسده وصوته وحركاته بمرافقة الموسيقا التي كانت تمنح العمل أبعاده الدرامية إلى حد مقبول، وكمسرح اعتمد الأداء الجماعي وليس المونودرامي حيث الممثل الوحيد على المنصة أو الرقعة المسرحية كانت مسرحية “كومارا دينان” (جمهورية المجانين) التي قمت بإعدادها واقتباس فكرة العمل من نص قصصي قصير للكاتب الروائي الكردي  حليم يوسف وبذات العنوان، والتي عملت على أخرجها، ومن خلالها عالجت فكرة هامة لا زالت تضرب بثقلها المقيت على الحالة التشرذمية الحزبية على الصعيد الكردي، والتي جاءت كرد فعل عن حالة الاقتتال الكردي – الكردي في بداية التسعينات عبر شخوص من المجانين وصراعهم حول مقبرة المدينة حيث قاموا بتقسيم المقبرة وإعلان حدوداً لها، ثم ليبدأ الصراع بين المجنونين ولكل مجنون مجانينه من حيث الدعم والتأييد، والتشجيع على إدامة الصراع.. وبالتالي استمرار نزيف الدم الكردي في مقبرة لا يهنأ به سوى المتربصين بأبناء الشعب.

تسقط الجمهورية ويموت المجنونان ويبقى حلم مجنون يرفرف في فضاء المسرح وتسدل الستارة مع بدء رقصة كرمانجية يشارك بها مجانين العمل، وهي تقنية إخراجية تم استخدامها مراراً في الأعمال المسرحية لاحقاً..

كانت تلك من أبرز محطات التي أسعفتني الذاكرة في سردها بعفوية، وكانت تلك أبرز النقاط التي يمكن التوقف عندها لرسم معالم الطريق إلى المسرح الكردي، التي بدأت تنضج عبر وجود كتاب مسرح ونقاء وممثلين يمتلكون الخبرة والمعرفة، بالإضافة لتوفر صالات ومراكز لتقديم العروض وعناصر التشجيع من تقديم الدعم والجوائز للعاملين والناشطين المسرحيين وتوفر بيئة متاحة للعمل، وبالتالي يمكن القول إن حاضر المسرح الكردي يبشر بمستقبل أكثر انفتاحاً وتعاملاً وأعمق قدرة على توفير عناصر الفرجة المسرحية القادرة على صنع مسرح له فضاءاته وإبداعاته، من خلال استمراريته وتطوره، ووجوده كحالة فنية راقية تملئ الفجوات التي كانت، وتمهيد الطريق الشائك نحو رقعة مسرحية أكثر ألقاً وبهاءً، حيث الحياة الواقعية كانت ولازالت مسرح كبير يعيش الأمل واليأس، السعادة والتعاسة، البكاء والضحك، الحياة والموت..

مسرح لا زال برسم رفع الستارة..

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وناقد كردي سوري، مواليد سري كانية /رأس العين، عمل مستشارا درامياً ومتابعا إعلامياً في عدة شركات للإنتاج السينمائي والتلفزيوني، شارك في أعمال أول مهرجان للمسرح الكردي، ومتابع للحركة الأدبية والفنية، له زاوية “قراءات أدبية” بصحيفة “روناهي” في شمال وشرق سوريا.

 

Hits: 15