شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

المسرح في جيّاي كورمنج (جبل الكرد- عفرين) – محي الدين أرسلان

34

إلى جانب القبضة الأمنية كانت معظم الفرق المسرحية تعاني الشح الاقتصادي، إلا انّ الروح الوطنية والتفاني في مقاومة اشكال الانحلال التي تمارسها الدولة كان عاملاً مساعداً في اجتياز هذا الشح للبحث عن البدائل وخلق الابداع من العدم 

 

البحث عن الخلود، والخوف من الغيب والحياة ما بعد الموت، شغلت الفكر الإنساني منذ الأزل- والذي تجلى في ملحمة “جلجامش”- ولم تتوقف إلى عصرنا الحالي، لعلّ إحدى الأشكال لتخليد الوجود الإنساني -على صعيد شخصي أو على مستوى المجتمعات الإنسانية في رقعة جغرافية- هي الحكاية وسبل رواياتها وتناقلها من جيلٍ لآخر، تعددت السبل والطرق من رسوم على جدران الكهوف وقصص مكتوبة على ألواح طنيه إلى أشكالٍ فنية متعددة تجلّت في فنون تتالت (الهندسة والعمارة، النحت، الفنون البصرية، الموسيقى، المؤلفات وفنون الأداء كالرقص والمسرح، السينما).

 

أنماط مسرحيّة بدائية في الأدب الشفاهي:

 

عفرين محاطة بسوار من الجبال، معظم قراها مشيّدة على قمم تلك الجبال أو في صدرها، بقليل من البحث نجد إنّ تلك الجبال تكتظ بالكهوف، حيث أنّه في كهف DUDERÎ “الكهف ذو البابين” في جبال ليلون اكتشف عظام الطفل ذو العامين الذي يعود إلى عصر الإنسان النياندرتالي إلى 100 ألف سنة خلّت.

كثرة القصص المتناقلة من الأجداد فالآباء والاحفاد عن تلك الكهوف، وللمسرح- كشكل بدائي- نصيب من تلك القصص، حيث تناقلت بين الكثيرين – ممن عملوا في الحقل المسرحي- أن الكهوف وفي فترة من الفترات كانت تعرف بأسماء مثل (كهف سمو، عيسو، حمو، خاجو، زينو ….) وهم من كانوا في الليال يسردون قصص عن الغيلان والتنانين ” كالحكواتي الذي عرفه العرب” إلا أنهم اختلفوا عنهم في طريقة سردهم، حيث أنّ النار التي كانت تضيء جدران الكهف تشكلُ خيالاً ينسجم مع مضمون القصص فتتشكل ظلال في مخيلة المستمع على شكل غول أو تنين (شكل بدائي لمسرح خيال الظل).

ومن الأشكال المسرحية البدائية والتي عايشها معظم العفرينيين في أعراسهم التقليدية القديمة (القشمار) ما يقابله في مكان آخر (المهرج) الذي كان يتنكر مستخدماً صوف الخراف لباساً، يطلي وجهه بطبقة من رماد النار، يستخدم الخشب في صناعة أسنان مخيفة ممثلاّ دور الشرِّ في حكاية بسيطة. يقوم بخطف العروس طالباً فدية ما، لا يسلم العروس لعريسه إلا حينما يحققون رغباته.

كما كان للـ “قشمار” حكايةٌ أخرى عرفها الأهالي وتناقلها سرداً وطقوساً، في أيام القحط والجفاف كان الأطفال يحومون حوله ليجوبوا بيوت القرية يجمعون الحبوب من الحمص والقمح والعدس فيطبخونها ليقدموها كوليمة في ساحة القرية لعلى الله يستجيب لهم فيمطرهم خيراً.

كما أنّ أعراس عفرين كانت أيضاً شكلاً بدائياً للمسرح حيث أنّه في حلقات الدبكة كانت هناك شكل من التحاور المقفى بين فريقين يطلق عليه (تَكْرمّه- TEKERME) وهو الزجل في العربية.

 

المسرح منذ الثمانيات وحتى التسعينيات:

 

في ظلِّ أجواء أمنية تمنع الثقافة والفن الكردي- ليست في عفرين فقط وإنّما في معظم كردستان المحتلة وبتفاوت من منطقة لأخرى- مع ظهور الحركات الكرديّة (الأحزاب) التي أولت اهتماماً بالجانب الثقافي والفنّي تشكلت فرق مسرحيّة لتلك الحركات، معظم هذه الفرق تأثرت بحركة التحرر الفلسطينية من خلال مجلة الهدف والحرية، تأثروا بالفن الفلسطيني وفنانيهم. كما تأثروا برواد المدرسة الواقعية، وكان لكتابات “موليير” الكاتب والمسرحي الفرنسي تأثير على الفرق فكانت مسرحية البخيل تجذب الفرق المسرحية حينها، الجمهور المسرحي في عفرين كان يعشق الكوميديا فكان لقصص عزيز نيسين مكانة في عروض المسرحيين الذين استلهموا من قصصه نصوص مسرحية تثير الابتسامة والضحك في نفوس الجمهور. كما جذبت ” الرجل الحامل، جمهورية المجانين…) للكاتب (حليم يوسف) الفرق المسرحيّة والذي بدوره لم يبخل في التواصل مع الفرق وتقديم الدعم لهم في تجسيد عروضهم.

كما شكلت نصوص (موسى عنتر) انطلاقة للفرق المسرحية.

تحولت الفرق شيئاً فشيئاً لتأخذ دورها في رفع مستوى الوعي المجتمعي لدي الكورد فتناولت نقاط في المجتمع لنقدها والعمل على تقويمها، عملت على رفع الروح الكردية ومقاومة الانحلال الثقافي والفني والاجتماعي التي تمارسها الدولة السورية، فاستخدمت المسرح أسلوباً لتعليم اللغة الكردية. (1)

من الفرق التي ظهرت في تلك الفترة:

آرمانج (ARMANC)، زوزان (ZOZAN)، آشتي(AŞtÎ)، جين (JÎN)، سرخبون (SERXWEBÛN)، سرهلدان (SERHİLDAN)،

برخدان (BERXWEDAN)، انكيزك (ENGÎZEK).

 

آلية عمل الفرق:

 

في عموم أجزاء كردستان، الدول المستعمرة تحارب وتمنع الثقافة، الفن واللغة الكردية، بل تعتبره جريمة يعاقب عليها القانون، لذا فإن الفرق المسرحية الكردية كانت تعمل في ظلّ قبضة أمنية محكمة معرضون في كلِّ لحظة للاعتقال والغياب في غياهب السجون، كانوا يبتكرون طرقاً في التخفي فكانت بروفاتهم تتم بشكل سري تام، حيث يتوافدون إلى مكان البروفا المحدد (أحد منازل الموثوقين بهم) بشكل متواتر ولحظات متباعدة، فكانت تمر ما يقارب الساعة ليتمكن الفريق من الاجتماع ومن ثمّ البدء بالبروفات، وينبهون على صاحب المنزل بعدم استقبال الضيوف يومها.

إلى جانب القبضة الأمنية كانت معظم الفرق المسرحية تعاني الشح الاقتصادي، إلا انّ الروح الوطنية والتفاني في مقاومة اشكال الانحلال التي تمارسها الدولة كان عاملاً مساعداً في اجتياز هذا الشح للبحث عن البدائل وخلق الابداع من العدم.

مثال على ذلك (اللباس المسرحي) كانت الفرق تعتمد جمع اللباس والاكسسوارات والاحذية وكل ما توفر من العائلات التي تفقد فرداً منها فيحصلون على لباسه وكل ما يخصه.

كما هي حال التنافر الحزبي، وبحكم ارتباط الفرق بمرجعيات حزبية، لم يغب التنافر والتشرذم بين الفرق المسرحية حينها، إلا أنهم حينما يجتمعون في مواجهة الاضطهاد والقمع الممارس من قبل الدولة تجدهم متحدين في جسد واحد وروح واحدة كما هي حالهم في فرق المسرح الجامعي (جامعة حلب) كان الاختلاف الحزبي حينها غائباً عن المشهد في سبيل تحقيق هدفٍ وطني كردي وإيصال رسالة إلى شركاء الوطن.

كما ظهرت في هذه المرحلة فكرة المسرح الجوال، الذي اعتمد على عنصر المفاجأة، حيث كانت الفرق تجوب القرى من دون إعلان أو علم مسبق، وذلك بسبب القبضة الأمنية التي تفرضها الدولة، يحولون أي مكان إلى خشبة مسرح فيتجمع الأهالي حولهم ليختفوا بعد العرض وكأن شيئاً لم يكن، لم تدم الفرق الجوالة طويلاً فتعرضوا للاعتقال من قبل الدولة.

 

المسرح في التسعينات إلى ما قبل الثورة السورية 2011:

 

استمرت الفرق المسرحية في عروضها مقتصرة على الأعياد الوطنية (نوروز، عيد العمال، يوم المرأة العالمي …) والأعراس، وتمّ إطلاق مهرجان المسرح الكردي الأوّل في “روج آفا” والتي أحضنتها عفرين في النبي هوري عام 1994 بمشاركة فرق مسرحية من الجزية وعفرين، استمر المهرجان لدورتين وتوقف. إلى جانب ذلك ظهرت فرق مسرحيّة تعمل في مسارح الدولة محاولة إيجاد بعد الثغرات من خلال دمج الموسيقا الكردية في عروضها المشاركة في المهرجانات الرسمية التي تقيمها الدولة، وقد استطاعت نوعاً ما في خلق وعي مسرحي وجذبت الجمهور وشكلت قاعدة مسرحية لانطلاقة مسرحية مع بزوغ بوادر الثورة في عام 2011.

 

الثورة وإعلان الإدارة الذاتية:

 

مع إعلان الإدارة الذاتية في 2014 وبجهود الفرق المسرحية التي عملت في مسارح الدولة وشاركت في المهرجانات فاكتسبت الخبرة الكافية لتكون اللبنة الأولى نحو مسرحٍ يعتمد الأسس العلمية في عملها فكانت ولادة (ميتان) المهرجان المسرحي الأول برعاية هيئة الثقافة في مقاطعة عفرين، والذي شكل بدوره منطلقاً للمعهد المسرحي في عام 2015، استمر المعهد والمهرجان في عطائهما حيث اطلقت ثلاث دورات من المهرجان وتخرجت دفعتين من المعهد المسرحي، ثمانية طلاب في كل دفعة، إلى أن تعرضت المدينة للغزو من قبل تركيا والفصائل السورية المرتبطة بها، احتلت المدينة ونزح سكانها لتبدا مع النزوح القسري ولادة جديدة للمسرح.

 

الاحتلال ومسرح الخيمة:

 

طلاب المعهد المسرحي وبعد أسابيع من الاحتلال وتحت مخيمات النزوح أرادو أن يرسموا الابتسامة على وجوه الأطفال والشيوخ والنساء اجتمعوا تحت الخيام في عمل مسرحي حمل اسم (خطيئة الحصان) للكاتب المسرحي “أحمد إسماعيل”. دون أن يعلموا بأنهم يخلقون نوعاً جديداً في عالم المسرح لم يألفها العالم بعد، ففقي مثل هذه الحالات تأتي فرق مسرحية تابعة للمنظمات من خارج المخيمات لتقدم عروضاً للنازحين، أمّ أن يقوم النازحون بأنفسهم ببناء مسرح تحت الخيمة فكانت الأولى من نوعها.

رغم أن المسرح الكردي في كل مراحلها يصنف مسرحاً ثورياً يبحث عن الهوية المسلوبة، ثورياً في آلية عمله تحت وطأة الأمن، ثورياً في تمويله الذاتي، ثورياً في مطالبته بأرضه وحقوقه المسلوبة من قبل الدول الغاصبة، إلا أن الاحتلال التركي للمدينة ونزوح أهلها شكل منعطفاً في حياة العفرينيين في معظم مفاصل الحياة الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية والفنية، فغدا المسرح ثورياً مقاوماً وأطلقت النسخة الرابعة من مهرجان ميتان من داخل المخيمات.

لعلّ القادم من الأيام يحمل انعطافات آخر للمسرحي في عفرين الذي يأمل أن يشكل جسراً ثقافياً بين الشعوب في المنطقة وخارجها، لعلّهم يحققون ما عجزت عنها السياسة والحرب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

  • (استخدام المفردات الكردية الاصيلة عن طريق ذكر معاني الكلمات العربية الدخيلة في اللغة الأم من خلال تداول المقابل في اللغة الكردية في حوار الشخصيات)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مخرج وكاتب مسرحي، مواليد عفرين 1982, خريج كلية التربية بجامعة حلب في2010, بدأ العمل المسرحي في عام 1997، من مؤسسي مهرجان ميتان المسرحي والمعهد المسرحي بعد الإعلان عن الإدارة الذاتية في عفرين، عضو لجنة التحكيم في مهرجان يكتا المسرحي – قامشلو لدورة عام 2019. مدير كومين فيلم روج آفا– إقليم عفرين.

 

Hits: 5