شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

عينٌ على المسرح والحياة – رشيد عباس

39

 

إذا كان لا بدّ للمسرح من أن يأخذ دوراً أفضلَ، فلا مجال أمام العاملين في الفن المسرحي إلا التعاون والمشاركة معاً كي تتضافر الجهود في إنتاج نصوص قادرة على استقطاب المشاهدين وتوجيه اهتمامهم إلى المسرح

تمهيد:

تؤكّد الدراسات والأبحاث على أنّ التمثيل موغل في القدم، فطقوس الميلاد والزواج والموت والانبعاث والأعياد ومهرجانات الربيع والخريف كانت أغلبها تُقام على شكل احتفالات تمثيلية، وقد ارتبط التمثيل منذ القدم بالطقوس الدينية في محاكاة الأساطير المعروفة لدى الأقوام والقبائل البدائية. لكنّ التمثيل الذي ارتبط بالمسرح بمفهومه المتطور عُرف عند اليونان منذ الألف الأوّل قبل الميلاد تقريباً.

نظرة سريعة على نشأة المسرح العربي:

لا يخفى على المتتبّع لحركة المسرح في الواقع العربي أنّ هذا الفنّ، بشكله المكتمل، جديد على المجتمع العربي وغريب نسبياً، فقد وفد إلى البلاد العربية مع حملة نابليون على مصر عام (1798م) عندما بدأت بعض الصحف الفرنسية في مصر في تلك الفترة الزمنية تتحدّث عن نوادٍ وملاهٍ للعروض المسرحية؛ كما يجمع الباحثون في هذا المجال على أنّ الكاتب اللبناني مارون النقّاش (1817-1855م) يُعدُّ أول من أدخل الفنّ المسرحي على البلاد العربية فقد سافر إلى إيطاليا فأدهشته المسارح والروايات المسرحية هناك، ولما عاد إلى بيروت ألّف فرقة مسرحية من أصدقائه ودرّبهم على تمثيل رواية “البخيل” لموليير، فلمّا أتقنوها عرض تمثيلها على المشاهدين في منزله عام (1848م)، كما يُعدّ أبو خليل القبّاني (1833-1903م) مؤسس المسرح السوري، إذْ عمل على تأسيس فرقة مسرحية في دمشق قامت بتمثيل بعض المسرحيات مثل (ناكر الجميل)، (هارون الرشيد)؛ ثمّ بدأت الفرق المسرحية تتشكّل في سوريا ولبنان لكنّها لم تجد قبولاً بسبب الأفكار المعارضة لفن التمثيل آنذاك، فانتقلت تلك الفرق إلى مصر التي ترعرع فيها فنُّ المسرح لاحتكاك المجتمع المصري بالثقافة الغربية قبل غيره من المجتمعات في البلاد العربية الأخرى، فقد أسّس يعقوب صنّوع (1839-1912م) أوّل مسرح وطني في مصر فكان من روّاد ومؤسسي فنّ المسرح في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ثم انتشر هذا الفنّ في البلاد العربية واعتُرف به رسميّاً من قبل المؤسسات الرسمية والثقافية فتشكلت الفرق المسرحية وصالات العروض، ولاقى رواجاً على نطاقٍ واسع. وقد بدأ اهتمام الأدباء بهذا الفن بعد انتشاره والإقبال عليه، فأقبلوا عليه من خلال كتابة النصوص بالاقتباس من المسرحيات الغربية أو ترجمتها أو التأليف من عندهم، فكان للشاعر خليل مطران (1872-1949م) دور مهم في هذا المجال فقد ترجم عدة مسرحيات لشكسبير، منها على سبيل المثال: (ماكبث)، (هاملت)، (عطيل)، (تاجر البندقية)، ويُعدّ الشاعر أحمد شوقي من أوائل الشعراء الذين وظّفوا الشعر في التمثيل، فقد كتب مسرحيات شعرية عديدة منها: مصرع كليوباترا (1929م)، مجنون ليلى (1931م)، عنترة وعبلة (1932م)، وكان شوقي يهدف من خلال هذه المسرحيات إلى تنمية الشعور الوطني والقومي لدى المجتمع المصري بشكلٍ خاص والمجتمع العربي بشكلٍ عام، كما كان لتوفيق الحكيم (1898-1987م) بصمة خاصة على المسرح في بدايات التوجّه إلى التأليف المسرحي، فكتب مسرحيات عديدة منها: (أهل الكهف)، (عودة الروح)، (يوميات نائب في الأرياف)، (شهرزاد). لكنْ رغم ذلك لم يأخذ هذا الفنّ دوره في المجتمع بشكلٍ مطلوب كغيره من الفنون فانحسر دوره في النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك لأسبابٍ عديدة منها أنّ الفنّ المسرحي يتطلّب تقنيات عديدة ومستلزمات ضرورية ولم يتوفر ذلك لهذا الفن، كما لا يتم انتعاشه إلا في جوٍّ مستقر وفي مناخ يؤمّن حرية التعبير ويساعد على الإبداع، وفي مجتمعٍ يمتلك وعياً كافياً للإقبال عليه وتقبّله والسعي إلى تطويره، وإلى الآن يعاني هذا الفنّ من نقصٍ في المستلزمات الضرورية والتي من أهمها نقص النصوص المسرحية، وندرة أماكن العرض القريبة من التجمّعات السكنية، ونقصٍ في عدد المخرجين والممثلين وشركات الإنتاج التي تدعم هذا الفنّ وتروّج له، رغم أنّ هذا الفنّ أسرع الفنون استقطابا وجذباً للناس من مختلف الفئات العمرية لقربه من الذوق العام للناس كونه يشتمل على مجموعة من أساليب التعبير من تمثيل ورقص وموسيقى وغناء وشعر وحوار.

العلاقة بين المسرح والنص المسرحي:

لا شكّ أنّ المقصود بالمسرح هو كلّ ما يتعلّق بهذا الفنّ من عناصر، فالمسرح أساساً هو المكان الذي يتم فيه عرض المسرحية، غير أنّ المقصود بالمسرح هو المكان والنص المسرحي وخشبة المسرح والجمهور الذي يشاهد العرض المسرحي، أضف إلى ذلك كلّ ما يتعلق بالإخراج والممثلين والإضاءة وغرفة الملابس والإدارة والإنتاج؛ إذ إنّ هناك فرقاً بين المسرح بعناصره الكاملة وبين المسرحية كونها إحدى العناصر المكوّنة للمسرح، وأعتقد بأنّ النص المسرحيّ لا يكون منتمياً إلى المسرح إلا حين يحقّق شرط إمكانية تمثيله على خشبة المسرح، فالكاتب الذي يكتب نصّاً مسرحيّاً ولا يضع ضمن اهتمامه إمكانية تمثيل نصّه على خشبة المسرح يكتب نصّاً أدبياً بأسلوبٍ حواريّ وبالتالي يبقى نصه ضمن الفنون الأدبية القابلة للقراءة والاستماع لا أكثر؛ لذا فالكاتب المسرحي والمخرج والممثّلون كلّ منهم يكمل الآخر، مع العلم بأنّ في بعض الحالات يكون الكاتب هو المخرج وأحد الممثّلين أيضاً، وينبغي التأكيد على أنّ عملية الفنّ المسرحي لا تكتمل إلا مع الجمهور بكونه جزءاً مهماً من التكوين المسرحيّ، فالمسرح أساساً هو عمل جماعي ينجح بالتعاون والمشاركة الجماعية ويؤكد الكاتب إدوار الخرّاط هذا الأمر بقوله(1): (والمسرح على وجهٍ أخصّ، ليس طريقاً فرديّاً للخلاص، وصيغته الجماعية أبرز مميزاته، فهو باحة للتلاقي وميدان للمشاركة، وعملية جمعية للتآلف، وتحطيم للانفصالية والوحدة) .
وقد تطوّر المسرح على مدى العصور الماضية وإلى يومنا هذا، ولم يعد المسرح كما كان في القديم يتكوّن من مكانٍ للعرض فيه قسم مخصص للتمثيل يدعى خشبة المسرح وقسم مخصص للمشاهدين (الجمهور) وفي جانبٍ آخر يوجد مكان للإدارة ومكان لتغيير الملابس أو أيضاً مكان لقطع تذاكر الدخول إذا كان المكان مغلقاً ويتطلب الدخول بتذكرة.
لقد أصبح المسرح مع التطوّر العلمي والتقدّم التكنولوجي يأخذ أبعاداً مختلفة عمّا كان معروفاً في السابق، فاختُرع التلفاز والسينما وآلات التسجيل والتصوير، فصار الممثّل بإمكانه مشاهدة دوره في المسرحية بعد العرض المسرحي وهذ الأمر لم يكن متاحاً قبل التسجيل والتصوير، كما أنّ في بعض الأحيان يتم تصوير المسرحية بمعزل عن المشاهدين ثم يأتي دور العرض على شاشة التلفاز والسينما (وفي هذه الأيام في شاشتَي الحاسوب والهاتف النقّال)، أو في بعض الأحيان يتم عرض العمل المسرحي في تسجيل صوتيّ دون عرض الصور، مع العلم بأنّ لهذه التقنيات الحديثة دور سلبي أيضاً أدّى إلى انحسار دور المسرح بسبب التوجّه إلى الأفلام والمسلسلات الدرامية والتي في الغالب لها هدف تجاري يَطغَى على الهدف الفكري والمتعة الجمالية.

المسرح داخل المسرح:

تطوّر المسرح عبر العصور وقد تغيّرت النظرة إلى المسرح وأصبح الكتّاب يبحثون عن أساليب جديدة لجذب انتباه الجمهور بشكلٍ أفضل، فقد ابتكر الكتاب بنية جديدة تتعلق بالنص المسرحي وكيفية تمثيله على خشبة المسرح، وهذه البنية تسمى (التضمين المسرحي) أو (المسرح داخل المسرح) والمقصود بهذه البنية هو وجود نص مسرحي آخر ضمن النص المسرحي؛ فالجمهور في هذه الحالة أمام نصين في نصٍّ واحدٍ وقد يرتبطان ببعضهما أو لا يرتبطان، إذ تتلخص الفكرة بأن يقوم الممثلون بتمثيل مسرحية أخرى أمام الجمهور من خلال الانتقال من الموضوع الأول إلى الموضوع الثاني، طبعاً هناك أكثر من طريقة لعرض مثل هذه المسرحية، فإمّا أن يأتي ممثلون آخرون إلى الخشبة من خلف الستار أو أن يكون الممثلون موجودين على الخشبة ويتم الحوار بطريقة تؤدي إلى الانتقال الديناميكي من الموضوع الأول إلى الموضوع الثاني من خلال مجرى الحديث، أو بشكلٍ آخر يتم فيه تقسيم خشبة المسرح أو صالة العرض المسرحي إلى قسمين، قسم منها مخصّص للجمهور وقسم آخر مخصّص للممثّلين الذين سيمثّلون المسرحية الثانية، إذ يتوهّم الجمهور بأنّ القسم المخصّص للممثلين هو جزء غير منفصل عن الصالة التي يجلس فيها الجمهور، وهنا يتمحور الحوار بين الممثلين الموجودين على خشبة المسرح والممثلين الموجودين في قسم من الصالة وقد يتشعّب الحوار فيدور بين الممثلين على خشبة المسرح من جهة، ومن جهة أخرى بين الممثلين في الصالة أو في القسم الآخر من خشبة المسرح، عند ذلك يعتقد المشاهدون بأنّ الحوار مفتوح بين الممثلين والجمهور ويصبح المسرح كأنّه جلسة واقعية في مقهى أو منزل أو صالة واسعة، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الجمهور في هذه الحالة حتى إذا كان على علم بهذه الطريقة في العرض المسرحي لكنّه لا يدرك تماماً مَن هو الممثل ومَن يكون المشاهد العادي، فالجمهور أمام أحداث مختلفة في الزمان والمكان يتم تمثيلها على خشبة المسرح، وهكذا تختلط الأمور في ذهن المشاهدين جرّاء التداخل بين الماضي والحاضر أو الانتقال بين المشاهد المتنوعة. لقد استخدم الكاتب والشاعر الإنكليزي وليم شكسبير (1616-1564م) هذا الأسلوب في مسرحية (هاملت)(2)، فقد كتب تمثيلية أخرى ضمن المسرحية حين جعل هاملت يطلب من الفرقة المسرحية تمثيل مسرحية (الفخ) والتي موضوعها يحاكي قصة الأمير هاملت، وهي قصة مقتل الملك والد هاملت على يد عمّه الذي تآمر مع والدته الملكة على قتل الملك واستولى على العرش بعد الزواج من الملكة، لقد تنبّه شكسبير في هذه المسرحية إلى الدور الذي تلعبه المسرحية في التأثير على المشاهدين وكيفية انعكاس هذا التأثير على وجوههم من خلال ملاحظة الانفعالات الناجمة عن هذا التأثير، كما حاول شرح فكرة التفكير بالانتقام عند البشر من خلال شخصية هاملت، فقد جعل شكسبير بطلَ المسرحية (الأمير هاملت) يعيش في صراع مستمر مع ذاته نتيجة التفكير بالانتقام لوالده من عمّه الذي أصبح ملكاً ومن والدته الملكة، فكان مثار هذا الصراع هو طيف والده الذي يزوره ويدعوه إلى الانتقام، والشكوك التي تراوده حول صحة الجريمة التي اشترك بها عمّه مع والدته، كذلك التفكير بالجريمة التي سوف يقبل عليها بقتل والدته وعمّه (وبعد أن يحثّه الطيف على الانتقام، ويغضب غضبته الجنونية، ويصمم على أخذ الثأر، يختلط على هاملت أمران اثنان: إحساسه بضرورة الانتقام من عمّه الفاسق السكير، وإحساسه بانقلاب كل ما في الحياة إلى شرّ ومن سويّ إلى شاذ. والإحساس الثاني قوي جارف فيه، يغالب الإحساس الأول، لأنّه ضرب من اليأس يحدو به إلى الاعتقاد بعبث الحياة، وعبث كل ما اعتاد الناس فعله والتمسّك به. ومأساة هاملت هي الصراع بين هذين الإحساسين: الصراع بين الخارج والداخل، بين الضرورة الاجتماعية والذات التي جعلت تحتقر المتواضَع الاجتماعي. ولذا فإن محاولته تحديد العبث تطغى على محاولته الانتقام، وتشغله الأولى عن الثانية)(3). ويُعدّ الكاتب الإيطالي لويجي بيراديللو (1867-1936م) الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام (1934م) من أهم الكتّاب المسرحيين في العصر الحديث، ومسرحيته الشهيرة (ست شخصيات تبحث عن مؤلّف) قد أحدثت ضجّة إعلامية وأثارت رؤى نقدية جديدة حول المسرح والمسرح داخل المسرح إذ تجلّى فيها إبداع أسلوب المسرح داخل المسرح بشكل متفرّد. كما يُعدّ الكاتب المسرحي الألماني برتولد بريخت (1898-1956م) من روّاد المسرح العالمي الحديث الذين ساهموا في إبداع أسلوب المسرح داخل المسرح فقد جعل المشاهد أهم عناصر تكوين العمل المسرحي إذ ينبغي أن تثير المسرحية لديه مزيداً من التأمل في الحياة والتفكير في الواقع حتى يستطيع اتخاذ موقف من القضية التي يتناولها العمل المسرحي، لذلك دعا إلى استخدام التغريب في المسرحية واستخدام مشاهد متفرقة، كما دعا إلى هدم الجدار الرابع في المسرح والمقصود بهذا الجدار هو الحاجز الوهمي أو المفترض بين المسرح والجمهور، ومن أعمال هذا الكاتب المسرحي: (حياة إدوارد الثاني ملك إنكلترا) و(رجل برجل، أو الرجل هو الرجل) و(الاستثناء والقاعدة) و(حياة غاليليو) و(طبول في الليل)، وفي الأدب المسرحي العربي محاولات عديدة في استخدام (المسرح داخل المسرح)، لكن برز هذا الأسلوب بشكل واضح عند الكاتب السوري سعدالله ونّوس (1941-1997م) فقد استخدم أسلوب (المسرح داخل المسرح) في أكثر من نصٍّ مسرحيّ ففي مسرحية (حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران)(4) والتي كتبها في عام (1968م) يحاول الكاتب إشراك الجمهور في المسرحية من خلال طرح الأفكار والآراء ومناقشتها بين الجمهور والممثّلين في محاولة من الكاتب لتوجيه الضوء نحو الرؤية الشعبية إزاء الواقع العربي ومعرفة الأسباب التي أدّت إلى نكسة حزيران عام (1967م)، حيث ينتقد الكاتب في هذه المسرحية السياسة الخاطئة للحكومات العربية في تلك الفترة، فيعزو سبب الهزيمة إلى تلك السياسة التي تتذمّر منها الجماهير. أمّا في مسرحيته (مغامرة رأس المملوك جابر)(5) والتي كتبها في عام (1971م) يعتمد الكاتب سعدالله ونّوس على التاريخ في إسقاط الماضي على الحاضر بالاعتماد على شخصية الحكواتي (العم مؤنس) في المقهى وسرد قصة من الماضي بطلب من أحد الحضور بعد جدال مع بعض الحضور واختيار قصة (المملوك جابر) التي تتحدّث عن الخلاف الموجود بين الخليفة العباسي شعبان المقتدر بالله، ووزيره محمد العلقمي واستفحال ذلك الخلاف إلى أن يتحيّن كل واحد منهما الفرصة المناسبة للإطاحة بالآخر، إلى أن تصل الأمور إلى حدّ يتآمر الوزير مع ملك العجم للإطاحة بالخليفة، فيبحث الوزير عن شخص يوصل رسالة إلى ملك العجم يطلب فيها العون فيتبرع مملوكه جابر بإيصال الرسالة إلى ملك العجم مقابل مكافئة مادية والزواج من محبوبته الجارية زمرد؛ لكن في هذه المسرحية لا يترك الكاتب المجال للحكواتي لسرد القصة بشكل سرد تفصيلي، بل يعتمد على التداخل في الزمان والمكان بجعل الحكواتي متفرجاً وهو يشاهد القصة بطريقة تمثيلية من خلال ممثّلين آخرين (الحكواتي: هكذا حال الناس في بغداد في سالف العصر والأوان حين كان الخليفة شعبان المقتدر بالله ووزيره محمد العلقمي على وفاق وكذلك كان حالهم حين بدأ بينهم الخلاف والشقاق وفي البداية كان الخلاف سراً، ثم انفجر، وبدأ يشيع في ردهات القصور، وينتقل منها إلى المدينة وأسماع الناس، وكان عند الوزير محمد العلقمي مملوك يقال له جابر، ولد ذكي ذكاؤه وقاد، أينما حل يحل معه اللهو والمجون، وكان كأهل بغداد آخر من يعنيه الخليفة وسيده الوزير. (يدخل ممثلان يحملان قطع ديكور بسيطة جدا، تمثل ما يشبه رواقا في قصر بغداد، ويمكن هنا وفي كل المشاهد التالية الاستعاضة عن قطع الديكور بلوحات مرسومة، بعد تركيب المشهد يلتقي الممثلان في المقدمة، الأول يمثل المملوك جابر، شاب تجاوز الخامسة والعشرين من عمره، معتدل القامة، شديد الحيوية، يمتاز بملامح دقيقة وذكية وفي عينيه يتراءى بريق نفاذ يوحي بالفطنة والذكاء، أما الثاني فهو المملوك منصور في حوالي الخامسة والثلاثين من عمره أو أكثر قليلاً، قامة قصيرة وبنية قوية، ملامح تشف عن وداعة وطيبة))(6). وقد اعتمد سعدالله ونّوس هذا الأسلوب لإثارة الانتباه وجذب الفاعلية لدى المشاهد لكشف الخفايا والأسرار وفضح الأساليب التي تجري وراء الكواليس للوصول إلى السلطة. لا شك في أنّ الأمثلة كثيرة على هذا الأسلوب في المسرح وغاية المسرحية التي تعتمد على التضمين المسرحي هي التأثير بشكلٍ أكثر في المشاهدين والتأكيد على أنّ الحياة بشكلٍ عام هي مسرحية يؤدي الناس فيها أدوارهم أو أنّها حلم لا نكاد نصحو منه، لذلك يسعى المسرح إلى تغيير مواقفهم من قضايا متعدّدة ويوجّه اهتمامهم إلى أمور يُهملونها أو لهم نظرة سلبية تجاهها أو لهم موقف مسبق وخاطئ نحوها، فلا بدّ من تحويل المسارات الخاطئة وتصحيحها وفق المسار الذي يراه الكاتب أو المخرج ويرغب في إيجاد الحلول المناسبة وسيرها في المسار المطلوب.
ويبقى (المسرح داخل المسرح) رهن تخيّل الكاتب من خلال تصويره المسرحية على أنّها محاكاة الواقع للتأكيد على أنّ الحياة مسرح للأحداث أو أنّها مجرد حلم، لأنّنا لا نرى الحياة أو النص المسرحي بعيداً عن تفكير الكاتب، ففي هذه الحالة لا نرى الحياة أو المسرح إلا من خلال منظور الكاتب الفكري وقدرته الإبداعية، فلا يمكننا الغوص في عمق الواقع الحقيقي ولا نستطيع رؤية الحياة بشكل صحيح في العمل المسرحي فالكاتب، فضلاً عن أنّه يمثّل طبقة معينة بأفكارها وأهدافها ومواقفها، يأتي نصه مغلقاً مهما كان النص يظهر على أنّه مفتوح يحيل المتلقي إلى الاستفهامات والاحتمالات لأنّ هذه الاستفهامات والاحتمالات المفتوحة تأتي ضمن تخيل مفاهيم الكاتب المسرحي وفي حالات أفضل ضمن مفاهيم الناقد والباحث في المجال المسرحي على فرض تكرار المشاهدة وتعدّد القراءات.
أعتقد بأنّ المهمة الموكلة على الكاتب المسرحي والمخرج المسرحي هي العمل على تجديد فكرة (المسرح داخل المسرح) بأسلوب آخر لكسر النمطية السائدة وتغيير الروتين المعروف، فالمهمة مزدوجة كونها مترتبة على النص المسرحي من جهة وعلى العملية الإخراجية من جهة أخرى. إذ ينبغي ترك المجال مفتوحاً في النص بغية إعطاء هامش من الحرية للمخرج للتصرف خارج حدود النص على أن يسمح هذا الهامش بالانتقال من التمثيل المسرحي إلى التمثيل الحقيقي حين يأتي دور المخرج في العمل على إشراك عدد من الشخصيات التي لا علاقة لها بالتمثيل أي من الوسط الاجتماعي من المشاهدين حيث يتم مشاركة هؤلاء لا كممثلين بل كمشاركين بصفاتهم الشخصية الحقيقية مما يؤدي إلى إغناء المسرحية بالأفكار والآراء والمقترحات المطروحة من قبلهم وفي هذه الحالة سوف يتوجّه المسرح إلى الحياة من الباب الواسع في معالجة القضايا التي يعالجها المسرح وبالتالي فنحن في إطار تضمين حقيقي لفكرة المسرح داخل المسرح أي أننا ننتقل من فكرة (المسرح داخل المسرح) إلى صيغة جديدة يمكن أن تسمّى (المسرح داخل المجتمع) أو(مسرح الحياة الحقيقية)، وليكن هذا الأسلوب شكلاً من أشكال التجريب في المسرح وفضلا عن أنّ المسرح بطبيعة الحال يؤدي وظيفة فكرية ووظيفة جمالية ستكون له أيضاً وظيفة إعلامية في تعرية الجوانب السلبية في المجتمع والحياة، ولا ينجح هذا الأسلوب إلا في جوٍّ من الشفافية العالية وضمن التوجهات الداعية لحرية التعبير والتحرّر الفكري، مع التأكيد على أنّ هذا الأسلوب في غير هذا الجوّ وخارج هذه التوجهات سيجعل المسرح يقع في مأزق الفوضى والعبثية غير المدروسة.

الخاتمة:

في ظلّ التطور العلمي والثورة الرقمية التي تجعل أخبار العالم وكل ما يحدث فيه لحظة بلحظة في متناول الأيدي إذا كان لا بدّ للمسرح من أن يأخذ دوراً أفضلَ، فلا مجال أمام العاملين في الفن المسرحي إلا التعاون والمشاركة معاً كي تتضافر الجهود في إنتاج نصوص قادرة على استقطاب المشاهدين وتوجيه اهتمامهم إلى المسرح. إنّ التوجّه إلى الحياة ومشاكلها ومتاعبها بالابتعاد عن الشعارات البرّاقة والإيديولوجية ذات التفكير الضيّق، يمكن أن يؤثّر بشكل إيجابي في النهوض بالفنّ المسرحي إلى المستوى المأمول؛ ففي ظلّ الظروف المعيشية الصعبة وسعي الشركات الاقتصادية العالمية إلى تحويل الحياة إلى مجرد إنتاج واستهلاك من خلال تجريدها من القيم الروحية الجميلة، ينبغي العزف على الوتر الاجتماعي والتقرّب من الذوق الشعبي العام في العمل المسرحي ليرقى هذا الفنّ إلى مستوى فنّي يتوافق فيه الوعي الفكري مع الوعي الجمالي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
1- الخرّاط، إدوار، فجر المسرح دراسات في نشأة المسرح، دار البستاني للنشر والتوزيع، تاريخ النشر 2003، ص: 3
2- شكسبير، وليم، مأساة هاملت أمير الدانمارك، ترجمة وتقديم: جبرا ابراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الخامسة 1979م.
3- المصدر السابق، ص: 11
4- ونّوس، سعدالله، حفلة سمر من أجل “5” حزيران، جمعية المسرح العربي الفلسطيني، تاريخ النشر غير موجود.
5- ونّوس، سعدالله، الفيل يا ملك الزمان ومغامرة رأس المملوك جابر، مسرحيتان، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1971م.
6- المصدر السابق، ص: 54

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب وشاعر مقيم في منبج، مواليد ريف كوباني في بداية السبعينات من القرن الماضي، حاصل على إجازة في الآداب/ اللغة العربية من جامعة حمص، ودبلوم الـتأهيل التربويّ من جامعة حلب، يعمل مدرساً للغة العربية، يكتب باللغتين العربية والكردية. شارك في كثيرٍ من المهرجانات الأدبية واللقاءات الشعرية، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية.

 

Hits: 9