شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

فن الإيماء والتمثيل الصامت في المسرح (المايم والبانتومايم)-شيرين عبدالعزيز

37

 

لغة البانتومايم إذاً هي لغة الجسد بالدرجة الأولى، ومدى قدرة الممثل من خلال الحركات الإيمائية للوجه وحركات الأيدي والأرجل أن يعبر عن حالة معينة أو يحكي قصة عن طريق المهارات الحركية لديه

 

يُعتبر الإنسان ومنذ ظهوره على سطح الأرض من الكائنات المقِّلدة، فهو يقلّد كل ما حوله من كائنات أخرى، سواء بالحركة أو بالصوت، بل إنه يقلّد حتى ظواهر الطبيعة في إصدارها الأصوات، كأصوات الشلالات، وأمواج البحر، وحفيف الأشجار، وخرير المياه وغيرها. تقول إحدى نظريات تكوّن اللغة إن لغة الإيماء سبقت الكلام، ويستشهد أصحاب هذه النظرية بأنّ كثيراً من القبائل البدائية كانت تستخدم لغة الإيماء، حيث كانوا يستخدمون لغة الإشارة، ويقومون برقصات ذات حركات معبّرة عن الحرب أو الابتهاج بوفرة الصيد أو الاحتفال بالزواج أو المواليد الجديدة وغيرها من المشاهد الراقصة والحركات والإيماءات التي كانت كلها تجسِّد الحياة الروحية لتلك الشعوب القديمة، وبما أن المسرح هو أكثر الفنون قرباً للطبيعة لكونه مبنيّ على خاصية المحاكاة (mimesis) وهي “مفهوم عام أطلقه المفكرون اليونان وناقشوه وحاكموه على أساس أنه يشكل جوهر علاقة العمل الفني والأدبي بالواقع.”(1)  والتي يمكن أن نسميها خاصية التقليد (الإيماء)، مما يجعل منّا جميعاً ممثلين منذ الطفولة، ومن المعتقد أنّ المسرحية الأولى لم تكن نصاً مسرحياً، بل نشاطاً جاداً قُدِّم من قبل أناس عبّروا عن عواطف الإنسان وغرائزه.

وبالتالي يعود هذا الفن بجذوره الأولى إلى طقوس الرقص والاحتفالات لدى الشعوب القديمة، سواء في بلاد الرافدين أو بلاد الشام ومصر أو اليونان والهند والصين أو غيرها، وأن هذه الرقصات والاحتفالات كانت دينية المنشأ في أول أمرها، ثم أصبحت شعبية ومزدهرة لدى عامة الناس، وتلعب دوراً هاماً في حياتهم، وفي المناسبات والاحتفالات الشعبية، حيث أن الرقص فن مفهوم من قبل جميع الأفراد، دون النظر إلى مستواهم الثقافي أو التعليمي أو الانتماء الطبقي.

وما يزال الإنسان، حتى الآن، يستخدم الإيماء أو الحركات الإيمائية، في كل نشاطاته اليومية وبشكل لا إرادي وغير مقصود حيث تقوده الغريزة إلى ذلك، فهو يستخدم دائماً حركات يديه وتعبيرات وجهه أثناء الحديث ليزيد من قوة الإقناع لدى السامع وليوحي إليه بصدقه وجديته، بل ويعمد إلى التمثيل زيادة في الإيضاح والإفهام، خاصة في الحالات التي تعجز فيها لغة الكلام عن توصيل معنىً معين أو مفردة غير متداولة، أو عند العجز عن إتقان لغة معينة أمام المتحدّثين بها. عندئذٍ تبرز لنا لغة جديدة ذات مساحة واسعة جداً تصل إلى حدّ توحيد لغات العالم كما هي الموسيقى واللوحة التشكيلية، فالفنون وليدة طموحات الناس لينقلوا بصورة إبداعية ما يحيط بهم من أشياء وظواهر، فما هو فن الإيماء (المايم/البانتومايم)؟

تقابل كلمة إيماء في اللغة العربية كلمتين مستعملتين في اللغات الأجنبية هما mime و pantomime وورد تعريف مصطلح “مايم” في قاموس المورد على أنه: “الممثل، والمهرج، وأيضاً مسرحية قديمة تمثّل مشاهد من الحياة بأسلوب ساخر مضحك، وهو فن التمثيل بحركات جسدية، وكذلك تعني يقلد، يحاكي، يسخر”.(2)

أما تعريف الإيماء كما ورد في المعجم المسرحي فهو “فن التمثيل الصامت، وتستخدم هذه التسمية للدلالة على شكل أداء يستند إلى التعبير بالحركة والإيماءة ووضعية الجسد وتعابير الوجه بعيداً عن الكلام، وأيضا للدلالة على نوع معين من العروض يستند إلى هذا الشكل من الأداء (…) وكلمة mime مأخوذة من اليونانية mimos التي تعني المحاكاة بشكل عام، أما كلمة بانتومايم المأخوذة أيضاً من اللغة اليونانية فهي الممثل الذي يحاكي كل شيء” (3)

وجاء تعريف المايم والبانتومايم في الموسوعة المسرحية كما يلي: mime” يعني المصطلح حرفياً (التمثيل) وأصله من اللغة الإغريقية”(4) بينما pantomime” هو المعنى الحديث الرئيس للمصطلح عندما لا يستعمل استعمالاً متبادلاً مع مصطلح المايم، وهو التسلية الغريبة جداً واللاعقلانية في عيد الميلاد، يستند عن بعد إلى حكايات الجنّ التي تضاف إليها الأغاني الشعبية الرائجة، والملهاة ذات العلاقة بالأحداث الجارية وأساليب مشاركة النظارة”.(5)

ويرى توماس ليبهارت في كتابه “فن المايم والبانتومايم” أن البانتومايم تمثيل صامت، بينما يصاحب مؤدي المايم ممثل آخر يتكلم بالنيابة عنه”. (6)

وهكذا يمكن تعريف التمثيل الإيمائي الصامت بأنه: التمثيل بلا كلام، لمحاكاة وتصوير شخصية أو حالة معينة باستخدام الإيماءات وتعبيرات الوجه وحركات الجسد، ويعتمد اعتماداً كلياً على مهارات الممثل في تغيير ملامح وجهه وإيماءاته والتحكم في حركات جسده، ومدى قدرته على إيصال ما يعبّر عنه إلى المتلقّي.

نشأة وتاريخ فن المايم والبانتومايم:

بدأ المايم مع تعلم الإنسان القديم الصيد، إذ كان يشرح لزملائه كيفية اصطياد فريسته عن طريق حركات جسده المبالغ بها، فكانت بذرة الدراما الأولى.

وقد مارس الإغريق القدماء هذا الفن إذ “كان الممثلون يقدمون مقدمة للعرض التراجيدي بالتمثيل الصامت وكان الأساس فيها يسمى (أثولوج)، وتعد رقصات (الساتير) الطقوسية، التي وجدت في بلاد اليونان، البذرة الأولى لفن التمثيل الصامت، لاعتمادها على الحركات والإشارات والتشكيلات التعبيرية، التي عن طريقها تقدَّم فرائض الطاعة والحبّ والقداسة لتمثال الإله (ديونيسوس) الذي يوضع عادة في مقدمة المسرح، من جهة، ولارتداء الراقصين جلود الماعز أو الأقنعة، التي تجعل أنصاف أجسادهم شبيهة بالآلهة من جهة أخرى، ولم يتطور الرقص (الساتيري) تطوراً ملحوظاً وملموساً باتجاه البانتومايم، وذلك لارتباط سمعته بالعبيد، ولأن الفلاسفة والشعراء لا يسمحون لأنفسهم بالنزول إلى مستوى أولئك الأرقّاء ولم يكلفوا أنفسهم مشقة الكتابة عن أي شيء يخص هذه الفئة الاجتماعية المتدنية في الوقت الذي كتبوا فيه عن تطور العروض الساتيرية والمآسي (التراجيديات) على يد عمالقة المسرح اليوناني (ثيسبيس ويوريبيدس وأسخيلوس وسوفوكليس). وقد كانت العروض الساتيرية تتمثل في عنصرين: الأول الإشارات والحركات، والثاني التأثير والانفعال. (7)

أما في العصر الروماني كان (بيلاوس) من الممثلين المشهورين آنذاك، وقد اشتهر بتقديم عروض التمثيل الصامت، والذي تنوّعت أساليبه في طرح الموضوعات إذ” كان يتراوح بين المسرحيات القصيرة، والرقصات، ومحاكات تقليدية للحيوانات، والشعوذة والألعاب السحرية” (8) وعلى الرغم من تراجع المسرح بشكل عام في العصور الوسطى فإن وجود أشكال مختلفة شبه مسرحية من التسلية الشعبية، قد حافظت على وجودها بالرغم من إدانة الكنيسة للنشاط المسرحي. فقد كان الإيمائي الجوال بألاعيبه وتهريجاته، هو الذي ساهم بشكل كبير في حفظ تراث التمثيل الحرفي في عصر خلا من المسارح والمسرحيات.

أما في عصر النهضة، فقد أخذ هذا الفن شكلاً مميزاً، وخاصة في إيطاليا وإنكلترا، حيث كان للفرق الكوميدية في إيطاليا، وخاصة كوميديا (ديلارتي)، دوراً بارزاً في عرض المايم، أما في إنكلترا، فقد شهدت تأثراً بالمايم الإيطالي، وكذلك في فرنسا “الذي طوره فيها أحد الممثلين، ويدعى (جان غاسبار ديبورو) إذ تحوّل التمثيل الصامت حينها من التهريج إلى الدراما”.(9)

لكن كل هذا التطور، لم يأخذ شكله الدرامي الخاص به “إلا على يد (ديكرو)، الذي درس في باريس، وكان مهتماً بالحركة الدراماتيكية في التمثيل الصامت”(10) وبعدها ظهر (مارسيل مارسو) الذي طور فن البانتومايم، فظهرت مدارس عديدة خاصة بهذا الفن، منها الشرقية، والفرنسية، والإيطالية، وأصبح البانتومايم لغة عالمية، استخدمها كبار فناني المسرح، أمثال مايرخولد، وغوردن غريك، وأدولف آبيا، وجان كوبو.. وغيرهم.

البانتومايم في العصر الحديث:

إن أهم تطوّر حدث في المفهوم الفكري لفن البانتومايم هو ما جرى في القرن العشرين، حيث توفرت للفنان مواد جديدة جعلته أكثر تفاعلاً وإبداعاً وتحليلاً ودراسة، وبالتالي أغنت تجربته وأثْرت إبداعه في تجسيد الشخصية التي يمثلها. وقد مر فن البانتومايم خلال تطوره التاريخي، كما ذكرنا سابقاً، بثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي مرحلة التقليد، والمرحلة الثانية هي مرحلة التعميم، والمرحلة الثالثة هي المرحلة المنهجية التي لها مدارسها ومذاهبها، وفي الحقيقة إن هذا التقسيم التاريخي إلى مراحل إنما هو إجراء شرطي لا يمكن أن يحدث خارج إطار القواعد العامة التي يخضع لها كل فن، وسيساعد هذا التقسيم على فهم فن البانتومايم ليس كفن جامد (مقولب) وصل إلينا عبر القرون، بل كفن نستطيع أن ندرك حركته الداخلية من خلال تطوره، ومن خلال الإضافات الجديدة التي طرأت على المفاهيم القديمة في الشكل والمضمون(11). ومنذ أن تأسست أكبر مدارس التمثيل الصامت البانتومايم، في بداية القرن العشرين، في بولندا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، استطاع مبدعون كبار مثل (بارو) و(مارسو) أن يطوروا هذا الفن، وأن يضعوا له القواعد والأصول، واستطاع (مارسو) بحق أن ينزل الكلمة المنطوقة عن عرشها المسرحي ليأخذ الصمت – تلك القوة الآسرة – مكانها ولتلتحم عناصر الصمت والحركة بخيال المتفرج في دائرة مُحكمة، فقد ابتعد (مارسو) بالتمثيل الصامت عن التهريج والبهلوانيات والألاعيب المرتجلة، وجعله فناً قائماً بذاته بالرغم من أنه لم يستطع التخلص من استعراض مهارته التقليدية. لقد ظلت عروض البانتومايم منفردة، لوقت طويل، يؤديها ممثل واحد يقوم بكل الاستعراضات الإيمائية بزمن قصير نسبياً، نظراً للجهد الكبير المضني الذي يبذله الممثل، وبعد تطور الفن الصامت فنياً وفكرياً ازداد عدد الممثلين زيادة غير محدودة إلا بمقتضيات العمل المعروض على الخشبة. وما ميّز الفنانين الأوائل الكبار هو أنهم كانوا ينظرون إلى فن التمثيل الصامت على أنه “فعل” قبل كل شيء، فعل يدور في لحظة ما، وهذا الفعل ينبغي على الفنان أن يوضحه بقدرته ومواهبه التمثيلية، وقد أدّت هذه النظرة والالتزام بها إلى تأخر الممثلين الروّاد عن القيام بتجارب جديدة على صعيد الشكل والمحتوى لتدعيم المعنى أو المعاني التي كانت قيد الاستهلاك، وظل تمثيلهم أسير الخشبة فقط، ولم يُجنّس أدبياً.(12)

وأصبحت الشخصية هي من أهم خصائص فن البانتومايم، والتي تتجسد عن طريق الرمزية الشرطية، فممثلوها يقومون بأدوارهم دون أن ينطقوا بكلمة واحدة، ولا لغة لهم إلا بالإشارات والحركات ورشاقة الجسد وليونته. ويكون كل شيء على خشبة المسرح شرطيّ عدا الممثلين الحقيقيين، وعلى الرغم من ذلك فإن المشاهدين ينجذبون لتلك الحركات الصامتة، ويتابعون أفعال الشخصيات باهتمام شديد، ويشعرون بسعادة خاصة، وذلك بفضل الحركات الدقيقة للحياة المتخيلة، والتي يحولها المشاهد إلى واقع ملموس بمشاركته وتفاعله مع العرض.. هذا وإن أهمية فن البانتومايم تكمن في المواقف التي تتطور في ظروف شرطية، واستخدام وسائل تعبيرية شرطية، وهكذا يستطيع أن يخترق الزمان والمكان بحرية دون حدود، “وهذه الخاصة لفن البانتومايم إنما تؤكد ثقته الكبرى بالخيال الإبداعي لجمهور المشاهدين، إذ ثمة تفاهم مسبق بين خشبة المسرح وحالة المتفرجين حول قوانين وشروط اللعبة في هذا النوع من فن التمثيل الإيمائي، فهناك عملية إبداعية مشتركة تتم بين الطرفين، وهذه العملية الإبداعية المشتركة هي أحد الأسباب التي تجعل تأثيره قوياً على الجمهور”.(13)

البانتومايم الآسيوي:

لا تقتصر لغة المسرح على الكتابة أو الكلام فحسب، بل تتداخل مجموعة واسعة من عناصر التعبير التقنية والبصرية والجسدية، التي تشكل باجتماعها ما يُعرف بفن المسرح؛ كما لم يقتصر المسرح على المسرح الغربي الذي نشأ وتطوّر من الحضارة اليونانية، كما كان سائداً لقرون طويلة، بل ذهبت الأنثروبولوجيا إلى دراسة خصوصية كل الثقافات والحضارات الإنسانية، وقطعت شوطاً كبيراً في دراسة الفرجة والأشكال المسرحية عند مختلف الشعوب، والتي لا تتخذ من المسرح الغربي نموذجاً لها، مثل مسرح النو والكابوكي اليابانيين، والحلقة العربية والسامر والكاتالاكي وغيرها من التعبيرات الفنية المستقلة والتي لا تنبع بالضرورة من الشكل المسرحي الأوروبي”.(14)

فقد ظهر التمثيل الإيمائي، في الحضارات القديمة كالصين واليابان والهند وكوريا ومصر وبلاد الرافدين والشام وغيرها، من خلال الرقصات الدينية أو الاحتفالية والتي ما يزال بعضها متوارثاً حتى الآن، بل وأصبح تقليداً متعارفاً عليه. وقد أقامت هذه الدول- حتى بعض الدول النامية والصغيرة- المسارح الكبيرة، والأوبرا الحديثة، كما أنشأت المدارس والمعاهد والجامعات التي تهتم بكل أشكال المسرح ومنها الباليه والبانتومايم والأوبرا.

والشيء الرائع، والذي يدعو إلى الإعجاب والتقدير، أنه “يقام في كل عام مهرجان المونودراما الآسيوية المسرحي بالتبادل مع كوريا والهند وتتم المشاركات تحديداً من قبل فناني الدول الآسيوية في القارة، وعلى رأسها اليابان وكوريا والهند وبمشاركات من ماليزيا وبنغلادش والصين وغيرها من الدول الآسيوية ومقر اللجنة التنظيمية الرئيسية هو في مدينة (سيؤول) عاصمة كوريا الجنوبية، وتقدم في هذا المهرجان عروض الإيماء والعزف المنفرد والمونودراما”(15)

حضور الإيماء في المنطقة العربية:

لا يوجد حتى الآن تمثيل إيمائي متخصص وأكاديمي في المنطقة العربية، إنما يقتصر على بعض التجارب الخاصة والاستثنائية هنا وهناك، إلا أنه يمكن القول بوجود مظاهر من هذا الفن في الثقافة الشعبية، والتي لاتزال تمَارس منذ القدم وحتى اليوم، وتشكّل مادة دسمة لتطويرها والانطلاق منها إلى تشكيل فن إيماء خاصّ ومتجذّر من هذه الطقوس والاحتفالات الشعبية، كالزواج والختان والموالد، والاحتفالات في المناسبات الوطنية والدينية والصوفية وحلقات الذكر، بالإضافة إلى الرقصات (الفولكلورية) التقليدية، وكذلك النشاطات المسرحية الشعبية المتوارثة عبر الأجيال كخيال الظل وكركوز وعيواظ والحكواتي وغيرها.

لغة التعبير الجسدي في فن المايم والبانتومايم :

وهي اللغة التي يمكن من خلالها التعبير عن الشخصية من خلال حركات مختلف أجزاء الجسم، كاليدين والرأس، أو حتى تعابير الوجه. إذ يتمّ اختيار أجزاء محددة من الجسم وتطويع حركتها من قبل ممثل المايم والبانتومايم في سبيل إيصال المعنى المراد إلى الجمهور المتلقّي.

بحيث تخبّئ هذه الحركات أو التعابير في طيّاتها صدق إحساس الممثل بها، وإظهار هذه المشاعر والأحاسيس بشكل واضح من خلال اندماج الممثل في الدور، فالإيماءة في العرض المسرحي “هي الحركة التي يصدرها الممثل أو المؤدي من (الرأس – اليدين – الأصابع)… أو من أي عضو في جسده كوسيلة معبرة ذات دلالة”(16)

ومن أهم ميّزات ممثل البانتومايم، فضلاً عن كونه يمتلك الجسم المرن المطواع، والحسّ المرهف والصادق، والقدرة على التعبير وامتلاك الدقّة في ذلك، أن عليه أن يتعدى الإحساس الداخليّ إلى الإحساس بشكله الخارجي، والتحكّم بكل مفصل من مفاصل جسده وضبطها بصورة انفعالية مناسبة للظروف المتخيلة التي تعيشها الشخصية. “إن حضور جسد الممثل على خشبة المسرح يعدّ من الأدوات المهمة لديه. لكن المهم في ذلك، هو الطريقة، أو التقنية، التي سيستخدم بها هذا الجسد في تجسيد الشخصية، ومن هنا تتعدد أدوات الممثل الإبداعية، من تقنيات حركية متنوعة هي ما تحدد لغة الجسد، باعتباره إشارة إلى شيء آخر غير ذاته. أو غير صاحبه/ الممثل- فالجسد الممثل يشير إلى شخصية أو موقف أو وضع اجتماعي أو حالة سيكولوجية معينة. بل قد يشير أحيانا إلى شيء مادي مثل زهرة – شجرة …الخ”(17)، وقد “عملت النظرة الحداثية على إدماج جسد الممثل داخل الرؤية البصرية المادية للعرض المسرحي (سينوغرافياً)، بحيث يصبح عنصراً تشكيلياً مثله مثل العناصر المادية التي تكون المنظر المسرحي العام”. (18)

فلغة البانتومايم إذاً هي لغة الجسد بالدرجة الأولى، ومدى قدرة الممثل من خلال الحركات الإيمائية للوجه وحركات الأيدي والأرجل أن يعبر عن حالة معينة أو يحكي قصة عن طريق المهارات الحركية لديه.

أهم ممثلي المايم والبانتومايم في القرن العشرين:

في بداية القرن العشرين تم استبدال فن المايم والبانتومايم بفن “الفودفيل” الذي استقطب عدداً أكبر من الجمهور. ولكن تجب الإشارة هنا إلى أن تقديم الأفلام الصامتة في السينما منذ عام 1896م وحتى عام 1930، جعل الاعتماد في المرتبة الأولى على ممثلي المايم، لقدرتهم على توصيل المعلومات من غير كلام، من خلال الجسد والإشارة والإيماءة، ومنهم الممثل الشهير والغنيّ عن التعريف (شارلي تشابلن) الذي أعاد تجسيد شخصية “بيرو” من مسرحيات “جان ديبرو” المستقاة من “الكوميديا ديلارتي”، وكان نادراً ما يعرض المايم في المسارح حتى1920م، إلا أنه كان يدرّس في بعض المدارس المسرحية وأهمها في حينه مدرسة الفرنسي “جاك كوبو”. وتم تلخيص أهم ما جاء به كوبو في كتاب “فن المايم والبانتومايم” تأليف “توماس ليبهارت” ترجمة بيومي قنديل، وقد ورد فيه أن أكثر ما كان يسيء إلى “كوبو” من مشاهدة المسرحيات الميلودرامية، هو أنّ الممثلين يعبّرون عن أنفسهم من خلال الصوت وتعبير الوجه بينما تخلّد أجسادهم إلى السكون.

اعتمد “كوبو” منهجا يدعو إلى التجديد عوضاً عن الثورة، وكان الأمر عنده العودة إلى أمجاد اليونان و”الكوميديا ديلارتي” والمسرح “الإليزابيثي” وكان يرى أنه من الضروري العودة إلى الرحم الذي خلق وتفاعل فيه المسرح، فكان أول ما فعله بالنسبة للتجديد هو اعتماد فضاء خال مفتوح غير مسقوف لتقديم العرض، وصاغ معادلة في مجال النشاط الإنساني (الأقل هو الأكثر) حيث رأى أن تقليص المسرح إلى أبسط عناصره قد ينقيه ويقويه. وهو الذي أسس أول دار لعروض المسرح من خلال استلهام تقاليد الماضي، فقد انشأ “كوبو” عام 1913م مسرحاً سمي “الكولمبي العجوز” وكانت ميزة هذا المسرح أن العقول التي تقف وراءه ليست مسرحية. استفاد “كوبو” من “كريغ” في خشبة المسرح العارية وموضوع الأقنعة كي يرتقي بجسده إلى آفاق أوسع في مجال القدرة على التعبير والتي تعتبر أساس ولادة المايم الحديث، ومن “آبيا” في موضوع الإضاءة ومن “داكروز” في موضوع التدريب الجسدي للممثل.

ويتلخص جوهر التعاليم التي ناضل “كوبو” من أجلها بالتالي: “يجب على الممثل أن يعرف كيف ينصت وكيف يجيب، وكيف يظل جامداً دون حراك وكيف يبدأ إيماءة ما وكيف يستمر معها ومن ثم يعود إلى حالة الجمود الحركي والصمت بكل ما تنطوي عليه كل هذه الأفعال من ظلال ومن أنصاف درجات اللون”.

في عام 1923م التحق في معهد “كوبو” طالب جديد كان له تأثير كبير على تطوير فن المايم وهو الفرنسي “ايتيان ديكرو” حيث قام بتطوير فن جديد اسماه “المايم الجسدي” وقد طور ديكرو نظريات كثيرة وتقنيات لهذا الفن ومن أهمها القدرة على عزل أجزاء الجسد، أي أن الممثل يستطيع على سبيل المثال أن يعزل الرقبة أو الصدر أو الورك ويتحكم بهما بشكل منفصل عن باقي الجسد، وقد طور عدداً كبيراً من خطوات وحركات ديناميكية الإيقاع ومصممة هندسياً، حيث كان لهذه الحركات المعزولة الأثر الكبير على الحركة التشكيلية التكعيبية.

وكان لدى “ديكرو” تلميذان ذاع صيتهما ونالا حظاً وافراً من الشهرة وهما على التوالي “جان لوي بيرو” و”مارسيل مارسو”. عمل “بيرو” مع “ديكرو” لمدة سنتين في تطوير هذا الفن وقد ظهر في فيلم “الفردوس المفقود” عام 1946م، وبعد هذا الفيلم بفترة قصيرة توقف عن تمثيل المايم وأصبح من اهم ممثلي المسرح والسينما العالمية.

أما “مارسيل مارسو” فإنه على الرغم من تتلمذه على يد “ديكرو”، إلا أنه اعتمد مذهب “جان جاسبار ديبرو” من القرن التاسع عشر وتابعيه الذين اعتمدوا التركيز الأساسي على الوجه واليدين حيث يتم بذل جهد مضاعف للتعويض عن غياب اللغة المنطوقة التي كان قد جرى حظرها. ولا نستطيع تفسير فن “مارسو” تلميذ “داكرو” ابن القرن العشرين الذي فضل أن يحتذي بمؤدي البانتومايم في القرن التاسع عشر إلا بعد أن نتعرف على هذا الفنان ببعض التفصيل.

ومن الممثلين المشهورين في مجال المايم والمسرح الصامت نستحضر الأعلام البارزة التالية: جان لوي باروJean-Louis Barrault، وشارلي شابلن Charlie Chaplin، وفامي دوبيرو Famille Deburau، وإيتيان دوكروÉtienne Decroux، وماكسيميلسان دوكرو Maximilien Decroux، وبوستر كايتونBuster Keaton، وجاك ليكوك، ومارسيل مارسو، وكارلوس مارتينيزCarlos Martínez، وهاربو ماركسHarpo Marx، وروبرت شيلدز Robert Sheilds، وبابتيست دوبيروBaptiste Deburau، وهنري توماشفسكيHenryk Tomaszewski، وغيرهم.

وهكذا نجد أن فن المايم والبانتومايم موجود منذ بداية الخليقة، من خلال تواصل البشر بالإشارات والطقوس، ولكنه اكتسب معنىً وشكلاً آخر عند ابتكار الدراما على يد الإغريق، ويعزى تطوره للرومان حين أخذ المفهوم يتبلور بمعنى درامي واضح، وعلى الرغم من أن الكنيسة حاولت القضاء عليه في القرون الوسطى، إلا أنها عادت ولجأت إليه في محاولة لتوصيل معلومات عن الكتاب المقدس لرعاياها الأميين.

وفي عصر النهضة كان تطوير فن البانتومايم كبيراً من خلال مسرحيات “الكوميديا ديلارتي”. غاب هذا الفن عن عصر “شكسبير” في القرن السابع عشر ليعود وينتشر من جديد في القرن الثامن عشر، وإلى بداية القرن العشرين حين أعيد البحث في البانتومايم فظهرت المدارس التي تدرّسه كفن راق، بعد أن كان يحمل صفة الابتذال، وكانت فرنسا هي الرائدة في ذلك من خلال روادها “كوبو” و”ديكرو” و”مارسو” وغيرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1ـــ ماري الياس وحنان قصاب حسن، المعجم المسرحي، مكتبة لبنان ناشرون، 1997، ص412.

2ـــ منير بعلبكي، المورد قاموس إنكليزي-عربي، دار العلم للملايين، 2002، ص580.

3ـــ ماري الياس، حنان قصاب حسن، المعجم المسرحي، ص87.

4ـــ جون رسل تيل، الموسوعة المسرحية، ترجمة: سمير عبدالرحيم الحلبي، دار المأمون للترجمة والنشر،1991، ص381.

5ـــ المصدر السابق، 429.

6ـــ توماس ليبهارت، فن المايم والبانتومايم، ترجمة: بيومي قنديل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995، ص9.

7ـــ  صباح الأنباري، المسرحية الصامتة، مجلة الحياة المسرحية، 2005، العدد (51).

8ـــ بازي رولف، كتابات في التمثيل الصامت، ترجمة  د. سامي صلاح، المجلس الأعلى للثقافة،2001، ص6.

9ـــ سامي عبد الحميد  ووليد شامل ،التمثيل الصامت (ثلاثون درساً في التمثيل الصامت)، جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة ، 1999،  ص17.

10ــ  المرجع السابق، ص17.

11ـــ فاسيل انجف، ترجمة محمد سعيد جوخدار، فن التمثيل الإيمائي، الحياة المسرحية، 2005، العدد (56).

12ـــ صباح الأنباري، المسرحية الصامتة، الحياة المسرحية، العدد (51).

13ـــ فاسيل انجف، ترجمة محمد سعيد جوخدار، فن التمثيل الإيمائي، الحياة المسرحية، العدد (56).

14ـــ عبد الناصر حسو، الخلفية الفكرية للنهضة في المسرح العربي، مجلة المعرفة السورية، 2011، العدد 568.

15ـــ ندى الحمصي، مهرجان المونودراما في اليابان، الحياة المسرحية، 1998، العدد (45).

16ـــ د. صالح سعد، الأنا – الآخر، مطبعة السياسة، 2001، ص120.

17ـــ المرجع السابق، ص147.

18ـــ  المرجع السابق، ص148.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع والمصادر:

الكتب:

  • الياس، ماري و حسن، حنان قصاب، المعجم المسرحي، مكتبة لبنان ناشرون، 1997، لبنان.
  • بعلبكي، منير، المورد قاموس إنكليزي-عربي، دار العلم للملايين، 2002، لبنان.
  • تيل، جون رسل، الموسوعة المسرحية، ترجمة: سمير عبدالرحيم الحلبي، دار المأمون للترجمة والنشر،1991، العراق.
  • ليبهارت، توماس، فن المايم والبانتومايم، ترجمة: بيومي قنديل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995، مصر.
  • رولف، بازي، كتابات في التمثيل الصامت، ترجمة، د. سامي صلاح، المجلس الأعلى للثقافة، 2001، مصر.
  • سعد، صالح، الأنا – الآخر، مطبعة السياسة، 2001، الكويت.
  • عبد الحميد ، سامي، د. وليد شامل، التمثيل الصامت (ثلاثون درساً في التمثيل الصامت)، جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة، 1999، العراق.
  • لوشكي، مارافين شبارد، كل شيء عن التمثيل الصامت، ترجمة سامي صلاح، المجلس الأعلى للثقافة ، 2000، مصر.

المقالات:

  • الحياة المسرحية، العدد (56)، دمشق، 2005، فن التمثيل الإيمائي، فاسيل انجف، ترجمة محمد سعيد جوخدار.
  • الحياة المسرحية، العدد (51)، دمشق، 2002، المسرحية الصامتة، صباح الأنباري.
  • الحياة المسرحية، العدد (45)، دمشق، 1998، مهرجان المونودراما في اليابان، ندى الحمصي.
  • مجلة المعرفة السورية، العدد (568)، دمشق، 2011، الخلفية الفكرية للنهضة في المسرح العربي، عبد الناصر حسو.
  • مجلة الجامعة الأردنية، العدد (63) 2004، دراسات في المسرح فن” البانتومايم” التمثيل الصامت /براعة الممثل وخيال المتفرج، محمد إسماعيل بدر.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*طالبة في السنة الرابعة في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق – قسم الدراسات المسرحية. مهتمة بالبحث في مجال الأدب والمسرح وكذلك في كتابة السيناريو والدراماتورجيا.

 

Hits: 6