شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الفنان المسرحي فواز محمود لـ “شرمولا”: المسرح هو الثقافة والفن والأخلاق

38

 

حاوره: دلشاد مراد

يشكل الفن المسرحي جانباً هاماً في الحياة الثقافية والحضارية للأمم والشعوب، لما له تأثير على أفراد المجتمع. ولأهمية هذا الفن أجرينا حواراً مع المسرحي والممثل فواز محمود (65 عاماً) والذي ساهم ببناء مسرح الطفل في الجزيرة وعموم سوريا حتى أنه حاز على لقب سفير مسرح الطفل، وله مشاركات في العديد من الأدوار بالدراما السورية. 

ـ مرحبا بكم، نبدأ حوارنا برؤيتكم للمسرح ودوره في المجتمع؟

في البداية كل الشكر والتقدير لجهودكم المبذولة في خدمة الثقافة وإيصال الكلمة الحرة بكل شفافية إلى كل الناس. لو تحدثنا عن المسرح، المسرح هو خليقة منذ ولادة الإنسان، حتى يقولون إن الحياة هي خشبة المسرح، ونحن جميعنا ممثلون على هذه الخشبة، كل يقوم ويعطي حسب ما هو قادر به من العطاء، الحياة بدون المسرح كقربة فارغة من الماء، فهو الفكر المغذي للإنسان. وأعتقد إن كل إنسان في عمله هو ممثل وهو مبدع فني، فإذا قام أي واحد بأي عمل لو استطاع أن يطعمه بنوع من جمالية الفن لرأينا عمله ناجحاً بكل تأكيد، والمجتمع يستسقي فكره وروحه منه لأن المسرح هو روح وكلمة وخيال وجسد، فهذا التناغم يبني المجتمع الصحيح. فالمجتمع بحاجة إلى المسرح، لأن المسرحي يستطيع أن يتحدث كل ما يشاء على خشبة المسرح، ولكن الإنسان العادي قد لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل مع كل احترامي له.

ـ ما علاقة المسرح بالثقافة؟

أرى أن هناك روحان متصلان ما بين المسرح والثقافة، فهما مدرستان يكملان بعضهما البعض، المسرح يستقي أفكاره من مدرسة المثقفين والكتاب، والممثل والمخرج المسرحي يقوم بإحياء ما كُتب أو النصوص المكتوبة إلى عمل حي ، فأنا لا أرى أي فرق بين الثقافة والفن المسرحي.

ـ صعدتم المسرح لأول مرة منذ أواسط الستينيات وكنتم آنذاك طالباً في المرحلة الابتدائية، هل يمكنكم استحضار ذاكرتكم والحديث عن تلك الفترة – عن بدايات انشغالكم بالمسرح وتأثير كل من المحيط والمدرسة في ذلك؟

نشأ المسرح في منطقتنا – الجزيرة- في النصف الأول من القرن المنصرم. ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء كانت هناك فرق قبل الستينيات تعمل في القامشلي من قبل الجمعيات الثقافية السريانية في ذلك الوقت. كان هناك مخرج مسرحي وهو “سليمان محمد” الذي أنشئ فرقة مسرحية ضم الأستاذ المسرحي “سمير إيشوع” و”عمر بصمجي” وكان هناك “حسن ظاظا” على ما أعتقد والمحامي “محمد متين” وكثيرون من كانوا يعملون في ذلك الوقت. في ذلك الوقت كنا صغاراً نعمل في المسرح المدرسي، هنا أذكر بدأت في مدرسة “صلاح الدين الأيوبي” وكان هناك مدير المدرسة الأستاذ المحامي “عيسى الخميس” له كل احترامي لأنه هو من جعلني فناناً مسرحياً، وأذكر أنه كان هناك أستاذ من الأخوة الأيزيديين هو “زكي خلف” وكان هناك أستاذ “أنور” من إخواننا الحمصيين وأيضاً الأستاذ الكاتب “عباس إسماعيل” من القامشلي. هؤلاء كانوا حريصين على زرع حب الثقافة والعطاء والنجاح في الحياة الاجتماعية لدينا كطلاب المدرسة.

استمرت الحالة هكذا لحين سنة 197، فقد استطعنا تشكيل فرقة مسرحية مدرسية في مدرسة “عربستان” وكان مديرها آنذاك على ما أذكر الأستاذ “نيقولا حنا” وهو عم الفنان السوري “رامي حنا”، كنا نقدم عروضاً مسرحياً فكاهياً، وكانت تقدم بالمناسبات القومية في المسرح المدرسي، وكانوا يضعون لنا منصة في باحة المدرسة أمام زملائنا وكنا أحياناً نذهب إلى المركز الثقافي ونقدم هناك، أذكر من العروض التي شاركنا فيها: “مقهى الانشراح”، “الشهيد”، “الأوراق تموت خضراء”، كانت هذه العروض من تأليفي وأشارك فيها كممثل ومدرب إلى جانب زميل لي هو “سمير عابد بك” وهو مقيم حالياً في السويد.

ـ ماذا عن موقف العائلة وتأثير الانتماء السياسي في انشغالكم بالمسرح؟

أنا من عائلة وطنية في المجال السياسي والثقافي، فينما كان والدي ينتمي للحزب الشيوعي السوري، كان أخي الكبير مستلماً سكرتارية طلبة الحزب التقدمي الديمقراطي الكردي، ولهذا كان أفراد عائلتي يهتمون بتحصيلي الدراسي، حيث كانوا يودون إرسالي إلى الاتحاد السوفيتي للدراسة هناك والعودة إلى بلدي كأكاديمي. كان أهلي دائماً يريدون مني أن أكون كأخوتي الذين كانوا يدرسون، وخاصة والدتي التي كانت حريصة جداً أن أهتم بالدراسة، وأن أحصل على شهادة جامعية. فلم يعارض الأهل أن أكون كفنان، ولكنهم كانوا خائفين علي أن التهي بدراستي وأتركها وهذا ما حصل بالضبط. وحتى اليوم أنا حزين، حيث عملت قرابة خمسين سنة في المسرح ولكن للأسف لا والدتي ولا والدي شاهدوني على خشبة المسرح، لكنهم كانوا فخورين عندما يشاهدون لي لقاء تلفزيوني أو عندما كان الناس يخبروهم أن ابنكم قد أصبح فناناً مسرحياً، وكانوا يضحكون سراً في صدورهم.

إن المسرح هو المدرسة السياسية للحياة، ودائماً أقول أنه على السياسي أن يكون فناناً، لأن السياسة هو فن في حقيقته، فالسياسي الناجح يكون نظرته فنية في عمله السياسي. إن الذي يعمل في المسرح لا يقل عن هؤلاء القديسين الذي كانوا بأسلوبهم الديني يقربون الناس إليهم، فعلى الإنسان المسرحي أن يكون قديساً ذو أخلاق وثقافة عالية، لأن المسرح هو الثقافة والفن والأخلاق.

ـ كانت البداية الحقيقية لكم مع المسرح العمالي بالحسكة في أواسط السبعينيات، ما أبرز الأعمال في تلك الفترة، ولاسيما انكم عملتم تحت إشراف المركز الثقافي في قامشلو على تشكيل مسرح للأطفال وفي الإخراج المسرحي أيضاً؟

في عام 1974م بدأ الصراع الصحيح والحب والمسؤولية الكبرى بالنسبة لي في المسرح العمالي، في ذلك الوقت كان الطالب “أحمد الشويش” قد أتى من دمشق ومعه فكرة بناء مسرح خاص بالعمال أسوة بالمحافظات الأخرى. وقد شاركت بأول عمل في المسرح العمالي ضمن هذه الفرقة التي كانت تسمى (فرقة نجوم المسرح العمالي بالحسكة). وأول عرض قُدم على خشبة المركز الثقافي القديم كان بعنوان (استروا ماشفتوا منا)، من تأليف الفنان “أحمد خليفة” الذي كان يعمل ممثلاً في التلفزيون السوري ومن إخراج “أحمد الشويش”، وقد كان دوري في العرض المذكور المخرج السينمائي عبد الواحد الفادح وكانت لهجتي بالمصرية. واستمرينا العمل مع الفرقة العمالية حتى سنة 1977م، بعدها التحقت بخدمة العلم.

ـ يقول أحد المخرجين السوريين في معرض حصولكم على تكريم في أحد المهرجانات المسرحية بالحسكة: “فواز” جوكر “مسرح الطفل” والممثل الذي يركض وراءه الأطفال في كل عرض مسرحي، إنه ذلك الكوميدي الظريف الذي يشد انتباه الطفل ويسمره بمرونته وطواعية جسمه وحضوره الجميل”، ما تعليقك على ذلك؟

يشرفني أن أكون صديقاً وقريباً للأطفال، فبعد ما يقارب ثلاثين عاماً من العمل مع الكبار بنيت نفسي من جديد، ففي سنة 1995 بالضبط التجأت إلى مسرح الأطفال وشكلنا أسرة “فرقة” مسرحية مع الزميل “وليد عمر” و”عمر اليوسف” والمرحوم “هاشم علي” أسميناها “مسرح الكبار للصغار”، وكان أول عرض للأسرة هو “البئر المهجورة” للكاتب فرحان بلبل، والعرض هو ترجمة لنص كردي بعنوان “بيرا هَرفي”. بعدها قدمنا عرض “جحا والملك الزعفران” الذي كان بداية لمسرح الطفل في سوريا، وانطلاقة لحياة جديدة لي، حيث أصبحت بمثابة أب وصديق ومحب للأطفال، هذه المسرحية قدمت في جميع مدارس سوريا، ولذلك اعتبر نفسي صديق لأربع ملايين طفل ولأن العائلات كانوا يتابعون عروضنا مع أطفالهم فأنني اعتبر صديق لقرابة أربع ملايين عائلة سورية طوال العقود السابقة، فكنت أكسب صداقة الطفل وصداقة عائلة تلك الطفل أيضاً. وأنا أنحني لكل طفل كان يشاكسني ويسير معي في الشارع ويبتسم معي وينادني بـ عمو جحا، هذه كانت أكبر شهادة لي.

 

ـ ما هي أبرز التكريمات التي حصلتم عليها؟

التكريم الذي يشرفني وأركع له هو التكريم الذي حصلت عليه في مسرح الطفل، وسميت وقتها بسفير مسرح الطفل في الحسكة، ولكن أريد ان أصحح هنا أنني اعتبر سفير مسرح الطفل في سوريا وليس فقط في الحسكة. فمن قدم العروض المسرحية لأربع ملايين طفل هو من يستحق أن يكون سفيراً لمسرح الطفل في سوريا، وليس من سمي زوراً بذلك وهو لم يشارك أو يقدم أو يحضر أي فعالية أو مهرجان مسرحي للأطفال في البلاد.

ـ فهمت من كلامك أنك عانيت من الظلم في مجال عملك بالمسرح السوري!!

طبعاً، هم يبحثون عن إعطاء المراكز للمحسوبين عليهم، حتى أنني لا أملك بطاقة نقابة الفنانين، حيث صدر مرسوم رئاسي بـ “عدم جواز منح بطاقة نقابة الفنانين لكل من لا يحمل شهادة البكالوريا أو شهادة أكاديمية مسرحية”، دون أي اعتبار لممارسي العمل المسرحي طوال العقود الماضية ممن اجتهدوا على أنفسهم ولا يملكون شهادات أكاديمية، وكنت أحد ضحايا هذا المرسوم مع العديد من العاملين بالمسرح.

ـ بعد كل هذه العطاء في الجزيرة، انتقلتم إلى دمشق في صيف 1999م، واستقريتم هناك لعقود من الزمن، وقد فتح وجودكم بالعاصمة أبواب الدراما وحتى السينما أمامكم؟ هل يمكنك الحديث عن أسباب السفر، وأبرز الأعمال الفنية والمسرحية خلال فترة وجودكم في دمشق؟

في انتقالي إلى دمشق كان السبب الرئيسي طبعاً لا أن أعمل في الدراما والسينما والمسرح، بل البحث عن حياة أفضل واستمرارية أولادي في دراستهم الجامعية، حيث لم يكن لدي القدرة كموظف في الخطوط الحديدية السورية أن أصرف على أولادي في دمشق وتغطية متطلبات العائلة في القامشلي ولهذا فكرنا الرحيل مع أولادي إلى دمشق والاستقرار فيها.

هناك في دمشق باعتبار كنت معروفاً في المسرح من قبل الفنانين كالأساتذة “أيمن زيدان” و”سلوم حداد” و”زيناتي قدسية” و”أسعد فضة” و”د.نبيل الحفار” فُتح أمامي يد المساعدة والعمل في دمشق، وباعتباري كنت أعمل في مسرح الأطفال استطعت أن أبني لنفسي مدرسة خاصة هي مدرسة مسرح الطفل أيضاً.

وكان لي زميل يعمل في المسرح بدمشق هو “عماد بارقجي”، فالتقيت به وبالممثل الراحل “محمود عبد العزيز” فطلبوا مني أن انتسب وأعمل معهم في مجال مسرح الطفل، فوافقت واستطعت أن أكون نجماً في مسرح الطفل وكانت شخصيتي مطلوبة هناك في دمشق. شاركت في أكثر من خمس عروض للأطفال بالاشتراك مع ممثلين معروفين بالدراما السورية أذكر منهم “فيلدا سمور” و”هشام كفارنة” و”محمود عبد العزيز” والمرحوم “سليم التركماني”، وكنت دائماً أخذ الأدوار الرئيسية في العروض.

في سنة 2001م شاركت في مسلسلين بالتلفزيون السوري، الأول “هولاكو” وهو مسلسل تاريخي من إخراج “باسل الخطيب” والمسلسل الآخر هو “أبو الطيب المتنبي” من إخراج الأردني “فيصل المرعي”، وكانت شخصيتي في المسلسل الأخير شخصية “الفارابي” حتى أن المخرج الأردني قال “لو رأيت فواز محمود قبل الآن لتركت أبو الطيب المتنبي واشتغلت مسلسل الفارابي، فأنا عندما انظر إلى فواز محمود أرى الفارابي يقف أمامي”، هذه شهادة أعتز بها من مخرج أردني معروف. حينها كان العمل لشركة الفنان سلوم حداد “الصقر العربي” وعندما قال هذا الكلام أمام الفنان “سلوم حداد” رد الأخير: “دعوا الناس الذين يدعون أنهم فنانين أن يذهبوا إلى الجزيرة وإلى محافظة الحسكة ويتعلموا الفن من أهل الجزيرة”، هذه شهادة أيضاً من الأستاذ “سلوم حداد”.

واستمريت بالعمل في الدراما، وكان هناك مسلسل “أبو زيد الهلالي” وهو أيضاً من إخراج الأستاذ المبدع “باسل الخطيب”، بعدها اشتغلت مسلسل “إمام الفقهاء” ، كما اشتغلت في الفيلم السينمائي “صهيل الجهاد” من إنتاج المؤسسة العامة للسينما في سوريا وإخراج “ماهر كدو” والإشراف الفني المخرج السوري المعروف “عبد اللطيف عبد الحميد”، وبمشاركة الممثلة “مي سكاف”، وقد منع هذا الفيلم من العرض وذكروا أنه كان يحمل طابعاً سياسياً، حتى أنه يومها أخذوني إلى التحقيق وبدأوا يسألونني عن مشاركتي في هذا الفيلم وسبب تصويره في المنطقة الشرقية، فقلت لهم “هذا يعود لكم فأنا لست منتجاً ولا صاحب فكرة الفيلم، فبحكم عملي كفنان أذهب إلى منطقة التصوير أينما كانت”. هذا الفيلم كما ذكرت منع من العرض إلا في المهرجانات ومنها مهرجان سينمائي عقد في تلك الفترة في الصين، والذين حضروا ذلك المهرجان ذكروا أنه قد أخذ دوري في الفيلم حيزاً من مناقشة العرض، وهذا يعني أن دوري كان ناجحاً في ذلك الفيلم. بعدها ذهبت إلى قطر وقدمنا مسرحية “جحا والملك زعفران” لمدة تسعة أيام ضمن دورة قطر عاصمة الثقافة العربية سنة 2007م. وقد بقيت في دمشق مع عائلتي حتى عام 2010م.

ـ قُسم المسرح السوري إلى فئتين، الأولى “المسرح العمالي” والأخرى “المسرح القومي”، ما الفرق بينهما؟

لا يوجد نظرية حقيقية لمفهوم المسرح، والتقسيمات الحاصلة حتى على المستوى العالمي من قبيل المسرح الفرنسي والمسرح الروماني…الخ لا أساس منطقي لها، وفي سوريا جرى تقسيم المسرح بتأثير العقلية السياسية الحاكمة في المجتمع.

المسرح القومي يأخذ طابعاً سياسياً بحتاً، وهو مخصص للفعاليات الرسمية وللخريجين المختصين أو لنقل للشباب الحزبيين، فهم الأكثر انخراطا فيه. أما المسرح العمالي كانت على أدنى، وصحيح أنه كان ينتمي إلى منظمة “نقابة العمال” ولكنه كان يضم جميع شرائح الناس، فكان أكثر مجتمعية من المسرح القومي.

المسرح العمالي كانت أقوى من المسرح القومي، على الرغم من تضاؤل الإمكانيات مقارنة بالمسرح القومي. كان عروضهم أكثر جرأةً وتوسعاً والتحاماً بالناس، أذكر أن العروض التي كنا نقدمها مع الأستاذ أحمد الشويش نقدمها لجميع القطاعات والشرائح العمالية، كنا نغرس حب المسرح والثقافة في هؤلاء العمال. فإذا كان تقسيم المسرح لفائدة وتوسيع رقعة المسرح في المجتمع انا لست هذه الفكرة ولكن إذا كان هدفه إحداث الضعف فأنا لست معه. وأذكر في المهرجان الأول للمسرح العمالي الذي شاركت فيه باسم محافظة الحسكة بعرض “الظلال المحرقة” كان يومها رئيس مجلس الوزراء محمود الزعبي قد ألقى كلمة في حينها، وقبله ألقى مدير مكتب الثقافة هو أبو ريشة كلمة قال فيها “إن المسرح العمالي اليوم يتفوق على المسرح القومي”، وأكد الزعبي على مقولته، قائلاً: “أنا أيضاً أضم صوتي إلى صوت رئس مكتب الثقافة”. وأنا أيضاً أقول أننا بحاجة إلى مثل هذه المسرح أكثر من الحاجة إلى المسرح القومي.

ـ بعد العودة إلى الجزيرة وإلى مسقط رأسك، عملتَ مع  مركز الثقافة والفن في إدارة قسم المسرح، هل يمكنك الحديث عن هذا الأمر؟

بعد الأحداث التي حصلت في سوريا تركنا دمشق ولجأت مع عائلتي إلى مسقط رأسي. وعندما أتيت إلى مدينة القامشلي كان هناك أخ عزيز رحمه الله الشهيد “ولات” الذي كان يشرف على مركز محمد شيخو للثقافة والفن (كان يسمى “مدينة الشباب” سابقاً). جلست مع الشهيد ولات وقال لي بالحرف الواحد يومها: “ماذا تستطيع أن تقدمه لنا”، فقلت له: “أنا لدي الكثير.. أطلب أنت ما تشاء وأنا سألبي قدر المستطاع”، فطلب مني ان أشرف على المسرح، وكان هناك مجموعة من الشباب والفتيات لديهم اهتمام وحب للمسرح فأشرفت على هذه الفرقة، فعملت دورة إعداد الممثل لهؤلاء الشباب، الدورة كانت عبارة عن دروس في المسرح ما تعلمته من غيري وما قرأته، لست أكاديمياً ولكن بجهودي الخاصة كنت أقرأ وأعمل دورات وأتعلم، كنت أعطي كل ما أملك من ثقافة مسرحية ومن علم مسرحي لهؤلاء الشباب، وكانت خميرة هذا العمل وهذه الدورة مسرحية “البئر المهجورة”، كانت هذه المسرحية عبارة عن تدريب مسرحي حتى يعرفوا ما هو المسرح وبالتالي يكون مسرحية عامة لجميع الناس لما تعلموه هؤلاء الشباب والفتيات في هذه الدورة.

استمريت أربع سنوات مع مركز الثقافة في القامشلي، أقولها وبصراحة ليس في القامشلي فقط وفي جميع الأماكن المسرح لا قيمة له في المجتمع هل هو الخوف من الإنسان المسرحي ام هو محرض سياسي وناقد اجتماعي والناس تخاف من هذا المجال

بعد استشهاد الأخ “ولات” استلم الفنان “باران” إدارة مركز محمد شيخو للثقافة والفن، أستطيع أن أقول أنه الشخص المناسب في المكان المناسب، فقد أوصل المركز إلى أعلى مستويات العطاء، كنا نقدم دروساً في مجال اللغة والمسرح والموسيقا والفلكلور، وأصبح النجاح يتلو النجاح وأعداد الفرق يتزايد، مثال الذين كانوا يعملون في المسرح كان عددهم 35-40 عنصراً، والأطفال الذين يتدربون على الغناء كانوا حوالي 50 طفلاً، وفي مجال الدبكة كان هناك 30-40 عنصر في دبكة الكبار، وفي مجال الفرق الموسيقية كانت فرقة بوطان يومها من أنجح وأقدر الفرق على العطاء، كانت هناك منافسة بين المراكز الثقافية في الجزيرة، وأصبحت المناطق الأخرى تغار ثقافياً وأصبحت تفكر أن تصبح الند للمراكز الأساسية.

وبعد استلام الإداري “ديرسم” مسؤولية الثقافة والفن، أصبح العطاء وحب الثقافة والمركز الثقافي يزداد، أصبح الشباب والفتيات لا يريدون الذهاب إلى منازلهم، كانوا دائماً ملتصقين في أماكن عملهم، وكان جميع من كان يعمل في تلك الفترة لا يتقاضون فلساً واحداً.

بعدها جرى تقسيم للفرق على الرغم من قلة أعضاء الفرق، وتشكلت أكاديمية فنية ولكن للأسف بقيت ضعيفة واسمية ولم تستطع تقديم شيء جديد على صعيد الفن المسرحي. وعلى إثر ذلك لم أستطع الاستمرار وابتعدت عن العمل في المركز الثقافي.

ــ أشرفتم أثناء عملكم في إدارة المسرح على المهرجان الأول للمسرح في روج آفا؟ هل عانيتم من أي صعوبات، وهل كان مهرجاناً ناجحاً برأيكم؟

لم نرى صعوبات في التحضير للمهرجان الأول للمسرح، فقد كان الجمهور المحلي متعطشين لإنشاء أي شيء يهتم بالقضية الكردية وكان من خميرة الالتفاف الجماهيري تشكيل الإدارة الذاتية اليوم، كان الناس يتهافتون على حضور الأماكن والمهرجانات والتجمعات الثقافية والفنية بالمئات والآلاف.

في البداية شكلنا لجنة قراءة النصوص التي كانت وظيفتها قراءة النصوص المسرحية التي تليق بإقامة المهرجان الأول، فتمت الموافقة على جميع الفرق كانت تعمل في مجال المسرح من جميع مناطق روج آفا (عامودا، درباسية، سري كانيه، الحسكة، كوجرات، ديريك، كركي لكي، كوباني وعفرين)، بعدها شكلنا لجنة مشاهدة العروض بعد قراءة النصوص، وكانت وظيفتها الذهاب إلى كل الفرق ومشاهدة عروضها المسرحية التي ستشارك فيها بالمهرجان، وبالنسبة للفرق التي كانت غير قادرة على أن تكون على مستوى العروض التي ستقدم في المهرجان الأول كنا نقول لها “نحن لا نطلب منكم أن توقفوا عملكم، قدموا هذه العروض ولتكن عروضاً جماهيرية، ولكن لا مكان لكم هذا العام في المهرجان”، كنا نقول لهم ذلك حرصاً عليهم، وحتى يصبح لهم تجربة وخبرة في المسرح. وكان هناك أيضاً لجنة التقييم أو التحكيم التي كانت تضم خيرة الأكاديميين المسرحيين والذين لهم باع وخبرة في المسرح ومنهم هملات الذي جاء من ألمانيا والأستاذ وليد عمر والأستاذ فرهاد سيدا  كانت لجنة على مستوى رفيع في التقييم والنقد المسرحي، لهذا كله أخذ المهرجان الأول طابع النجاح بكل تأكيد.

وهنا أود أن أذكر إن المهرجانات المسرحية هي فعاليات في غاية الأهمية كونها صلة الوصل بين الجمهور والمسرح والقائمين عليها، وكونها تغرس حب الثقافة والفن لدى الجمهور، ولهذا لابد من استمرار ظاهرة المهرجانات الثقافية والفنية في مناطقنا.

ــ يتميز المهرجان المسرحي الذي ينظم سنوياً في مناطق الإدارة الذاتية بأسلوب نقدي جماهيري، ففي نهاية كل عرض مسرحي يتم تقييم العرض بشكل مباشر أمام الجمهور الحاضرين وبمشاركة آراء من الجمهور أيضاً. كيف ترون ذلك؟

هناك شكلين للنقد المسرحي، الأول نقد مسرحي أكاديمي بحت، فعندما تأتي العروض تقدمها لشريحة مثقفة، هذا له نقاده وله حضوره الخاص، والنقد الآخر عندما تأتي وتقوم بتقديم عروض جماهيرية عامة، فيشارك حينها الغير المختصين أيضاً في إبداء رأيهم بالعروض المسرحية.

أنا مع الأسلوب النقدي الجماهيري، إذ أنه علي أن أسمع الناس أولاً، وأرى مدى ما أوصلته هذه الفرق بعروضها للناس، وماذا تلقى هذا المتفرج من تلك العرض. إذاً علّي ان أتيح أولاً الفرصة للمتلقي وبعدها أطرح كإنسان أكاديمي او مثقف مسرحي آرائي على تلك العروض. وبذلك تقوم لجنة التقييم بتقديم آرائها الأكاديمية على العروض بعد أخذ بعين الاعتبار آراء الجمهور المتابع.

ــ هل أثر آراء الحضور الجماهيري على أي تقييم للجنة التحكيم على العروض المقدمة في المهرجان الأول للمسرح؟

نعم كان هناك تأثير، صدقني كان أكثر نجاحاتي في عملي المسرح من الأطفال الذي يحضرون المسرحية، كان أحياناً يأتي طفل يقول لي: “عمو جحا ليش ما تعمل بهذا الشكل”، كنت أقع في حيرة وأستفاد من رأي ذاك الطفل، فما بالك في مسرح الكبار، فالناس اليوم ليسوا جهلاء بعد التطور العلمي الجاري في يومنا الراهن.

ـ يعمل أبناء لكم في مجال المسرح، كيف غرستم فكرة حب المسرح في نفوسهم؟

أنا الشيء الذي افتقدته في أسرتي وعانيت منه وذكرت ذلك في بداية هذه الحوار لم أزرعه في أسرتي، التي اعتبرها بمثابة فريق عمل بدءً من زوجتي التي تحملت كثيراً، لها مني كل الشكر، ابني الكبير ظل يعمل معي في مجال مسرح الطفل ويوجد له في أرشيف التلفزيون السوري أكثر من ست مسرحيات، وابني إيفان عمل معي في مسلسل أبو زيد الهلالي، وابني الصغير شفزان أيضاً شاركني في عمل المسرح. فأبنائي منذ طفولتهم عملوا معي، وقبل حب المسرح زرعت فيهم حبهم الناس أولاً . والآن ابني الصغير شفزان يعمل كمخرج مسرحي وقد تفوق على والده في مجال المسرح، أنا فخور حقاً لما يقدمه أبنائي للناس ولمجتمعهم.

ـ هل من كلمة للمسرحين الجدد او الشباب العاملين في المسرح؟

أقول لكل من يريد العمل في مجال المسرح: إذا كنت صادقاً في حمل رسالة مقدسة كن قريباً من الناس واحمل همومهم وحب الناس بدون أي تفرقة، حبك ليكن شمعة تنير الظلمة. إذا أحببت أن تكون مسرحياً فعليك أن تحمل صفة الإنسان الخلوق والمؤدب الذي يحمل في ضميره حب كل الناس. فالمسرح طريقه أشواك وأنت عليك أن تنزع هذه الأشواك وتزرع بدلاَ منها وروداً جميلة تعطر بها الفكر الإنساني.

 

 

 

Hits: 2