شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

حفصة خان النّقيب (1891-1953م) – نارين عمر

40

 

 

 

 

 

لم يقتصر عملها على الجانب السّياسي فحسب، بل اهتمت اهتماماً بالغاُ بالجانبين الاجتماعي والاقتصادي، وجعلت من قضايا المرأة والأسرة من أولى اهتماماتها

 

كان للمرأة الكرديّة ومنذ أقدم العصور مكانة مميّزة لدى الشّعب الكردي، وتؤكّد المصادر والوثائق الكردية والعالمية على ما كانت تتمتّع به المرأة من تقدير خاص في العائلة والمجتمع، وإذا كانت هذه النّظرة إليها قد تغيّرت في بعض الفترات فكان ذلك بسبب الظّروف التي كان يمرّ بها الكرد أو بسبب تواصلهم مع بعض الشّعوب والأقوام الأخرى، ولكن على العموم ظلّت المرأة الكردية كأمّ وزوجة وابنة سيّدة بيتها ومجتمعها إلى يومنا هذا حيث استطاعت أن تساهم في مختلف مجالات الحياة.

إذا حاولنا أن نتصفّح تاريخنا القديم أو الحديث سنجد أمثلة كثيرة، ومنهنّ حفصة أو “حبسة” خان النّقيب التي سطّرت اسمها في تاريخ العظماء والخالدين بأحرف النّور والمصداقية.

ولدت حبسة خان نقيب عام 1891 وهي، ابنة النّقيب معروف البرزنجي وابنة عم محمود البرزنجي ملك كردستان العراق حينها وزوجة الشّيخ قادر الحفيد.

 

حياتها الشّخصية والاجتماعية:

 

عندما أدرك والدها وعائلتها منذ طفولتها أنّها تتمتّع بذكاء ونباهة اهتموا بها كثيراً، كما أدركوا أنّ الرّيادة والسّيادة يليقان بمقامها، وقد ازدادت قوّة شخصية وصلابة رأي وموقف حين اقترنت بزوجها الشّيخ قادر الحفيد الذي كان يعرف تماماً ما تحمله زوجته من صفات قلّما يمتلكها النّاس الآخرون.

أنجبت طفلاً، ولكنّها لم تهنأ به لأنّه رحل بعد أن أكمل عامه الأوّل، وبعدها لم تعد تنجب، وهي التي أنجبت الآلاف من البنين والبنات الذين فتحت أمامهم سبل العلم والمعرفة والعمل والحياة الكريمة الهانئة.

 

حفصة خان في مجال السّياسة والمجتمع:

 

لم يقتصر عملها على الجانب السّياسي فحسب، بل اهتمت اهتماماً بالغاُ بالجانبين الاجتماعي والاقتصادي، وجعلت من قضايا المرأة والأسرة من أولى اهتماماتها، لذلك وجدناها تسخّر إمكانياتها الثّقافية والاقتصادية في خدمة المرأة ومساندتها بأن سارعت إلى تحويل دارها إلى ما يشبه المركز الاجتماعي بل ومدرسة خاصة تعلّم فيها النّساء القراءة والكتابة ومختلف أنواع المعرفة والأدب، وتغذيها بالوعي الاجتماعي والقومي، وتحثها على مواجهة الواقع والمجتمع بعاداته وأعرافه السّيئة والبالية تجاه المرأة ونحو معرفة حقوقها وواجباتها والتّخلص من التبعية والتّخلف.

أدركت فيما بعد أنّ عليها أن تكلل جهودها تجاه المرأة بالنّجاح، فأشرفت على تأسيس أوّل تنظيم اجتماعي خاص بالمرأة أسمته “جمعية نساء الكرد” في حزيران من عام 1930م، ويعتبرها المؤرخون أول جمعية خاصة بالمرأة ليس في كردستان فحسب بل في عموم الشّرق الأوسط، وكانت تلك الجمعية النّواة لتأسيس جمعيات واتحادات نسائية في كردستان وعموم مناطق الشّرق.

 

أبرز المواقف المشرّفة لهذه المرأة المناضلة:

 

1- وقوفها إلى جانب ابن عمها محمود الحفيد في انتفاضته الأولى ضد الحكومة العراقية، ساندته بقوة بعد إخفاق الانتفاضة ونفيه إلى الهند على الرّغم من أنّها عانت مع زوجها قادر الحفيد وعائلتها وجميع أفراد عشيرتهم من التّشرد وسوء المعيشة وقلة الحيلة، وعاشت أقسى أنواع الهجرة داخل الحدود الإيرانية إلا أنّها ظلّت قوية وشجاعة، ولم تنل المعاناة من عزيمتها وقوة إيمانها بقضية شعبها وأمتها.

2- وقوفها المشرّف إلى جانب جمهورية مهاباد وقائدها ورئيسها القاضي محمد، ومساندتها للثّورة الاجتماعية والنّسائية التي قامت بها السّيدة مينا القاضي، وشجعتها على تأسيس الاتحاد النّسائي الكردستاني في شرقي كردستان. هذا وقد قدّر لها الرّئيس قاضي محمد ذلك وكذلك السّيدة مينا وأثنيا على جهودها الخيّرة والقيّمة.

3- توجهيها لعدّة رسائل إلى عصبة الأمم وجميع الشّعوب الحرّة أو بالمطالبة بالحرّية عام 1930 للوقوف على أهداف وحقوق شعبها وأمّتها القومية والاعتراف الدّستوري بحق تقرير المصير لهم والضّغط على الحكومتين العراقية والبريطانية للالتزام بعهودهما تجاه الكرد بعدما تنكّرا لها ونقضتا العهود مع الكرد.

4- وقوفها إلى جانب سجناء البصرة الذين كانوا في سجن السّليمانية وتلبيتها لندائهم الموجه إليها بمساعدتهم، فلبت النّداء على الفور وخاطبتهم بالقول:

((اعتبروا نفسكم ضيوفي طيلة وجودكم في السّليمانية واطلبوا مني ما يطلبه الأبناء من أمّهاتهم، وإنّني هنا بمثابة أمّكم إلى أن تقرّ عيونكم بلقاء أمّهاتكم)).

 

وفاتها:

 

لم يستطع الأعداء بقوّتهم وجبروتهم ولا الظّروف بتقلّباتها وغدرها من هزيمتها أو إضعاف إرادتها وعزيمتها، وحده المرض الغدّار “السّرطان” تمكن من التّسلل إلى جسدها وكيانها، فنال منها وكان السّبب في رحيلها عن عالمنا يوم 12 من شهر نيسان عام 1953 وهي في أوج قوّتها وعطائها، وتمّ دفنها في مقبرة سيوان.

برحيلها فقد الشّعب الكردي شخصية من الصّعب ولادة مثلها خلال سنوات طويلة، وهي التي ظهرت في فترة كانت النّساء في عموم الشّرق والغرب يقاومن العنف والاضطهاد، ويحاولن انتزاع الاعتراف بهنّ كبشر يليق بهم العيش الحرّ والرّغيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ كتاب “حفصة خان النّقيب، حياتها ونضالها”، السّيدة درخشان جلال محمود الحفيد، 1999م.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أديبة وناشطة في مجال الثقافة وقضايا المرأة، مواليد مدينة “ديريك” بأقصى شمال وشرق سوريا ومقيمة حالياً بألمانيا، خريجة كلية الآداب- اللغة العربية- من جامعة دمشق عام 1995م، أسست خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين إلى جانب زميلات لها العديد من الجمعيات الأدبية والنسائية الكردية في سوريا. حاصلة على العديد من الجوائز الأدبية المحلية والخارجية. من مؤلفاتها حتى الآن بالعربية: ديوان شعر “حيث الصّمت يحتضر” 2008م، روايات: “عناق القلم لفصول الرّوح” 2017م، “موسم النّزوح إلى الغرب” 2018م، “همسات الذّاكرة” 2020م. وبالكردية: دواوين الشعر: “Perîxana min” 2008م، “Kenê Şanya” 2018م، “Çavên Dil” 2019م،  رواية “(Henasên jîyanê (Koçberîya bê henas” 2019م، كتاب عن الفنانات الكرديات بعنوان (Tîrêjên vejînê).

 

 

 

 

Hits: 4