شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

حكايةُ رمّو والحسناء – إبراهيم سيدو آيدوغان، ترجمة: جوان تتر

87

 

 

 

اليوم الأوّل: “رمّو”(1) يتعرّف إلى جمال النساء:

(كي يرتاح قليلاً، كان “رمّو” قد خرج بعد تناوله الغداء إلى باب البيت، واضعاً كرسيَّاً صغيراً، ودون أن يعرف إلى أين ولمن ينظر. وهو يدخِّن بحزنٍ انتبهَ إلى الشارع البعيد عن السوق الذي نادراً ما يمرّ فيه أحد)…

ضجراً وغاضباً، يكادُ أن يفقدَ عقله، ضيقٌ مُحكَم.

رفع رأسه فجأةً محدِّقاً في الجانب الآخر للشارع.

(في ذاك الجانب من الشارع، لصقَ جدارٍ، ثمَّة امرأةٌ جالسة، مطأطأة الرأس، لعلّها ذات كربٍ عظيم، لذا كانت تبينُ متعبةً هكذا. بردٌ).

انتبه إليها، وحينَ رفعت رأسها -لعلّها كانت منتبهةً إليه كذلك- نظرت إليه، نظراتُها حزينة سوى أنَّها نظراتٌ ليّنة، يخالُ للمرءِ وكأنّه في أحشاءِ وصفٍ تائهٍ، ثمّة عينان سوداوان في وجهٍ ناصعٍ وكأنّ النقاء خُلق لهذا الوجه الجميل، الرموشُ الطويلةُ زينتها ربّما.

انتبهت المرأة إلى “رمو” وبقيت كما هيَ.

(كاد أن يختنق بين تلك النظرات، وكأنّ ريحاً باردةً لسعته، وكأنه بردانٌ)…

ارتخت أكتافه مرَّةً أخرى، تعجّب هو بالذات من نفسه، ضيّقت المرأة عينيها ونظرت إليه، أجل، رمّو كان ينظر إليها، استغرب. نظر حوله، جال ببصره الشارعَ الفارغ.

(ترى إلى ما تنظر هذه المرأة؟!!)

ما مِن أحدٍ هناك…

(لم يكُ ممكناً لـ “رمَّو” أن يراها. لأنه لم يسبق لأحدٍ أن رآها، حتّى وإن عبرت بالقرب من أحدهم أو اصطدمت به فما من أحدٍ يهتمّ لأمرها!)…

رمو رجلٌ سليم، وهي امرأةٌ مطرودةٌ من قومها…

تُرى أرآها رمّو حقيقةً أم أنَّه كان ينظرُ إلى مكانٍ معيَّنٍ، وبمصادفةٍ عجيبةٍ كان المكانُ عيناها؟…

(لم تشأ أن تصدِّق، لأنّه وفجأةً زُرِعَ أملٌ صغيرٌ في قلبها، بيدَ أنَّه أملٌ قويٌّ كعالمٍ كاملٍ.).

جالَ بنظرهِ…

وكأنَّهُ لم يعرفها هذه المرَّة وودّ أن يخمِّن من تكونُ هذه المرأة، أنزلَ وجهه قليلاً منتبهاً إليها…

لا. حدَّق فيها…

(خَجِلَت، لم يسبق لها وأن مرّت بهكذا حالة، إحساسٌ كَذا، إحساسٌ بهذا الشكل ذكَّرها بالحياة، شوقٌ كهذا يقول لها: أنتِ تعيشين!!، فرحٌ منقطع النظير في قلبها، حماسةٌ، نارٌ مشتعلةٌ في حقلٍ، ابتسامةٌ على الشفاه كزهرةٍ نمت حديثاً في سهلٍ بلا حدود، سهلٍ لم يجري فيه بعدُ حصانٌ على ظهره فارس.).

أفلِت اللجام من الأيدي…

لم يفهم رمّو لمَ تنظرُ إليه امرأةٌ وتتبسَّم؟

ثمَّة أصواتٌ تأتي من الحوش، صوت خطوات أمّ رمو…

أقبلت هي أيضاً واقتعدت حجراً أمام الباب…

تنفّست الصعداء، وحينَ شكرت ربّها، توجّه بصرُها إلى ابنها.

(كان رمّو قد تجمَّد في مكانه ناظراً إلى جانب الطريق، العين والانتباه مشدودان نحو مكانٍ لا مرئي، لكنه يبدو للناظرِ وكأنّه يراقب شيئاً ما)…

انتبهت المرأةُ إلى الجدار، فراغٌ.

إلى أين كان ينظرُ هذا الولد؟

(كان واقفاً وكأنّه يستعدّ للانقضاض، بدنهُ ثابتٌ لا يتحرَّك، تُحَدِّقُ العينُ في شيءٍ ما كطيرِ بازٍ ينتظرُ فريسته، نظراتٌ محتارة سوى أنَّها ليّنة).

قالت أمّه بهدوء وهي تهزُّ بيدٍ ركبة ابنها:

رمّو…!

لم ينبس “رمّو” ببنت شفة، وكأنّه لم يسمع صوتها، وكأنّه ليس في هذا العالم، تكلَّم الحجر وهو لم يتكلَّم…!!

حامت الشكوك، هزَّت مرَّةً أخرى ركبته بقوة:

(رمو، ما بكَ يا بنيّ؟!)

انتبه لنفسه، جفل كمن يستفيقُ مرتعداً من حلمٍ.

التفت إلى العجوز التي نادته هازّةً ركبته فيما ذهنه لا يزال متعلّقاً بالمرأة الجالسة لصق الجدار.

لم يتعرّف إلى أمّه، نظر إليها كمن لا يعرفها البتَّة، وجهها المليءُ بالخطوط العميقة، الوشوم التي على ذقنها وجبهتها، عيناها المكحّلتان.

هزّته أمّه مرَّةً أخرى:

قالت بخوفٍ: “ما الذي دهاك يا بنيّ؟!!”

وكمن ينفضُ عن نفسه شيئاً، اهتزَّ، عرفها، ارتجفت شفتاه، تجمَّدتا…

وكأنّ ريحاً تضرب صوته:

قال: “ماذا يا أمّاه؟”

رفعت أمّه يدها في وجهه وردّت عليه بغضبٍ:

(خُراء، كيفَ ماذا؟ منذ الصباح وأنا أناديك وأنت لا تسمعني، هل فقدت عقلك؟)…

كانت دماغُ رمّو مشوَّشَةً:

لا أعرف! ماذا فعلتُ؟

أشارت أمّه إلى الجدار قائلةً:

عيناك كانتا تحدّقان في هذا الجدار، ظننتُك غدوتَ حجراً!

(لم يفهم رمو مرَّةً أخرى، التفت إلى حيث الجدار، كانت المرأةُ لا زالت هناك منتبهةً إليهما وتسمعهما)…

ثار على أمّه قائلاً: ما الذي تتفوّهين به؟ أيُّ جدارٍ فارغٍ؟ هل أنتِ عمياء؟!!

لم تتكلّم أمّه، صمتت، ركَّزت بصرها في المكان الذي كان ينظر إليه ابنُهَا قبل قليل فلربمّا يكون ثمّة شيءٌ هناك فعلاً، لكن لأنَّها لم تنتبه جيّداً فلَم ترَ أحداً…

نظرت مرَّةً أُخرى، لكن لم ترَ شيئاً!، ولأنَّها لم تفهم من حال ابنها وكانت تودّ فهم ما يحصل، آلمها رأسها.

عادَت بنظراتٍ حادَّة أكثر من ذي قبلٍ إلى ابنها، اختلطَ السؤالُ والانزعاج-الانزعاج أكثرَ-لتصرخَ في وجهه:

أتسخرَ منّي يا ابنَ الكلب؟!!

لم يفهم فانزعجَ هو الآخر:

أرجوكِ، كُرمى لله يا أمي دعيني وشأني، الآن يحقّ لي أن أغضب، ألّا ترَين تلكَ المرأة؟!

قال ذلك وهو ينظر إلى المرأة الواقفةِ أمام الجدار مشيراً إليها.

كانت عينا المرأة وكأنّها تتوسَّلان إليه، اسكُت، فلتكفّ عن القول: كُرمى لله، لا تدع أحداً يسمعُ بي أو يكتشفَ أمري.

سمعَ صوت والدته مرَّةً أخرى، فغضِب أكثر:

أتحلم يا بنيّ؟!!

(يسأل رمو نفسه، لا يملكُ جواباً، يجول بنظره بين أمِّه والمرأة، يعود إلى أمّهِ ثانيةً وهي غاضبة جدَّاً ونظراتها محتدَّةٌ أكثر)

لا، والدته لا تمزح.

التفت إلى المرأة، لا زالت في مكانها وقد أرخَت رأسها كمن يوشك أن يبكي، وتنظر إليه.

(ما هذا يا إلهي، سوف أُجَنّْ) …

رفعَ يده نحو المرأة ملتفتاً إلى والدته مُستفسراً:

أَلَا تَرين هذه المرأة؟

تأوَّهت والدته ضاربةً يدها على ركبتها.

تعالوا وانظروا إلى ابني الذي فَقَدَ عقله! قالت. ومن ثم نهضت…

توجَّهت غاضبةٍ نحو الداخل، سوى أنَّ صوتها لا يزالُ يتناهى إلى الأسماع:

هكذا حالُ المرء، حين يتقدَّمُ في العمر يغدو أضحوكةً للمراهقين.

(رمّو يودُّ أن يفهم، يحاول، لكنّه يخفق)…

لا، ثمّة أشياءٌ عجيبة، بيدْ أنّه لا يفهمها…

(المرأةُ المُقابلة له لا تزال في مكانها دون أن تتحرَّك، تنظرُ إليه، تتدحرجُ الدموعُ من عينيها، تومِضُ تحت ضوء الشمس، عيونها السوداءُ تومِضُ، تزداد سُمرتُها جمالاً مثل صورةٍ…).

مرّ رجلٌ بينهما، رفع يده مُلقيَاً التحيَّة..

لم يردّ عليه “رمو”، توقَّف الرجل منتبهاً إليه، نظر إلى حيث ينظرُ.

يا إلهي. !!!

اتجّه نحوه ضاحكاً

(لم تعد تردّ السلام أيضاً يا رمو؟)

لم يتكلّم!، شكَّ به الرجلُ فأمالَ جذعه قليلاً ناظراً إلى حيث ينظر رمّو.

(ما بك يا فتى تنظر هكذا إلى جدارٍ فارغ؟)

رفع رمّو رأسه ناظراً إلى وجهه، خافَ الرجلُ من نظراته.

شدَّ على أسنانه وصرخ:

اذهب من هنا، هيَّا…

انفعلَ الرجل. أشفق على نفسه. احتارَ في أمره:

“ما بكَ يا رمو، ما هذا الذي تتفوَّه به؟”

ردّ عليه رمّو بغضبٍ أشدّ ونظراتٍ حادَّة: قلت لك ابتعد واذهب إلى حالِ سبيلك…

حاول الرجل أن يفهم، لكنّه اعتقد أنّ رمو منزعجٌ من أمرٍ ما لذا فهو غاضب، فلم يشأ أن يتكلّم..

(فليكن لك ما تريد يا رمّو) …

(انزعج من رمّو كثيراً، سلكَ الطريق ومشى، وإلى أن ابتعدَ كان يلتفت إليه إثرَ كل خَطوةٍ يخطيها)

كان رمو لا يزال ينظر إلى المكان القديم نفسه محدِّقاً دونما حركةٍ. بعد لحظاتٍ نهض متوجِّهاً نحو المرأة وهو لا يزالُ ينظرُ إليها، تكوّمت المرأةُ على نفسها خائفةً، (لكن على الرغم من ذلك لم تُشح بنظراتها عنه).

توقّف أمامها، تفرَّس في وجهها كمن يتفرَّجُ على شيءٍ ما.

(كانت أمّه قد صعدت إلى سطح البيت، وحين نهض متجّهاً نحو الجدار انتبهت إليه، وبقيت هكذا تراقِب)

مدّ رمّو أذنيه نحو المرأة كمن ينتظرُ جواباً وقال: (من أنتِ؟)

سألَ مرَّةً أخرى:

(ما هيَ الحكاية؟)

أضافَ:

(لِمَ لا يراكِ أحدٌ غيري؟)

ابتلعت المرأةُ ريقها.

(كانت دموعها قد توقَّفت)

بصوت رخوٍ كمن لم يتكلَّم منذ دهرٍ، بخوفٍ ردَّت:

أَتراني أنت؟

حارَ رمّو فيما يقوله هذه المرَّة، فقال متوسِّلاً:

أتسخَرون مني كلكم اليوم؟

(تفحّص ما حوله، دون أن يعرف عمَّا يبحث)

بدأ بالثرثرة دون توقَّف:

“هل أنتِ حقيقة أم حلم؟، قولي شيئاً لأجل الربّ!”

تدحرجت دمعةٌ أخرى من عين المرأةِ…

“أنا حقيقةٌ يا رمّو، لكن أنا أيضاً لا أصدِّق ما يحدث”..

ردّ عليها رمو على الفور ولكن بصوت ليِّنٍ أكثر: (كمن لا يودُّ أن تنزعج المرأة من طريقة كلامه)

“أجل، ولكن لِم لا يراكِ أحدٌ؟”

انتبه إلى فمها، مراقباً الكلام الذي سيخرج من بين شفتيها القرمزيّتين الناعمتين..

لم يعد يحتمل فتوسَّل إليها:

أرجوكِ أن تتحدّثي، لا تلوكي الكلامَ داخل فمكِ…

أوشكَ قلبه أن يتوقّف من الهيجان، كادَ نفادُ صبره أن يسقطه أرضاً..

قالت المرأة: “رمّو، حتّى وإن قلت لك فلن تفهم شيئاً ولن ترضَى”…

قال رمّو: “فلتتكلّمي… أرجوكِ تكلّمي”..

قالت المرأة: “رمّو، دعني وشأني، لن تفهم منّي حتّى وإن قلت لك”..

ضرب يداه على ركبتيه (كيلا يصرخَ، يعتقد المرءُ أنَّهٌ قد حَجَزَ صوته في فمه!)..

سوف أُجنّ، قولي يا امرأة قولي، وليحصل ما يحصل، لقد فقدتُ قدرتي على التحمُّل، أكادُ أن أبتلع مخّي، هل أعضُّ روحي؟!..

أمسكت به المرأة قائلةً: “آه، كنتُ أتمنّى لو أن تُحَلّ المسألة بشيءٍ من تلك الأشياء التي ذكرتها”..

نادته أمُّه:

ما الذي تفعله يا ولد؟، أتتحدَّثُ إلى نفسك؟

“قولي يا امرأة، قولي، يكاد رأسي أن ينفجر” قال رمو…

(كانَ صوتهُ كَرِبَاً)

فجأةً رفعت رأسها وهزّته قائلَةً بغضَبٍ: “قلت لك، لن تفهمَني، قلت لك لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال، دعني وشأني”.

آلمه قلبهُ، شدّ على أسنانه، رفعَ رأسه نحو السماء متنهّداً، ومن ثمّ عاد إليها مجدَّداً بنظراتٍ حادَّة ولكن متوسِّلاً إليها مرَّةً أخرى من كلِّ روحه:

“قولي، وليُقبِل موتي بعد ذلك، أكادُ أن أنفجر”..

هزَّت المرأةُ رأسها مرَّةً أخرى.

قالت: “نحن لا نليقُ لبعض، عقلي أيضاً لم يعد يحتمِل، لا نليق لبعض، فلِمَ تدنو منّي؟، فلتفقأ عيني، فلتنبت أشواكٌ داخل بطني، دعني وشأني، نحن لا نليق لبعض).

(حزيناً، ضرب بيده خفيفاً على صدره كمن يغنّي أغنيةً قديمة) قال أيضاً:

“أرجوكِ قولي، يا حبيبتي قولي، هل أنتِ جنيَّةٌ أم حوريَّة؟، فلتُهدمُ الحياةُ فوق رأسي، وتجتمعَ عليُّ كل العشائر، قولي، قولي، كُفّي عن إيذاءِ قلبي وتكلَّمي.”

(حين كان رمّو يتحدّث، كانت أمُّهُ قد وصلت إلى طرف سطح البيت، لم يكُن يسمعُ صوتها) …

“تعالَ إلى الداخل يا فتى، سيتجمَّع الناس علينا”…

طأطأت المرأةُ رأسها، عيناها في الأرض، وهي تهزُّ برأسها.

“كفى يا فتى، يا حبيبي كفى، أنا لستُ حوريَّة، قلتُ لك يا فتى نحنُ لا نليق لبعض، حتَّى إن أتت العشيرةُ لن يكونَ بمقدورها أن تكونَ الدواءَ، فلتدعَني وشأني، حالتي سيِّئة، فلتدعني وشأني، لا أقوى على الحديث، فلتدعني وشأني، أنا لست بشريَّةً، دعني وشأني حالتي مزرية، اتركني، فمي لا يقوى على الكلام، لستُ بشراً، أوَّاهُ… اتركني وشأني، أتوسُّل إليك”.

فقد رمّو طاقته، لم يعد يقوَ على فعل شيء، فَقَد عقله وارتخت روحه وركبتاه، بالكاد يتمالك نفسه على قَدميه.

(ما الذي تتفوَّهين به أيَّتها الغريبة؟، أنا أراكِ وأنتِ كذلك، أعيوننا تكذب؟!، هل تكذبُ الشمسُ؟!، يا خائنة، كيف تقولين إنك لستِ بشراً، أيَّتها الكاذبة؟!!).

لم تتمالك المرأةُ نفسها، هزَّت برأسها مرَّةً أخرى قائلةً:

“يا ولد، قلت لك ولم تفهم، أكادُ أموتُ من شدَّة البكاء ولم تفهم، قلت لك أنا لا أشبهك ولم تفهم، قلتُ نحن لسنا لبعض ولم تفهم، قلت أنا لستُ بشراً ولم تفهم، أنا امرأةٌ منفيَّة، امرأةٌ مُبعدةٌ عن رفِّ الأصدقاء، نحن لسنا لبعضٍ أيَّها الكريم، اتركني واذهب في طريقك، نحن لا نصلحُ لبعض، تنحَّى جانباً، أتوسُّل إليك دعني وشأني كرمى للربّ”..

تفرَّس بها رمّو. (تُرى أهي حقيقةٌ أم كذبة، لا يعرف، ولكن لِمَ لم يرها أحد؟)، تبعثر دماغه من كثرة الأسئلة، لم يعد يقوى على الكلام، بقي أسيرَ فراغٍ ما كمن وقع في الجذب يروحُ ويجيء.

قال: “يا فتاة، إن كنتِ جنيَّةً أو حوريَّةً، حلماً أم خيالاً، حتَّى وإن كنتِ موتاً، فلتكوني ما تريدين، لكن لا تقولي لا نصلح لبعض! لا تقولي دعني وشأني، هذه الكلمات لا تليقُ بفمكِ)…

قالت المرأة: “ما الذي بوسعي فعله أيُّها العزيز؟، قلتُ أنا مسكينة مبعدةٌ عن رفّي، قال قائدنا: سنرميكِ إلى الذئابِ لأنَّك حسناء، قال: لأنَّكِ أجمل نسائِنا سنرميكِ إلى الذئاب، قال: يسأمُ الرجالُ زوجاتهم على إثر جمالكِ، لذا سنرميكِ إلى الذئاب، لم أقبل بذلك ووقفت ضدَّهم، رفضتُ وهربت، ما الذي ستفعله بي الآن؟ أنا خروفٌ دنا السكِّينُ من عنقه، طعامُ الذئاب المفترسة، لا أريدُ أن أسبّب لك البلاء وأحمل إثمكَ، اتركني وشأني.”..

(شُلّ قلب رمّو، لم يبقَ مكانٌ للدمِ من الأوجاع)

قال رمو: “آهٍ يا فاقدة القَدَر، يا مسكينة، يا أجمل النساء، نساء من هم أفضلُ منَّا(2)، لكنني قلت: فلتكوني ما تكونين، حتَّى وإن كان يلاحقكِ القصاصون والذئاب أيضاً، فأنا رمّو أيَّتها الفتاة، من الآن وصاعداً عشيقكِ، فمُذ رأيتكِ وأنا على مقربةٍ من الموتِ عشقاً، أتعتقدين أنّني سأتركك فريسةً للذئاب؟”..

في تلك الأثناء كانت الأمّ التي على السَّطح قد أدركت حال ابنها، ركضت إلى أمام باب البيت، كانت تركض، وصلت إلى جانب رمّو الذي يتحدّث إلى الجدار!، أمسكت بكتفه وشدّته إلى الخلف، دفعها رمّو عائداً إلى رفيقته، حاولت الأمُّ مرَّةً أخرى ثمّ أجهشت بالبكاء.

” آه يا ولدي، يا حبيبي، لا تفعل ذلك، أنا أمّكَ، لا تفعل ذلك، عُد إلى رشدك يا ولدي، ففي أيِّ مكانٍ يوجد من يتكلّمُ إلى جدارٍ؟، لا تفعل ذلك، فلنعد إلى البيت، انظر لقد بتنا سخريةً، اجتمع الناسُ حولي وحولك، انظر، يقولون أنّ رمّو ابن (وسيلة) قد فَقَدَ عقله، إنّهم يسخرون، أنت لستَ في وعيك، هم لا يعرفون ذلك، إنّه حلمٌ يا ولدي، لا يوجد أحدٌ إلى جانب الجدار، فلنذهب إلى المنزل يا حبيبي”.

(عادَ رمّو إلى وعيه، جالَ بنظره، تجمَّعت الناس أمام الأبواب، بشرٌ يعرفهم وآخرون لا يعرفهم، غرباءٌ، جيران، كبارٌ في العمر، صغار، رجال… ما الأمر هل ثمَّة عرسٌ ها هنا؟!، تجمّعت الناس فوق الأسطح وأمام الأبواب، يعتقد المرءُ أنّ العالم قد أُفرِغ من البشر وتجمَّعوا كلهم هنا).

نظر إلى أجمل النساء (كانت المرأةُ تنظر إليهِ أيضاً)، مدّ يده إليها بيدْ أنّ والدته منعته عن ذلك، رفع رمّو يده الأخرى، فمدّت أجمل النساء أيضاً يدها، منعته أمّه وجرَّتهُ نحو البيت (ومعه فاتِنتهُ).

لم تتركه أمّه إلى أن غطَّ في النوم، أراح رمّو رأسه على صدر عزيزته ونامَ…

(ارتخى في حضن حبيبته اللا مرئيَّة).

 

اليوم الثاني: حينَ جُنَّ رمّو:

 

في اليوم التالي زاره إمام الجامع الكبير ونظرَ إليه، لم يكُ رمّو اليوم كما كان في الأمس، عقله معه ويعَي كل ما يجري حوله، قبّل يد الإمام وجثا أمامه، انتبه الإمامُ إلى حديثه (الحديثُ حديثُ رِجال، لكن ليس هذا ما يودّ الإمامُ أن يسمعه!).

كان يقول: “أيُّها المعلِّم، أرجوك أن تصدِّق ما أقوله لك، ولا تسخر منّي كما يفعل الآخرون، أمّي تبكي لأجلي وتقول: ابني فَقَد عقله، أنت لا تقل ذلك، صدِّقني أرجوك”.

تشهّد الرجلُ وقال: “فلتقُل يا بنيّ لِم يقولون عنك ذلك لكي أعرف، كلّي آذانٌ صاغيةٌ لك”.

قال رمّو: “هل ستتيقّن أنني لستُ مجنوناً، ها أنت تراني في كامل قوايَ العقليَّة جالساً أمامك، هل حالي يماثل حال المجانين؟”

قال الإمام: “أعوذ بالله من الشيطانِ الرجيم!”، مضيفاً: “يا بني، أنا أيضاً أراكَ في حالٍ جيَّدة، لكن تفضّل قل لي كي أفهم ما هيَ حالتك؟”

قال رمّو: “وحقِّ قرآن الله الكريمِ أقولُ ولكن ما من أحدٍ يصدِّقني، رأيت امرأةً مستندةً إلى جدارٍ جوار منزلنا، قلتُ ذلك، لكن لا أحد رآها، أّمي لم ترَها، كلُّ من راقبني لم يَروهَا، حدَّثتني المرأةُ عن حالها وأصغيت إليها، تسلّلت نظراتها إلى أعماقي فوهبتها قلبي، تحدّثت عن نفسها، أشفقتُ عليها فوهبتها قلبي، قالت أنّها لا تشبهنا، إنّما هي أجمل نساءِ نوعها، رموها إلى الذئاب على إثر جمالها الأخَّاذ، فهربتُ آتيةً إلى هنا”.

(قرّب الإمام إذنه مُصغياً له باهتمامٍ شديد)…

قال رمّو: (وهبتها قلبي، يا عمّي الإمام، وتزوّجنا وأصبحت امرأتي)…

باغتَهُ الإمامُ بصفعةٍ قويّة أبرقت عيناه معها واحمّر أذنه، (توجّع قلب رمّو، فقدَ الأمل، لم يدافع عن نفسه)، صفعه الإمامُ صفعةً أخرى، (لم يدافع عن نفسه مرَّةً أخرى)، غضب الإمام منهُ أيَّما غضبٍ، بدأ يضربه صارخاً، نادى الرجال ليتكوّموا عليه فأبرحوه ضرباً، فَقَدَ رمّو قدرته على التحمُّل، صرخ ونهض، فضرب الإمامَ ضربةً قويَّة وبدأ بالآخرين الذين هربوا منه فلحقهم، هربَ الرجالُ نحو الشوارع واحتموا بالمساجد، عادَ رمّو إلى أجمل النساء، إلى محبوبةِ قلبه، إلى زهرة قلبِ المجانين.

 

الأيّام التالية: ربطوا رمّو بالسلاسل:

في اليوم الذي يلي جلبوا له شيخاً، سوى أنَّه لم ينفع، أمسكوا بيديه وأخذوه إلى الأولياء دونَما نفعٍ كذلك، كان يهربُ من البيت نحو البراري ولا يعودُ منها أحياناً إلى مطلعِ الفجر، باتَ لقبه (مجنون الليالي) وذاع صيتهُ.

حين يأتي إلى المنزل يقومُ الرجال بتقييده، في البداية لم يدافع عن نفسه، لكن بعدها كان يصرخُ:

“آه… دعوني وشأني، سوف أذهب، زوجتي تصرخ، دعوني أذهب، الذئابُ المفترسة وأبناء آوى اجتمعوا عليها، فلتتركوني سوف أذهب”.

لم يكن ليفلَت من قبضتهم، يحاولُ مراراً بيدَ أنَّه يفشل، كانت حالته تُبكي الموتى لكنّهم يمنعونه.

(يأتونَ إليه كلَّ يوم، يستغربون كيفَ نجا بنفسه من السلاسلِ ولاذَ بالفرار!!، لتبدأ رحلة البحث عنه حتّى اليوم التالي دون أن يعثروا عليه، لم يكتشف أحدٌ أينَ يغيب، لا رائحةَ له ولا جثَّة، يكادُ المرءُ أن يرتابَ بأنَّه قد تحوَّل إلى غبارٍ وارتفعَ عن الأرض!).

حين يأتي، يشهر سكّينه المدماة في وجوههم قائلاً لهم:

(تهاجم الذئابُ المفترسةُ زوجتي، إنّها تصرخ، سوف أذهب لمحاربة تلك الذئاب، وفي بعض الأحيانِ أدخلُ بين الجان وأهاجمهم بالسكّين)…

(لم يصدِّقهُ أحد، لكنّهم ذُهِلُوا من السكينِ المدماة، نساءُ الحيّ صرخْنَ على إثرِ حكايته)

(انتشرت قصّته مع الحسناء رويداً رويداً، ذاع صيتُ حربه مع الذئاب المفترسة، بدأ المغنّون يؤلّفون أغانٍ عن حربه مع الذئاب المفترسة والجان لأجل جميلته).

وفي كلّ مرةٍ يقبل فيها يعاودون لفّ السلاسل حوله عقدةً إثرَ أخرى، في كلِّ مرَّة تراوده الحالةُ العنيفة فيضاعفون من أعداد عُقَدِ السلاسلِ حول بدنه.

(كان يتمكّن من الهرب!!، لم يعرف أحد كيف له أن يفعل ذلك، ينظرون دائماً إلى السلاسل مشدوهين ومن ثمّ تتعقّد حيرتهم أكثر).

 

اليوم الأخير: الذئاب المفترسةُ تجتمعُ حول الحسناء:

 

كان مقيِّداً أيضاً ذلك اليوم، تناهى إلى سمعه صوتٌ لم يسمعهُ أحدٌ سواه، قرّب أذنه وسمعَ، كادت عيناه تهربانِ من وجهه!، زوجته كانت تصرخُ مستنجدةً، حاولَ أن يُفلَت من السلاسل بيدْ أنَّه فشل، اجتمعَ عليه الرجال، توسَّل إليهم، لكن منعوه، حاولَ مرَّةً أخرى ومنعوه أيضاً، أجهش بالبكاءِ ومنعوه!

قال: “آه… اتركوني إنّهم يقتلون زوجتي”، لكن لم يدعوه وشأنه…

قالَ: “آه… اتركوني أذهب، لقد قتلوا زوجتي” لم يدعوه وشأنه أيضاً…

أدمعت عيونُ الناس على حالته، انتحبت النسوةُ مشفقاتٍ عليه، لكن لم يفلتوه… كلّما تمكّن من فكِّ سلسلةٍ قيَّدوهُ بأخرى.

كلّما أخفقَ في إفلات نفسه من طبقات السلاسل الضخمةِ المفتولةِ حوله التهمت الذئاب المفترسة قطعةً من لحم زوجته… لم تتوقّف صرخاته التي آلَمت من حوله إلى أن استلقى على الأرض متعباً ومنهكاً، توقّف قلبه عن الخفقان، توقّفت عيناه عن تفحِّص مَن حوله وأُغمي عليه، صمتت الحسناءُ المُحتارَةُ أيضاً.

“يكفي، اتركوه، دعوه وشأنه، فلتكفّوا عن تعذيب قلوبنا، نكادُ نموتُ من الألم، فليذهب إلى أيّ مكانٍ يريده، يكفي”… قالَ الناس:

(حين استعادَ وعيه، أجهش في مكانه بالبكاء محتاراً، اعتصرت قلوبُ الحاضرين، تركوه وشأنه)

فرَّ مسرعاً كطلقةٍ لمجرّد إفلاته من السلاسل، سالَ اللعابُ من فمه على إثر الغضب، قدمُه كقدمِ سلوقيٍّ، خطواتهُ كخطواتِ نمرٍ وقلبهُ قلبُ أسدْ…

(لم يعُد إلى أن حَلَّ المساء).

 

نهايةُ الأيَّامِ والحكايات: تراجيديا

 

حينَ عاد كان يحمل بين يديه جدائلَ المرأة، كانَ يبكي، لم يفهم أحدٌ سرّ تلك الجدائل، رمّو كان يبكي…

قال: “آه… قلتُ لكم ولم تصدّقوني، أريدُ أن أموتَ الآن!، كنتُ أقولُ لكم ولم تصدّقوني، انظروا لقد التهمت الذئابُ زوجتي وتقاسموا حتّى عظامها فيما بينهم، قلتُ لكم، لم تصدّقوني، انظروا لم يتبقَّ منها سوى هذه الجديلة، قلتُ لكم لم تصدّقوني”…

عيونُ الجميع كانت مثبتةً على الجدائل، لم يرَ البعضُ في حياتهم مثلها، صدّقه البعضُ بعد أن رأوا الجدائل وأجهشوا في البكاء.

التهمت الذئابُ زوجته، بكى معهُ الناس…

انتشرت حكايةُ رمّو وصبر القلوب بشكلٍ حزين، لم يتوانى المغنّون عن وصف حالته، وضعوا أياديهم على وجوههم وغنّوا، غنّوا ما في قلوبهم وأفرغوا ما في جُعَبِهِم دون أن يتكاسلوا، لم يقوَ الرجالُ في مضافات القرى على تحمُّلِ ألمِ الحكاية، انتفخت عيونُ النساء من البكاء في الطرف الآخر من الغُرِف).

رمّو كان يبكي، يبكي، ويبكي، جالَ صوته في شوارعِ المدينةِ بأكملها…

(سردوا الحكايةَ للأطفال كي يناموا، سوى إنّهم لم يصدِّقوها!) …

كان رمّو يتحدّث إلى تلك الجدائل، يضمّها إلى صدره باكياً، صارخاً، لم يجرؤ أحدٌ على إيقافه.

(فَقَدَ الناس قدرتهم على الاحتمال، خجلوا، خجِلَ كُلُّ ذي عقلٍ من نفسه)…

رمّو كان يبكي ويبكي. (جمع الناسُ أغراضهم ورحلوا بسبب صوته)…

(فرِغَت المدينةُ رويداً رويداً، وكل من ذهبَ روى حكايته، لكن ما من مصدِّقٍ)…

انتشرت الحكايةُ…

(ماتت أمّهُ حزناً، رحل الجميعُ من هناك، وفعلت الدنيا ما تشاء) …

استمرَّ رمّو في بكائه إلى اليوم الذي التحق فيه بالبراري، ضمّ جدائل زوجته إلى صدره وصرخ.

(يُقال أنَّ رمّو ظهر أكثرَ من مرَّةً وفي أكثر من مكانٍ مختلف!).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ــ رمّو: اسم علم مذكّر – جرت العادة لدى الكرد في تحوير الأسماء وتخفيفها: (رمضان= رمو)، (مصطفى = مجّو). إلخ… وتستند هذه القصَّة في أسلوب سردها على طريقة (الأغنية الشعبيَّة الكرديَّة) من خلال المناداة الكثيرة. (المترجم).

2ــ المقصود بـ (نساء من هم أفضل منَّا) أي “الجان”، حيث جرت العادة ألَّا يتمّ ذكرهم خوفاً. (المترجم).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*جوان تتر: كاتب ومترجم وصحفي، مواليد عام 1984م في عامودا، صدر له مجموعتان شعريتان: “هواءٌ ثقيل” و”بيَدَي مُراهق وقلبِ عجوز”، ومجموعة نثرية: “كتابُ الأشياء” بمنحة من مؤسسة المورد الثقافي، من ترجماته: رواية “حين تعطش الأسماك” للكردي حليم يوسف عن مسعى للنشر – مكتبة لوتس عام 2020م، يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.

 

Hits: 11