شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

قلبي على ولدي وقلبه على وطن – ليلى خالد

46

 

 

ولِدَ بقلبٍ عاشقٍ منسوجٍ من أليافِ الوطن، ترعرعَ على صدرِ أمّهِ الوطن، فكانت تدندنُ وتهندسُ الكلماتِ لترسمَ له مستقبلاً جميلاً ومشرقاً.

تمرُ الأيامُ والسنونُ ويقبل ربيعَه الخامسَ عشر وثمارُ الشباب بدأت ظاهرةً على جسده النحيل، لينتفضَ شاباً وسيماً رشيقَ القامةِ عامرَ الصدرِ يبزغُ من عينيه نورُ النباهةِ وفصاحةُ البلاغةِ، وعلى عقدةِ حاجبيهِ استوطنتْ علاماتُ العزيمةِ والإقدام.

حلب…. 2012

مدينةُ الشهباءِ، التي تربعت بقلعتها على عرش الحضاراتِ..

تقتحمُ المدينةَ مجموعاتٌ من المأجورينَ يلتفون حولها، وكأنهم ذئابٌ جائعةٌ بانتظارِ فرصةٍ للانقضاضِ على فريستهم، حوطوها  بحلقةٍ من نار، وبدأ الخطرُ يحاصرُ المكانَ من كلّ الجهاتِ، امتلأتْ الأحياءُ بدمى الكترونية تتحركُ بأيدي أجندةٍ مجهولةٍ، تقتلُ، تحرقُ، تهجّرُ، وتخطفُ مقابلَ حفنةٍ منَ  المالِ.

بدأ الخوف يستوطن قلبَ الأم وترتفعُ ألسنةُ النارِ في حشرجةِ صدرِها ويلتهم ما بداخلهِ من قلبٍ وروحٍ بلظى الندوبِ المستقبلية.

الأم (جيان) تردد متلعثمةً: ما هذا بحق السماءِ وما هذه المخلوقاتُ، هل هنا كعبتهم المقدسة ؟! أم فيها وجدوا قدسهم الضالة ؟!

الخوف والقلق يلتهمان فؤادَ الأم وتناجي الله: رباه ولدي (ديار)..

هذا الولد يستنشق الوطنيةَ في شهيقه وزفيره، فهو منذُ الصغرِ يميل للأناشيدِ الثوريةِ ويختلس من هذا وذاك ما يدور من حواراتٍ ونقاشاتٍ سياسيةٍ. بدأت وتيرة فضوله تزداد في هذه المرحلةِ الحساسةِ، وبدأ الغموض يسيطر على وجهه وكَثُرَتْ أسئلتُهُ حول مجرياتِ الأحداثِ وما يجري من انتهاكاتٍ للأعراض وسبي النساءِ وقتلِ الاطفالِ.

وجهت وجهها للقبلة ورفعت ساعديها للسماء قائلةً: يا ربُّ احمهِ لي وأبعد عنه الغربانَ يا قدير.

يخترق صوت ديار مسمعَها وهو يتحدث مع رفاقه، هي لا تهتم لحديثهِ، لكنّها شعرت بالاطمئنان لمجرد سماعها لصوته، تُردد: حمداً لك يا الله إنه هنا، وهو بخير، لكني أخشى أن يوسوس له رفاقُ السوء ويزجوهُ في طريقٍ ملتويّ فيه تعرجاتٌ شريرةٌ وخطرةٌ، فالشبابُ لهم أجنحةٌ يطيرون بها الى خيالاتٍ منسوجةٍ من الأوهام.

يقاطعها صوت ديار: أمي انظري الى هذه العصا، كم هي متينة، إنها لي

 

الأم: عصا؟!! وما حاجتُك للعصا يا ولدي؟

ديار: سألفها بشريط لاصقٍ وأحملها معي لأواجهَ كلَّ من يتجرأ من الاقتراب من حيّنا الصغير، سيكون سلاحي في الدفاع عن نفسي وعن (جبل السيدة).

أنقبض قلب الأم ككماشة في يد حدادٍ وازدحمت الأفكارُ في رأسها كطريقٍ ريفي فرعي مزدحم لا شاخصاتٌ فيهِ، غلبها الوهنُ والعياءُ وانتصبت أمام عينيها أفكاراً سوداءَ وتعالت كما يتعالى الدخان من فوهة بركان قبل ثورانه.

كيف أحميه؟! ما عساي أفعل؟ كيف ابعدُه من هذا المكان الذي بات كالهاوية وغدونا على حافته؟.. ساعدني يا الله!!.. تتوسل جيان للرب وبريقُ عينيها كشظايا الزجاج المحطمِ، يتسلل لمسمعها صوتٌ يناديها من خلف الباب: جيان عزيزتي جيان افتحي الباب أنا سمر.. وبسرعة تُجفف جيانُ دموعها بكُم قميصها الخمري المشقوقِ من جهةِ الزر الثاني. تنهض جيان ومازالت نجوماً تتلألأ في مقلتيها وعلى كبد وجنتيها، تهرول وتفتح الباب.

سمر: مرحباً يا غالية.

جيان: أهلاً بك عزيزتي.

سمر: ما بالك جيان؟ هل أنتم بخير؟!.

جيان: نعم عزيزتي الآنَ كلنا بخير لكن….فيما بعد لا أعلم هل سيحتضن الربيع أحلامنا أم ستتناثر على حافة طرقاته..

سمر: أنا أشعر بما يقلقك يا جيان..

جيان: ديار يا سمر أخشى عليه من عبث القدر وألاعيبِ بعضِ البشر.

سمر: وأنا أخشى ما تخشينه لذلك جئتك مسرعةً، اسمعيني يا جيان ديار ابني كما هو ابنك، منذُ صغره أعتبره كأحد أولادي لذا سأصحبه معي إلى العراق.

جيان: العراق!! وهل ستسافرين إلى العراق؟ متى؟ وكيف؟ ولِم؟!

سمر: متى؟ وكيف؟ الظروف ستحدد ذلك وأنا سأخبرك.

جيان: ولكن لِمَ؟

سمر: لا داعي للسؤال، لأنك تعلمين أننا فقدنا بوصلتنا في هذه البلاد، وبتنا غرباءَ في حضنِ وطنٍ، حتى الياسمينُ فيه لم يعد ناصعاً كما كان ولم يعد أريجه يملئ المكان، لم نعد نستيقظ على ألحانِ فيروزَ الدافئةِ، أصبحنا نفزع من النوم على وقع خطوات أشباح ٍ تسللوا إلى  أيامنا واغتصبوها، لذا يا عزيزتي سأصطحبُ ديارَ معي لأبعدَه من هذا الجحيم، فأنا أيضاً أخشى عليه من رفاق السوء وأعدك أن أهتم به كابن لي دون أن أفرق بينه وبين أولادي.

جيان: حسناً يا غاليتي سأكلّم والده وأخبرك.

جيان تكلّم والد ديار عما  دار من حديثٍ بينها وبين الجارة ويقررا سفره، لعلّهم يحمونه من هؤلاءِ الغربانِ.

بدأ الفجرُ يشق صدرَ الليلِ واقتربت عقاربُ الساعةِ إلى الخامسة والفراق، تدخل الأم جيان غرفة ديار توقظه من النوم ليشدَ رحالَه استعداداً للسفر، تتفاجأ الأم بولدها لم ينم بعد، وقد طافت دموعُه على وسادته لا رغبةَ له بالسفر، لازال قلبُه الصغيرُ ينبضُ عشقاً للوطن، ترتمي الأمُ وتحتضن فلذة كبدها لعلها تمتص حزنه والحزن قد أوقد فؤادها وأصهر كلَّ أحلامها

يطوي ديار صفحة أحلامه ويتركها على رف الذكريات، يُقَبْل عصاه ويضعه بهدوء في عنبر سريره، ومكرهاً يسافر مع الجارة، لتبدأ رحلتهم الشاقة والمؤلمة في فصل الفراق، فينجرفوا في سيل المهجرين حاملين على أكتافهم حقائب الألم، تاركين خلفهم أحلامهم الضالة في طرقات الذاكرة، وتحلق الذكريات في سمائه وينتحر البوحُ على شاطئ الصمت، وأخيراً يصلون إلى إقليم كردستان. تبدأ العائلة بالاستقرار وسيبدأ ديار بالعمل، لكنه لن يستيقظ بعد الآن على صوت أمه.

الساعة تشير الى الجمر والنصف، الخالة سمر تنادي ديار: هيا يا بني استيقظ لتنطلق مع الخال إلى العمل.

ينهض من فراشه وكأن ألماً انتشر في سائر جسده والوجع قد خنق الصراخَ في صدره، وسيبدأ عمله بجسدٍ هزيل وكأنه أُقتُلِعَ من جذوره ورُمي في صحراءَ قاحلةٍ.

ديار يهاتف والدته بنبرةٍ حزينة تشعر الأم بألمه الذي يمزق فؤادها، في كل اتصال يُردد:

أمي كم اشتاقُ لموطني، لأوكسجينَ بلادي، لتلك الدهاليزِ المعتمةِ، كم أشتاق لصوت البائع المتجول واشتاق  لصوت الجارة وهي تدعوك لاحتساءِ القهوة الصباحية، لأخوتي وللغرفة البسيطة وسريري الذي كان يحتضنني بعد حضنك ويمتص تعبي، أشتاق لجمعة وأحاديثهم الشيقة.

تحبس الأم جيان أنفاسها باكيةً، شيئاً ما بداخلها يتمزق وعلى وشك الانهيار ورغم ذلك تهدئ من ثوران مشاعره وهي توهمه بمستقبلٍ أفضل هناك حيث الأمن والأمان.

تمر الأيام وتمر الشهور. يحلّ شبحُ الحرب على الحي الفقير، هجوماً عنيفاً تشنه وحوشٌ بشريةٌ شرسةٌ لا تعرفُ الرحمةَ ولا تمتُ للإنسانية بصلةٍ، يسمع ديار المصيبة التي حلت بمملكته الجميلة يسرع ويهاتف والدته: أمي.. أمي.. أين  أنتم؟ وماذا حصل؟ ماذا جرى؟ هل كلكم بخير؟

تخفي الأم عن ولدها قصة النزوح المؤلمة من حلب إلى عفرين وتقول: نعم.. نعم يا ولدي نحن بخير، اطمئن، ذهبنا إلى القرية وسنعود بعد أيام وكل شيء على ما يرام أطمئن يا صغيري، يا ولد اشتقت لك.. الأم تشده من حديث الألم

ديار: أمي لن أتفوه بشيء سوى كلمتين (أنا عائد).. وأغلق هاتفه لينهي النقاش.

تمارس الأم جيان طقوس الصبر ودون وعي تروح وتجيء يميناً وشمالاً، يزداد توترها، تجري سيولاً من الدموع لتحفر تضاريساً على وجنتيها وتتمتم في سرها: كيف سيعود؟ كيف؟؟ الحدود مليئة بالغرباء والسفاحين، يا الله!! أجبر قلبي المكسور وأفرد جناح الملائكة على ولدي ويسّر طريقه واحمه لي يا رب.

وبعد أيام قليلة ورغم الخطر الذي يحيط بالحي الأم جيان وعائلتها  يغادرون القرية متجهين إلى بيتهم في جبل السيدة رغم الخطر الذي يحيط في الحي ويزداد يوماً بعد يوم.

تَغَيَرَ ملامح الحي، انطفأت أنواره وغادرت الطيور أعشاشها، وامتلأ المكان بأنفاسٍ غريبة وأشكالاً شبيهَ بالبشر، ذقونهم طويلة ومتسخة، يتجولون في شوارع الحي مع القطط والجرذان، كل شيء قد تغير، منازل مهدومة وأخرى فارغة مفتوحة الأبواب ومسروقة.

“لكن لا بأس” تقول الأم جيان وهي تتنفس الصعداء، عدنا إلى مملكتنا الصغيرة وعادت الروح لأرجاء منزلنا المتواضع، لكني افتقد لقطعةٍ من روحي – ولدي ديار- ترى ماذا يفعل؟ وأين هو الآن؟

ترتفع ألسنة اللهب ليحرق جوفها، إلى أين المفر والنار يشب في أعماقها. تتعالى أصوات المدافع والقذائف ويستوطن الرعب داخل كل فرد يسكن في الحي وفي فلك خيالها تدور كواكب الخوف، فقد غدت هذه البلاد ككتلةٍ من نار. هل ستتحقق معجزة ويصل ولدها بسلام؟!!. وبقلبٍ خاشعٍ دامي وعينٍ دامعة تدعو الرب يحميه.

وفي إحدى الصباحات والساعة تشير الى الحنين واللقاء، ينبض هاتف الأم ويخفق لهفةً كقلب عاشق غار عليه الشوق وغزاه، بسرعة البرق ترد الأم: ولدي.. هل أنت بخير؟ أين أنت؟ وأين وصلت؟

ديار: أمي وصلت للتو إلى الجهة الغربية للحي، أنا هنا يا أمي لكني أشعر وكأني غريباً عن هذا الحي فقد تغيرت ملامحه ولم يعد كما كان يا أمي، دقائق وأصل إليكم.

الدقائق تمر بطيئة وكأنها ساعات والأم جالسة على رصيفٍ أمام باب بيتها وعيناها لا تفارق الطريق تنتظر لحظة اللقاء.

يهلُّ نوراً على ناظريها بعنفوانه بحيويته وقامته الممشوقة، يقترب من أمه، يعانقها ويقبل جبينها وتقبله بحرارة الاشتياق، وبلحظة العناق يصارحها: أمي لا تغضبي عدت  لأنضم الى وحدات حماية الشعب، ولن أقيم معكم بعد الآن، فهذا الحي بحاجة لنا وعار علينا الانزواء في زوايا المنزل وتحت الأقبية.

رمى بحقيبة ملابسه الى داخل أرض الدار وأدار ظهره لوالدته، وكنسر حلق في فضاء موطنه نحو الشمس ليشق طريقه إلى الحرية، وأطلق صفيره ينادي المباني  الأشجار وأصدقائه ويقول: الآن دخلت مملكتي، اشتقت لكم، لقد وصلني ندائكم وسمعت أنينكم، لذا عدت لأدافع عنكم وأقطع الأيادي التي تمتد إليكم.

تعود الأم جيان إلى نفس وضعية الجلوس على الرصيف أمام باب المنزل، لكنها تمنت لو احتضنته لوقت أطول، لو قبلته أكثر، لو أكل من الطعام الذي طهته لأجله، لكنه طار إلى مملكته وهي تدرك أنه ربما لن يحصل على كسرة خبز وإن حصل ربما لن يجد وقتاً لسد جوعه وقد لا يغتسل لأيام وأسابيع، لكنها على يقينً أنه سيغتسل بماء العزة والكبرياء، وبدأت الكلمات تتساقط كحبات مطر أيلول قائلةً:

رافقتك السلامة وحماك الرب أيها المغوار، سأتحدى كل المواثيق وأحطم القوانين، ولن أدعك تُقبل يديّ، بل سأنحني بخشوع وأقبل يديك، وأخطف القبلات من عينيك الناعستين، ومن جبينك وعلى وجنتيك أمسح قطرات الندى، وأسقي بها بستان الحياة، لتزهر ورود الأمل والبقاء.

بهذه الكلمات تطوي الأم صفحة خوفها، وتفتح صفحة الفخر والعزة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الرئيسة المشتركة لمنتدى حلب الثقافي منذ تأسيسه أواخر 2019م

 

Hits: 3