شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

شاهد على العالم السّفلي – أروى دشو

54

 

استيقظت ضحى اليوم التالي على أصوات بشرية متقطعة، أحسّ أن بعضها قريب، وبعضها الآخر بعيد، تفتّحت عيناي على المكان، كان كل شيء واضحاً، الشمس في كبد السماء، والصخور الزلقة، والنباتات المتفرقة، خرنوب، شيح وغيرها، وأناس فرادى وأحياناً مثنى وجماعات يمرون في اتجاهات متعاكسة على مقربة من الهاوية، وقد بدوا أمام ناظري كأنهم يمرون قربي ولا يعيرونني اهتماماً، أو ربما لم أتبين لهم لكثافة الطين العالق بثيابي وجسدي، فانتهزت فرصة مناسبة لأرى رجلاً أتوسم فيه الشهامة حتى يساعدني، فلاح لي عجوزان يدردشان ويتضاحكان، فأطلقت صوت استغاثة صوبهما، لكنهما لم ينتبها البتة، ولم تظهر على ملامحهما أي ردة فعل، عاودت الصراخ، ولوحت بإحدى يدي، لكنهما مضيا دون أن يشعرا بوجودي، وفسرت الأمر بضعف السمع لديهما أو ضعف نظرهما، وسرني في ما رأيته أن الطريق سالك، وأن محنتي لن تطول أكثر من ذلك، ولكن انكشف لي ما لم أكن أتوقعه: عوراتهم وسوءاتهم. فبمجرد أن أدقق النظر – من هنا، من أسفل- بالأشخاص القادمين لدى مرورهم من فوقي، تلوح لي كل ما تخبئه ثيابهم من أعلى، بل وكل ما يحاولون إخفاؤه.

غير أني غضضت بصري على الفور، وانتظرت ظهور أناس آخرين، وبالفعل لمحت شابين يتمشيان بهدوء، فرفعت يدي نحوهما، وصرخت بأعلى صوتي، وناديت لكنهما لم يلتفتا أدنى التفاتة، بل كأن صوتي لم يصل إلى مسامعهما، شعرت بقلق أكبر، وعاودت الصراخ، واضعاً كلتا يداي على فمي على شكل بوق، غارزاً كوعي الاثنين في الوحل، لكن دون نتيجة، ولبثت أراقبهما حتى غابا عن نظري، وعدت إلى الانتظار، وبعد زمن يسير، لاحت لي ثلاثة نسوة يحملن جرار الماء على رؤوسهن، فصرخت ولوحت بيدي، وأنا أنظر إليهن، وقد ندت من ملامح إحداهن ابتسامة مشرقة، أظن أنها كانت مسرورة بمشوارها، والتزمت مع الثانية بالإصغاء، بينما غرقت الثالثة بثرثرة لا تنتهي، ثم توقفن قليلاً، ووضعن الجرار على صخرة كانت بجانب الوادي، ونظرن حولهن وإلى السماء، كأنهن يردن الاستمتاع بحرارة الشمس دون أن يعكر مزاجهن رجل عابث في منتصف الطريق، وأنا لا أزال أصرخ، وألوح بيدي، دون أن ينتبهن إلي، وكن غارقات في أحاديث شتى، استطعت التقاط بعضها، لقد سمعت المرأة الثرثارة تقول:

ــ كل الرجال على كندرتي، وكل المدعين بأحقية مبادئهم.

وسمعت بصعوبة رد المرأة التي لا تني طي ابتسامتها:

ــ لا يجوز أن نخلط ونعمم الجميع، مثلاً أنا أحترم الرجل المبدئي إذا احترم مبادئه فعلياً.

فقالت لها صاحبتها:

ــ ومن برأيك يحترم مبادئه؟ إنهم يتاجرون بأجسادنا، وحين يفرغون من بهيميتهم عليها، يفرغون معها كلّ مبادئهم، هكذا يحترمون مبادئهم فعلياً! أستطيع الآن ركلك في هذا الوادي، وأدع ذلك القذر ينهش جسدك لتتعرفي على مبادئه الحقيقية. إنه لا يكف عن الصراخ فحسب بل ويتهددنا بيديه وهو في هذه المحنة، انظري إليه، كيف سيكون حاله معنا لو لم يكن كذلك.

قالت ذلك ولم تحن منها أو من صاحباتها أدنى التفاتة، وبعد برهة رأيتهن يحملن الجرار ويغادرن.

إذاً اللعينات رأينني، وسمعنني جيداً، وينعتنني بالقذر، سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا به.

لكن السؤال الذي أشعرني بالغثيان:

ــ هل جميع الذين مروا من هنا رأوني وتجاهلوني بهذه الطريقة أم أن هناك سوء فهم ما؟

ومع كل ذلك لم أيأس، واستمرت محاولاتي طيلة النهار، وحين أوشكت الشمس على الغروب، وانقطع البشر عن المنطقة، تذكرت فطوري، فأخرجت بضعة تمرات، وانتظرت حلول الظلام، عندها تناولت تمرتين أو ثلاث، وحمدت الله، واستغفرته، وتيممت بالطين، وصليت من مكاني دون حراك، فوضعي ليس ثابتاً تماماً، وأي حركة غير محسوبة قد تهوي بي إلى قعر الهاوية.

حاولت في ذلك المساء الصعود، لكنني كدت أنزلق عن السدة واجتازها، فتشبثت بقوة بمكاني، وعزمت على التمركز فيه وعدم محاولة الصعود مجدداً في الوقت الراهن فقواي لازالت خائرة منذ ليلة أمس، وبعد جلسة صفاء مع نفسي، رددت فيها اسم الله كثيراً، وحمدته، لأن من يرى مصيبة غيره تهون مصيبته كما يقول المثل، تصورت مثلاً لو كنت مسافراً وسط البحر وانقلب القارب أو غرقت الباخرة، ماذا سأفعل حينها؟ تخيلت أيضاً أنني على متن طائرة وأصابها عطل فني، أو حادث، ماذا سأقول، وماذا سأتصرف وأنا بين السماء والأرض. والحمد لله أن هذا الوادي لم يكن فيه أفاعي، وإلا لكان مصيري مفجعاً… وربما لكنت في العالم الآخر، والمصيبة ستكون عند أمي، ماذا ستفعل وماذا ستقول؟ وقد ربتني كل شبر بندر كما أسمع منها دائماً، وتخشى علي من الهواء الطائر، آه أين أنت يا أماه، حتى تنقذيني من هذه الوحشة، ولاح لي وجهها الباسم المضيء، وهي تخاطبني بلهجة حانية قوية:

ــ خلي ثقتك بالله كبيرة، استعن بالله، وأنا راضية عليك، لا تضعف، سيفرجها الله عليك؟

ترى هل أمي تفكر بي الآن؟ هل أحست بمعاناتي من هذا الكابوس؟ هل يخطر في بالها أنني هنا ولا حول لي ولا قوة لي إلا بالله؟

طويت هذه الأسئلة وعزمت على النوم لأستطيع الاستيقاظ باكراً عند صلاة الفجر.

وأقبل اليوم الثاني وأنا على هذه الحال، وتضاءل أملي في مساعدة الناس لي، لقد حيرني أمرهم: هل هم أصماء أم عميان أم مخبولون، أم نذلون إلى هذه الدرجة؟ هل يعقل أن خمسين شخصاً أو أكثر يمرون طوال النهار ولا ينتبه واحد منهم إلي، ولا يتناهى إلى مسامعه صراخي بكل قوته، ولا واحد على الأقل! أدركت أن ثمة لغز ما، ولكن ما هو هذا اللغز؟

أخذت أمسد لحيتي، وأتحسس وجهي، كان كل شيء على ما يرام فيما يخص جسدي، بل أحسست بازدياد حاستي البصر والسمع لدي، مع قوة ذهنية لم أشعر بصفائها من قبل.

بعد فترة ليست طويلة، لاحظت تغيراً ما من قبل المارين، لقد نظر صوبي شاب وأظنه رآني، لكنه كان ساهماً بنظراته، ولم يهرع لمساعدتي، وجاءت بعده مجموعة من الصبيان، أخذوا يتقافزون حول المكان، بخفة ورشاقة، وهم ينظرون نحوي، ثم انصرفوا..

في حالة من مثل هذا الصفاء، أخذت أفكر في بعض الخفايا، سرعان ما استيقنت حقيقة جميلة، أو لنقل قناعة أخذت تترسخ رويداً رويداً: أليس من المقبول بعد الآن عدم التفكير في مصيري، طالماً أن لا أحد يعيرني اهتماماً، سواء أكان خيراً أو شراً، كان معظم المارين يكتفون بإلقاء نظرات عابرة لا تعبر عن شيء، وهم يمضون في طريقهم، فالمصير كله بيد الله، بل إن الأمر تحول إلى مجرد تسلية، كان البعض يتلذذ في مشاهدة جسدي معلقاً على تلك الشاكلة، هكذا خمنت من خلال تعابير وجههم، وينتظرون لحظة سقوطي الأبدية، وحين كان ذلك لا يحدث، يغادرون المكان بدون تعليق، كان الانطباع الرائع الذي يتركه هؤلاء في نفسي هو تلك السلبية غير المبالية، مع القليل من حب الاستطلاع وأحياناً حب الإثارة، كانوا يخرجون هواتفهم النقالة لأخذ صورتي وأنا منبطح، متشبثاً بالأرض، رغم التعب والشتاء والطين الأحمر، ناهيك عن الجوع والعزلة.

أصبحت شاهداً خفياً على العالم السفلي لهؤلاء البشر، ورغم كل تلك القذارات، كنت مستمتعاً بهواء الحقيقة، وكان للصفاء الروحي والتأمل متعة، وأنا أزاوج بين هدوء الطبيعة بعد المساءات الطويلة، وبين جلبة المارين خلال النهار.

لكن القناعة التي استسلمتُ لها إلى حين بدأت تتآكل، لم يعد المارون يكتفون بإلقاء النظرات الشاردة، بل أصبحت شذراً مقيتاً، بوجوه صارمة، وتعابير مفرطة بالخداع، رأيت رجلاً بملابس رسمية يحمل هراوة، وينتشل حجرة ويلقي بها صوبي، أظن أن لا شجاعة كانت لديه للنزول إلى حيث كنت أتمدد، وأخذ يتوعدني، ولاح لي بضعة رجال كانوا واقفين خلفه، التقم كل واحد منهم حجرة كبيرة بذراعيه، ثم دفعوها إلى الحافة، وعلى الفور بدأت تتدحرج يميناً ويساراً، لكنها انحرفت بعيداً عني، ربما كان ميل الأرض الأفقي لصالحي، وسمعت الرجل ذو الملابس الرسمية:

ــ هذا الوقح يشوه وادينا الجميل.

ثم التفت إلى رجاله ونهرهم قائلاً:

ــ دعوه حتى يموت ببطء هكذا! لا حاجة لأن نخسر عليه حجرة.

وتوقف قليلاً يفكر، وأضاف مستدركاً:

ــ لا، يجب التخلص منه، لا أريد رؤيته هنا أبداً، فإما أن نقذف به إلى قعر الوادي، وإما ننتشله ونجرب به آخر الفن الأخير من رقصة الغريق. دعوه الآن حتى تتمزق أوصاله لنرى في قادم الأيام رأينا فيه.

في المساء نفسه عدت إلى حالة الصفاء، فأدركت أن قوتي – وإن عجزت عن إخراجي من هذا المنحدر- كانت جبارة، ولعل سبب هذا الشعور هو حالتي المعنوية العالية، في مقابل ضعف أولئك الرجال، كانوا يخيفونني في الماضي، بمجرد أن ألمح واحداً منهم في شوارع المدينة، كنت أرتجف، وأنا أب لخمسة أطفال، لكنهم لم يعودوا كذلك، لقد شاهدت عوراتهم أثناء شتمهم وتوعدهم لي، وكنت أقارن بين عنف لهجتهم، وبين ضآلة قضبانهم، كانت مفارقة مضحكة، بل مثيرة، وهذا ما ألجأني إلى التزام الصمت، ولو كانت عندي خيزرانة فقط، وبغير هذه الوضعية، لجعلت الأرض تضيق عليهم بما رحبت، كان جسدي يضج بالحيوية، تمنيت لو أخرج وأقفز بخطوة واحدة وأفاجئهم بضربة خيزرانة، لأنهي عنجهيتهم، ليت قومي يدركون الحقيقة التي أدركتها في هذا الوادي، لأصبحت أحلامهم واقع معاش .

بعد مرور أيام طويلة، حسبت أن وجودي أصبح منسياً، أقبل رجل بدين ومعه سبعة أو ثمانية رجال، يحفونه من كل الجهات، كان الوقت عصراً، والسماء مشمسة، توقف على حافة الوادي، وبدأ يستطلع المنطقة، ورأيت أحد الرجال ينحني على حذائه، كأنه يريد إزالة ما علق به من الغبار، ثم بدأ الرجل البدين بالتكلم بلغة فرنسية، بانفعال ظاهر، محاولاً تصنع شيء من الرزانة، وعلى الفور ظهرت لي ملامحه المقيتة، وكان المترجم بجانبه، يتكلم حين يتوقف الفرنسي عن الكلام، وجهدت في التقاط مفردات الخطاب:

ــ سنعيد أفكار ثورتنا الفرنسية في الحرية والمساواة وحقوق الإنسان .. إضافة إلى العيش الكريم.

وكان يحاول تجميل عباراته بابتسامة ماكرة، وبعد كلمةٍ مقتضبةٍ، قطّب الفرنسي حاجبيه ونظر إليّ وقال بعض العبارات، سرعان ما ترجمها صاحبه:

ــ لكننا سنكافح هذا الصعلوك، سنستأصل جذوره، لا حياة بوجود هذا وأمثاله. كان يحاول قطع الطريق، بل والهجوم علينا عبر هذا الوادي لكنه وقع، لقد وقع بسوء نيته… لن ندعه يخطط كيفما شاء.. ثم التفت إلى الذكور وقال لهم بلهجة صارمة:

ــ راقبوه يا أصدقائي، لا تدعوه يقف على قدميه، إنه رجل خطير، عليكم مراقبته، وسجلوا كلّ مشاهداتكم عليه… إنها أيام الصيد بالماء العكر…

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مواليد منبج ٢٠٠٥، درست حتى الصف التاسع، وهي تطالع بشكل مستمر شتّى الكتب الأدبية، تكتب القصة القصيرة.

 

Hits: 7