شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

فَكرتْ بالمفقود حتى خَسرتْ الموجود – فاطمة محي الدين

135

 

“كل نعمة لا تُدرك تتحول إلى نقمة”.. كانت والدتها دائماً ما تقول لها هذه الكلمات، كانت هيلين مراهقة غير مبالية بما تملكهُ بين يديها من نُعم لا تُعد ولا تُحصى، وكانت دائماً تطمح للحصول على المزيد من الأشياء وتحلم بالأشياء التي لا تمتلكها وتغض البصر عن كل ما كان يُحيطُ بها من أشياء باهظة الثمن لا يمكن للأيام ولا الندم أن يجلبها لها من جديد!

فوجود أهل يخشونَ غيابها ويسارعون للظفر بابتسامتها، وأصدقاء أوفياء يشاركونها كافة تفاصيلها، ومنزل صغير جميل مليء بالحُب والحنان، ووطن تتوفر به كل سبل الراحة والرفاهية، لم تكن تعني لها شيئاً. هي فقط كانت تحلم أن تسافر وأن تبتعد عن هذا المكان الذي باتت تكرههُ شيئاً فشيئاً، ولم تكن راضية بحالها ووطنها والروتين الذي كانت تمارسهُ، واستمر هذا التذمر إلى ثلاث سنوات، إلى أن اجتاحت قوافل الحرب وطنها، وأصبح الوطن خالياً من كل معالم السلام، ووجدت منزلها الذي كان يحمل كل الحنان قد أصبح محط خطر وأن على أهلها مغادرتهُ، فالبقاء فيه يشبه الوقوف وجهاً لوجه مع الموت، لذا لم تجد هيلين وعائلتها خياراً سِوى النزوح من مدينتهم كما بقية أبنائها حفاظاً على أرواحهم من ظُلام العصر.

عندما غادر أهل هيلين مدينتهم ووطنهم لم يحملوا سِوى حقيبة تحتوي على جزء من أمتِعتهم، وقفت هيلين على طول الحدود مع الدولة المجاورة التي كانت وجِهتهم الوحيدة للفِرار من كابوس الحرب، فنظرت خلفها ووجدت مدينتها تكسوها الدُخان وتتصاعد أصوات الاشتباكات منه ويسمع دوي الانفجارات منها بين الدقيقة والأخرى من كل صوب، حينها أدركت بأنه لم يعد بإمكان جميع طلاسم السلام على هذا الكوكب أن تحمي مدينتها وتنقذها من الدمار وتبعث الحياة بِها من جديد!

وجدت هيلين نفسها في مكان جديد لا تعرفهُ ولم يسبق لها ان رأتهُ من قبل ولا حتى تعرف شيئاً عنه ولا تُجيد لغة سكان تلك المدينة، وحدها حقيبتهم من كانت تُذكِرها هي وأهلها بأنهم الآن لا يملكون وطناً ولا منزلاً يأويهم ويمد لهم ذراعيهِ ويحتضنهم في نهاية كل يوم. تلك الحقيبة كانت توثق لهم مأساتهم في الغربة وبأنهم الآن مجرد “لاجئين” لا أكثر، يسيرون بشوارع مزدحمة وجميع الناس منشغلونَ بِأعمالهم، لا أحد يكترث لهم، ولعل أكثر ما يمكنهم تقديمهُ لتلك العائلة اللاجئة هو نظرة مليئة بالشفقة أو ابتسامة مليئة بالقهر لحالهم والعجز عن تقديم المساعدة لهم، ففي رحلة التشرد بشوارع الغربة لم تدري هيلين وعائلتها (المكونة من خمسة أفراد هي ووالديها وإخوانها) إلى أين يذهبون ولا يدرونَ شيئاً عن المكان الذي قصدوه برحلة اللجوء، فأصبحوا في وطن مختلف لا يشبه وطنهم، حتى أصدقائها لا تعرف عنهم شيئاً هل ما زالوا أحياء أم سرقهم الموت؟ لا تدري هيلين المراهقة شيئاً من هول الصدمة التي عاشتها حتى أنها كادت تفقِد عقلها.. فقط كلمات والدتها وهي تقول لها “كل نعمة لا تُدرك تتحول إلى نقمة، أشكري الله ولا تتذمري” كانت ما تزال عالقة في ذهنها وتتجول بعقلها على طول المسافة التي قطعوها وهم يتركونَ وطناً خلفهم ويلجؤون إلى مكان آخر بحثاً عن الأمان الذي أصبح منعدماً في ديارهم. بقيت في ذاكرة هيلين عشرات الأسئلة تنتظر الإفراج عنها بإجابة لتُطلِق سراحها من سجن الذاكرة، إنها معادلة تحمل في طياتها آلاماً لا يمكن للكلمات والعبارات أن تهبها حقها في الوصف، ففي ذاك اليوم كانت هيلين تشعر بأنها حقاً تعيسة، لا سيما الحزن الذي كان يُلمح على وجه والدها، والدموع التي انهمرت على وجنتا والدتها كانت كفيلة بأن تقتلها وهي على قيد الحياة، فالخروج من الوطن قهراً وفي ظل ظروف الحرب يشبه الموت، بل إنه أبشع من الموت كثيراً!

وفي المساء اقتادتهم إحدى النساء إلى منزلها بعدما أنتابها شعور بالشفقة على حالهم لِما أصابهم.

ذهبوا إلى منزل تلك المرأة بخوف وقلق شديدين، فقدمتهم لأفراد عائلتها المكونة من أربعة أفراد هي وزوجها وابنتها وابنها، لحسن الحظ أن والد هيلين كان يُجيد لُغتهم، أما هيلين ووالدتها فلم تكن تفقهان شيئاً مما يُقال لهن، وفي الحالات الضرورية كانتا تكتفيان بهز رأسهن علامة الفهم لما يسردونه عليهن تلك العائلة. وبعد تقديم العشاء لهم والمعاملة الحسنة التي تلقوها أخبر والد هيلين أصحاب المنزل بأنه يتوجب عليهم الخلود إلى النوم لأنهم لقوا يوماً عصيباً وطويلاً، فجهزوا لهم إحدى الغرف، وعندما وضعت هيلين رأسها على الوسادة انهمرت الدموع من عيناها وهي تتذكر منزلها ومدرستها وأصدقائها وجيرانها والطعام الذي كانت والدتها تطهوها لهم كل يوم، وفِراشها الدافئ وأغراضها وغرفتها وكل ما كان يُحيط بها من نُعم في الأمس والآن هي لا تملِكُ شيئاً!

ذهبت إلى حضن والدتها وقالت لها: سامحيني لأنني كنتُ غير مدركة للحال والنعم التي كنا فيها في منزلنا ووطنا ولم أفهم مقصدكِ منذ البداية!، فمسحت والدتها بيداها على جبينها وقالت: من الجيد أنك أحطتِ علماً لما اقترفته يا صغيرتي، فلا تحزني، الحياة مليئة بالتجارب وكل تجربة تُعلِمنا درساً، فلا تنسي هذه المحنة أبداً يا صغيرتي!

فقالت لها: أعدكِ يا أمي أنني لن أتذمر من شيء بعد اليوم، ولن أنظر إلى ممتلكات غيري، وسوف أنتبه لعائلتي وأشكر الخالق على كل النُعم كي يزيدني الله أكثر، سأقتنع بكل ما يأتيني ولن أفكر بالمفقود كي لا أخسر الموجود، لقد كبرتُ وتعلمتُ يا أمي، فقط أريد العودة إلى منزلي!

وبعد مرور عدة سنوات، تحررت مدينتها من أيدي المحتلين والقوات الغازية، ورجعت مع أهلها إلى وطنها، لتساعد أهلها على بناء منزلهم من جديد.

كبرت هيلين وأصبحت معلمة في إحدى مدارس مدينتها، وباتت تعلم تلامذتها وتحثهم على التعاون ومساعدة بعضهم البعض والابتعاد عن الأنانية وعدم التذمر من الأمور البسيطة وحب الأهل والبقاء في وطنهم والمساعدة في بنائها والرفع من شأنها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*طالبة قسم الأدب الكردي بجامعة كوباني

 

Hits: 41