شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

طريٌق نحو الحلم – فاروق زياد الحسين

39

 

فارس ذو الثامنة عشر عاماً صبيٌ كغيره من الصبية، ربته والدته بعد أن فقد والده في ظروف بلده المتخبطة بالحروب منذ تسعة أعوام رمادية لم ينتصر فيها لا الأبيض ولا الأسود, ما فاز بها سوى اللون الأحمر عندما صبغ أرصفة البلد.

بعمر الرابعة عشر وجد أبيه يقاتل إلى جانب طرفٍ من تلك الأطراف حيث لا ناقةٌ ولا جمل له في هذه الحرب، كل ما في الأمر أن لقمة العيش تلطخت بالدماء، وهذا الأمر الذي يبيح المحظورات للأنفس التي تضيق بها رحابة صدر هذه الأرض.

بعد عامان من القتال جاء أحد المقاتلين بخبرٍ لوالدة فارس بأن زوجها استشهد. لا عجب في هذا الخبر فالطريق الذي سلكه أبو محمود له نهايتان حتماً، لم تبدو مصدومة من هذا الخبر مع أن الحزن لا زال يغتال قلبها منذ أن توفي محمود، جرح الفقد عند الأم لا يلتئم ، حتى أن الخبر لمسته أثناء توديعها لزوجها قبل انطلاقه لتلك المعركة, وكأن العيون عرفت أن هذا الوداع الأخير، وكل ما بقى في مسمعها هو وصيته “اهتمي بفارس وبنفسك إلى حين العودة” مع وعدٍ بأنه سيعود سالماً.

محمود هو الابن الأكبر لهذه العائلة، وقد توفي قبل انضمام والده بقرابة ثمانية أشهر، حيث استهدفته قذيفة هوجاء لم تحمل معها سوى عشوائية الهدف ودقة القدر في سلب الأرواح بموعدها، فكانت من نصيب محمود واثنان من أصدقائه أثناء ذهابهما لمكان عملها. كل ما بقي لفارس هو والدته فاطمة التي تركت كل شيٍء خلفها لكي لا تفقد ما هو أمامها، فقد كان قرارها أن تكرس حياتها من أجل فارس، حيث أصرت أن يتابع دراسته وأن تتحمل كل مشاق هذه الحياة لأجله، فعندما تكون ابن الحرب ستطمح لأن تكون ذاك الإنسان الذي يساعد الأرواح المصابة على التمسك بحبل هذه الحياة أو العكس, لكن أكبر طموحات فارس أن يغدو طبيباً كي يردم ما استطاع من بؤرة الموت التي وجد نفسه بها.

اليوم هو العام التاسع لخريف هذه الحرب الذي أسقط كثيراً من أوراق شجرة الحياة المستمرة.

في أحد الأيام جاءت ياسمين إلى فاطمة والتي كانت تعمل في دكانتها الصغيرة التي هي ضمن منزلها والتي كانت مصدر رزقها الوحيد بعيداً عن المساعدات التي تأتيها من هنا وهناك، فقد أرادت ياسمين أن تشتري قليلاً من السكاكر لتوزعها على الجيران، وقالت ياسمين أنها كانت تتواصل مع ابنها خالد الذي سافر إلى ألمانيا منذ ثلاثة أعوام وقد زف لها الخبر الذي كان ينتظره، ألا وهو أنه قد أخذ الجنسية الألمانية وأصبح يعمل محاسباً في أحد الشركات الصغيرة ضمن مجال شهادة الاقتصاد التي يملكها. بعد لحظات عاد فارس من معهده ليخبر والدته بأنه قد تفوق على كل الطلبة في جميع المواد. كم كانت أمه سعيدة بهذا الخبر وقالت له: “هيا لنغلق الدكانة وندخل كي أطبخ لك الأرز والملوخية.. فخبرك هذا يستحق أن أطبخ لك وجبتك المفضلة”. بعد الغداء ذهب فارس إلى الدكانة كالعادة، فقد كان له نصيب من إدارة الدكانة لتتفرغ والدته لأعمالها المنزلية.

بعد عدة أيامٍ وكالعادة جلس فارس بعد أن أنهى دوامه واستلم إدارة الدكانة الصغيرة، خرجت أمه من المنزل لتخبره بأنها ستذهب إلى السوق كي تتبضع من أجل المنزل والدكانة، وبعد عدة ساعات عادت خالية اليدين ماعدا شيئاً أخفته تحت عباءتها, رأى منها التوتر والملامح الحاملة لحديث لن يطول كتمانه.

جلسا عند المساء ليتناولا وجبة العشاء.

الأم: ما هو حلمك يا فارس.

فارس: تعلمين يا أمي أنني أصبُو لأن أكون طبيباً.

الأم: وهل تظن أن الحرب ستنتهي قبل أن تُحقق حلمك.

فارس: لا أعلم يا أمي لكن هذا الشيء بأمر من الله، أتمنى أن تنتهي ولكن لا شيء يبشر بانتهائها وعلى أمل أن تنتهي بعد بضع أعوامٍ أخرى.

عندها وقفت وتحركت إلى خزانتها، أحضرت صّرة صغيرة قد لُفت داخل أكياس عديدة، فتحتها بهدوءً وقالت له: في الحرب تأخذ الأحلام إجازة حتى إشعار آخر، ولذلك يا بني ما في هذه الصّرة هو كل ما نملك، فقد بعت المنزل بما فيه وقد كان ثمنه جيداً، لا أعلم إن كانت المال يكفي لنسافر نحن الاثنان، لكن حتماً سيكفيك لكي تصل إلى أوروبا وهناك ستتمكن من تحقيق الحلم الذي تسعى إليه وعندما تحقق حلمك سيكون لك القرار بأن تعود أو أن تبقى لأن الأحلام هنا قد تغتالها رصاصة أو قذيفة طائشة كما حصل مع فلذة كبدي محمود.. (سالت منها دموعٌ حارة دون أن ينبس فارس ببنت شفة)..

في الصباح لم يذهب فارس إلى أي مكان، فقد بقي مع والدته وقال لها:

يا أمي البارحة لقد اتخذت قرارك وأنا لي قراري ألا وهو سنذهب معاً فلا استطيع أن اتخيل حلمي دونك ولا اتخيل أن أتركك هنا بدون أي شيء تملكينه، والآن دعينا نخطط أمور رحلتنا نحو الحلم ، أليستْ طُرق الأحلام متعبة وقاسية؟

الأم: كريم صديق أبيك سيؤمن رحلتنا مجاناً من هنا إلى تركيا لأنه يعمل في مجال التهريب منذ فترة بعيدة وسيستلمنا آخر هناك وُيرشدنا إلى مهرب في منطقة قريبة من البحر بينها وبين اليونان بحر علينا اجتيازه بالقارب وكل خطوة سيكون هنالك شخص آخر يرشدنا إلى أن نصل.

فارس (بابتسامة): كم أنت كبيرة يا أمي .. ها قد جهزتِ الطبخة وقاعدة تنتظريني..

قرصته بحنية ليعلو صوت ضحكتهما لتختتم ضحكتها بمقولة: هل عندك شك؟!

تمر الأيام مرور الكرام، ليجدا نفسهما عند القارب الذي سيعبران به البحر من تركيا إلى اليونان. لقد كانت الأجواء باردة جداً والوجوه الكثيرة، تلونت بعضها خوفاً وبعضها رهبةً وبعضها من البرد كأن الروح قد تيبستْ قبل الوجوه ولسان حاله: ها أنا أهرب… لكن لا أعلم إلى أين؟! ومِن مَن؟!!

الكل قد تجهز بحقائب صغيرة وآمالٍ كبيرة مع سترات نجاة تلونت كما هي وجوه الركاب أغلبها كانت زرقاء وصفراء. صاح أحدهم بلغة غير مفهومة، فترجم لهم أحدهم طالباً من الجميع ركوب القارب، صعدوا “البلم” في ليلة قمرية وانطلقوا، البلم هكذا كانوا يسمونه وكان لا يشبه القوارب التي رأوها سابقاً, تلك التي تستخدم للصيد في البلد الذي أتوا منه، لقد كان فيهِ عدداً كبير من أصحاب الحقائب الصغيرة والآمال الكبيرة.

وحين وصلوا وسط البحر كما قال أحدهم، كان الكل ينظرون لبعضهم فقط ، لم يتكلم أحد منهم، كانوا يتمسكون بالحبال الموجودة بالبلم وببعضهم أغلب الأوقات. وبعد فترة قصيرة جداً حدث أن هبتْ الريح فجأة وتلاطمت الأمواج, وكأن اليقين هو تطبيق للعبارة القائلة “الهدوء ما قبل العاصفة”. وجاءت موجة كبيرة قررت أن تتباهى بعظمتها مفادها بأن البلم ومن فيه ضعفاء أمام هيبتها وجبروت قوتها.

يبدو أن الحقيقة الحتمية بأن الكارثة قادمة لا محالة. كان البلم ضعيفاً جداً أمام البحر، والريح كان مثقلاً بآمال وأحلامٍ لم يستطيع حملها وسط هذا الجو الذي انقلب كصفحة كتابٍ يحمل الخواطر، فكان القارئ يقرأ الحب وعند قلب الصفحة وجد نفسه يقرأ الحرب. جاءت موجة أخرى أشد وطأة من الأولى فإذ بالركاب يتموجون وسط صراخ متقطع، كان الماء الذي يبتلعونه يكتم أنفاسهم كي لا يستغيثوا بأحد، بقي على القارب قلة قليلة، فارس ما زال متشبثاً بكامل طاقته, كان الماء الذي ضرب وجهه جعل الرؤية ضبابية ومشوشة للحد الذي كذب به عيناه عندما صاحت أمه: “فارس تمسك بالحلم ولا تخف فأنا أجيد السباحة”. هذا آخر ما قالته وآخر ما سمعه فارس قبل أن تقذفها موجة أخرى بعيداً. يبدو أن الكثير ابتلعوا ما يكفي من الماء مرات عديدة ليختتم البحر ما فعلوه بابتلاعهم دفعة واحدة

بعد لحظات جاءت موجة ثالثة لتكون بصمة عارٍ لهذا البلم, كشفت ضعفه ووهنه أمام عظمة البحر، فقلبت رأسه على عقبه رامياً كل من عليه بعرضِ البحر. أخذت الأمواج تسوقهم حسب مزاجها الغاضب ليفقد فارس الوعي ويصبح الحلم عائم بسترة نجاة. مرت ساعات قليلة وطويلة. معجزة في زمن لا معجزات فيهِ, لقد ولد مرتين وكأن أمه تعاقدت مع البحر بأن تأخذه وتترك ابنه، فتح عينيه، كلمات غير مفهومة، البياض يطغى على كل شيء حوله، يبدو أن الحلم لم يمت، أغمض عينيه من تأثير الدواء وغط هو وحلمه في استراحة قصيرة المدى.. الحلم ذاته لايزال بهذا الوجود، وعلى أحدهم أن يكمل الحلم، فالأحلام التي لا يكملها أصحابها حتماً سيكملها أحد الحالمين!!

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مواليد منبج عام 1995م، جامعي سنة ثانية /قسم الكيمياء، توقف منذ ست سنين عن مسيرته الدراسية، عضو في اتحاد المثقفين في منبج وريفها، مدير مكتب الإعلام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري – فرع منبج.

 

Hits: 4