شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

وداع ولقاء – فاطمة الشيري

42

 

في محطة القطار يقف شاب أنيق المظهر بجانب سيدة. نظراتها تتفحص كل جزء فيه. تستند إلى عمود النور. غير مكترثة بما حولها سوى وجهه. هادئة في كل شيء. تمسك بيد ساكنة دون حراك، تداعبها تفركها، تقيس حرارتها بوضعها على خدها، تلثما في غفلة عنه. مبهورة بصاحبها، كأنها تراه لأول مرة في حياتها. تارة تبتسم في وجهه وتارة، تهمس له بكلمات لا يسمعها وقد انشغل في نقاله متجاهلاً ثرثراتها ومن كانت بجواره. وقد حلقت روحه وسرحت في عالم وصله قبل ركوب القطار.

نحو المجهول يتجه… وهي عليه تتحسر.

صفارة القطار تعلن عن وصوله…

من حضنها ينسل مهرولاً حاملاً حقيبته. دون الالتفات للوراء. تجمدت مكانها ونظراتها تتابع القطار المغادر المحطة معلناً انسياب دمعها الرقراق من مقل سهدتها الليالي الطوال على تجاعيد وشمها تعب الأيام. لملمت المتبقي منها بعده عائدة ووحدتها والرعب يقاسمها مسافة الطريق، يدنو منها حتى يكاد يلتهمها ثم يبتعد لتجمع قوتها من جديد. لي رب يحميني مادام ارتأى أنه أحسن الاختيار. كادت تصرخ هلعاً، تصاعدت وتيرة تنفسها، رن هاتفها:

ـ وصلت المطار

ـ ستقلع الطائرة بعد ساعة

-في أمان الله توصل بالسلامة.

المشهد درامياً… انهمر دمعها، ارتفع نشيجها، سقط الهاتف من يدها، والحزن ينثِر ذراته، ارتطمت فجأة بالرصيف هامدة بلا احساس، مجروحة مهزومة.

بقيت طريحة الرصيف تترقب خطوات القادمين، فإذا بيد تمتد لها تشعرها بالدفء وتساعدها على الوقوف من جديد.

اليد كانت لرجل كبير بالسن بيده عكازه يمشي متكئاً عليها، على بعد خطوات جلسا…

خيم الصمت ثم حاولت شكره على معروفه، أشار لها قائلاً: رجاء استريحي، لا داعي لكلام قد يوترك من جديد.

تلاعبت الريح بأوراق شجرة ظللتهما، حلق كل واحد منهما في عالم ذاكرته المفتوح على خصلات نسمات الهواء…

-الحمد لله على سلامتك سيدتي

– شكراً لك

– إذا سمحت لي سأنصرف إلى حال سبيلي. لكن قبل ذلك سأطمئن على حالتك، هل تشعرين أنك بخير؟

الحمد لله أعتذر منك

هل اتصل بأحد من أهلك ليرافقك؟

ـ (ابتسمت لتداري مرارتها): لا عليك.. لن يسأل عني أحد، ولا أحد اتصل به ليرافقني للأسف، الابن الوحيد الذي أفنيت العمر عليه في أول فرصة أتيحت له للسفر لبى دون التفكير في من كانت شمعة طريقه.

صمت تلته تنهدات الأسى وهو ينظر الى أم تحترق.

رد متأثراً: لست أحسن منك حالا سيدتي الكريمة، لقد مر زمن طويل وأنا في دار العجزة لم يفكر أحد من أبنائي الخمسة زيارة ذاك الأب الذي كان ولي نعمتهم. لكن الحمد لله كيفت نفسي على العيش في المؤسسة مع رفاق يقدر كل واحد الآخر ونساند بعضنا وقت الشدة أو المرض. إننا في زمن نسي الخلف ما عليهم من واجب أمرهم به رب العالمين وأصبح البر تختص به دور المسنين كل واحد حسب ما يدفعه للأسف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*قاصة وشاعرة من المغرب، أستاذة اللغة العربية متقاعدة، عضو في مجموعة من المنتديات الأدبية والبيئية، من مؤلفاتها: ديواني شعر “أوراق خريفي أزهرت” و”البريق المتبقي”، وثلاث مجموعات قصصية قصيرة “مغيب شمسي” 2014م “تجرعت كأسي” 2018م و”ظلّ طيف” 2019م.

 

Hits: 3