شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

“كوباني” مدينة البطولة والأمل – فادي وليد عاكوم

68

 

عبثية الأحداث في سوريا المستمرة منذ سنوات لم تنتج حتى الآن إلا شلالات الدماء النابعة من أجساد السوريين، بعد أن تحول الصراع إلى تصفية للحسابات الدولية، وتنفيذ مآرب بعض الدول وتأكيد سيطرة البعض الآخر، فأصبح الطفل السوري الخاسر الأكبر، والمقصود كل أطفال سوريا دون استثناء، فالطفولة لا تنقسم إلى معسكرات سياسية أو عسكرية.

أطفال سوريا عانوا ويعانون من القتل والإصابات والإعاقة، والأمراض النفسية التي سترافقهم لفترة لن تكون بقصيرة، فشبح الموت لن يغيب عن عقولهم الصغيرة بسهولة، وصور القتل والدمار ستكون دائماً ببالهم،  والأهم أنهم تحولوا إلى رجال قبل أوانهم، خلال سعيهم للتأقلم مع واقع الحال، بل حتى خلال سعيهم للبقاء أحياء في بلد الموت والدمار.

كان نواف في العاشرة من عمره عندما بدأت الأحداث الدامية في سوريا، وها هو اليوم وبعد مرور عشر سنوات يكاد يبلغ الخمسين، فالذي مر به والأحداث التي عصفت برأسه وكيانه جعلت من السنة الواحدة ثلاث سنوات من التجارب والمآسي، هو نواف الطفل السوري الذي حولته الحرب إلى رجل بجسد طفل.

انطلق نواف برحلة مع عائلته من دمشق إلى الرقة، كان من المفترض أن تنتهي خلال أيام، فوالده جابر ذاهب لزيارة عمه المريض على فراش الموت، ترافق نواف مع والده ووالدته وجدته وأخيه الأصغر باسل، وحظه العاثر صادف اليوم الأول للرحلة مع بدء الأحداث التي شهدتها سوريا في العام 2011، رأى كيف توترت الأوضاع شيئاً فشيئاً، رأى المجموعات الأمنية كيف انتشرت على طول الطريق إلى الرقة مروراً بكل المناطق التي تقع على هذا الطريق، ماتت جدته بقربه لتسلط أحد الأمنيين الذي منع العائلة في السيارة التي كانت تقلهم من النزول والاتيان بدواء الجدة التي فارقت الحياة بهدوء، وصلوا الرقة التي سرعان ما تحولت إلى بؤرة الرهاب مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عليها، وسرعان ما شاهد بعينيه قيام عناصر التنظيم بقطع رأس والده الذي غامر بالانتقال إلى دمشق للاتيان ببعض المال، اختبئ بعدها في أحد الأقبية مع والدته وأخيه تحضيراً للهروب إلى تركيا عبر أحد المهربين طمعاً بحياة افضل.

قبل الوصول إلى الشريط الحدودي بأمتار حصلت الكارثة مع إطلاق الجنود الأتراك النار بغزارة على المدنيين فقتلت والدته أمام أعينه، ولم يتبقى له من عائلته إلا شقيقه وعمه الهارب إلى لبنان، ولم يدر بخلده يومها أنه سيكون شاهداً على إحدى أرقى ملاحم العصر الحديث، وهي ملحمة مدينة كوباني، التي وصل إليها وكانت قوات النظام قد خرجت منها بالكامل منذ فترة، والأوضاع فيها تقريباً هادئة، فقرر نواف الإتجاه إليها، كان يعلم الاتجاه فقط ولا يعلم شيئاً آخر، وقرر التصرف كالمهربين، أي أن يتنقل ليلاً والاختباء نهاراً، وبالفعل بعد أن ارتاح قليلاً أيقظ باسل وسارا بخط مستقيم قدر الإمكان إلى أن ظهرت الشمس فبانت له بعض المنازل المتفرقة فأيقن أنه وصل إلى إحدى القرى التابعة لريف كوباني، إلا أنه فضل التريث قبل دخولها، فربما يكون فيها بعض عناصر التنظيم.

اختبأ وراء شجرة كبيرة مع شقيقه، كانا في حالة يرثى لها، ثيابهم ممزقة وملطخة بالدماء، وجهيهم اختفت الملامح الأساسية فيهم، وكانا يتضوران جوعاً لدرجة كبيرة، فأعطى باسل الجزء الأكبر من الطعام المتبقي وأسقاه القليل من الماء، وناما بفعل التعب الشديد الذي حل عليهم، لم يعلم نواف كم مر من الوقت، حين أيقظه رجل مسلح كان يهزه ببندقيته، قام مذعوراً رافعاً يديه صارخاً: “أرجوك لا تقتلني.. أرجوك لا تطلق النار”،  طلب منه المسلح أن ينزل يديه ببطء ويكشف عن بطنه، وطلب من باسل نفس الأمر، فنفذا الطلب، ثم طلب منهم إفراغ الحقيبة، ولما تأكد المسلح منهم استدعى بعض المسلحين الذين كانوا على مقربة منهم، وكان بينهم فتاة ترتدي الملابس العسكرية، ابتسمت لهم وسألته عن والده فأجابها أنه قُتل، وسألته عن والدته فأجابها نفس الجواب، سألتهم بلطف لماذا هما هنا وإلى أين يتجهان؟ فجلس أرضاً وكاد أن يغمى عليه، فحمله أحد المسلحين وحمل مسلح آخر باسل ووضعوهما في السيارة وقامت الفتاة بجمع أغراضهم وأعادتها إلى الحقيبة، وانتقلت السيارة بسرعة إلى مكان مجهول بالنسبة لنواف، فلم يكن دارياً بما يدور حوله، فقد كان شديد التعب إلى درجة الانهيار، ولما استفاق وجد نفسه على سرير في غرفة فيها الكثير من الأسرة، ليعلم أنه في مستشفى مدينة كوباني، وسأل فوراً عن شقيقه فأتوا له به فتعانقا طويلاً وبدآ بالبكاء.

عادت الفتاة ومعها أطباق منوعة من الطعام والعصير والمياه، فجلس الشقيقان يأكلان بنهمٍ كبير، فقد كانا بحاجة فعلاً إلى هذه الوجبة بعد ما مرا به، ولما انتهيا من التهام الطعام، تقدمت الفتاة منهم وسألتهم إذا ما كانا يريدان الاستحمام وتغيير الثياب المغطاة بالدم، فوافقا وبعد نصف ساعة تقريباً عادا وقد عادت ملامحهم الأصلية للظهور، قالت لهم الفتاة إن اسمها “شيراز” وقالا لها عن أسمائهم، وبدأ نواف بسرد ما حصل معهم، منذ أن غادرا الرقة إلى حين وجدوهما، ثم أخبرها عما حصل لوالده، وأخيراً سرد لها ما تعرضوا له منذ مغادرة دمشق ووفاة الجدة، لم تصدق الفتاة كلام نواف، وظنت أنه يبالغ بسرد التفاصيل، إلا أنها تكلمت معه أكثر من مرة وكلمت باسل وحده إلى أن تيقنت من صحة كلامهم، وأصبح الولدان حديث المدينة، بسبب ما مرا به ووصولهم إلى ريف المدينة بسلام وحدهما.

علم نواف أنه بين أفراد قوات حماية الشعب، والفتاة تابعة لقوات حماية المرأة، وهم مجموعات مسلحة تحمي مدينة كوباني وريفها من القوات النظامية وعناصر تنظيم داعش، ونُقل نواف وباسل إلى أحد منازل المدينة حيث كانت هناك عائلة تنحدرمن منطقة الرقة تسكنه بعد هروبها من المدينة إلى كوباني، العائلة هي الأخرى كانت قد هربت من بطش التنظيم، الأب كان صاحب أرض زراعية كبيرة في مدينة الطبقة القريبة من الرقة، وفضل الهروب مع بناته الأربع وابنيه حتى لا يتعرضون للأذى من قبل التنظيم، فالأولاد قد يتم تجنيدهم بشكل إجباري، والفتيات قد يصبحن زوجات لعناصر وأمراء التنظيم، استقبلتهم العائلة بحفاوة، وجرى تجهيز مكان المنامة مع الأولاد، شعر الولدان ببعض الطمأنينة بعد أن أصبحا مجدداً بأجواء العائلة ليناما مجرد الاستلقاء على الفراش، واستيقظا بوقت متأخر في اليوم التالي.

شيء فشيء بدأ الولدان بالتعود على الحياة الجديدة، إلا أنهم كثيراً ما كانا يُصابان بنوبات الحزن لدى تذكرهما لجابر ومريم، وكانت العائلة التي ترعاهما تحاول قدر الإمكان إحاطتهم بالعطف والحنان، إلا أن القلب المكسور كان أقوى من أي محاولة لتلطيف الأجواء خصوصاً بالنسبة لنواف.

رغم سنوات عمره القليلة لم يشأ نواف أن يكون ضيفاً ثقيلاً على عائلة أبو أمجد، وبعد النقاش الطويل استطاع نواف إقناع الرجل بأن يعاونه في عمله وطلب منه الاستقرار في غرفة على السطح وكان فيها سرير كبير وخزانة للثياب وطاولة وكرسيين، وفي إحدى الزوايا كانت توجد مغسلة، وفي الزاوية المقابلة باب يؤدي إلى الحمام الصغير، وللغرفة ثلاث نوافذ كبيرة تطل على كافة أطراف المدينة، قرب المغسلة رُكز رف خشبي عليه سخان للمياه وبجانبه عدة الشاي والمتة والقهوة، وقرب السرير رُكزت ثلاثة أرفف صغيرة عليها بعض الكتب العائدة للشاب الذي كان يسكن الغرفة، فالبيت كان ملك إحدى العائلات التي هاجرت إلى ألمانيا منذ الرصاصة الأولى، ويقوم شقيق صاحب المنزل بتأجيره وإرسال المال لشقيقه لدعمه في مصاريف عائلته، وكان ابن المالك في سنته الجامعية الثانية بكلية الآثار، وقد بُنيت الغرفة له كونه كان يمضي غالبية وقته فيها للدراسة مع أصحابه.

خرج باسل من الحمام، فدخل نواف فاستحم وكانت المياه باردة جداً، فلم يكن للغرفة سخان، وقرر أن يحل الأمر في الغد، توجه إلى السرير، ونام بجانب باسل، الذي اقترب منه وطلب منه أن يروي له قصة كما كان يفعل والده، فبدأ نواف بالكلام إلى أن غفا باسل وغفا نواف بعده بدقائق، ولم يستفق إلا على طَرق الباب من قبل أبو أمجد عند الساعة السادسة إلا ربع، وقال له أن يجهز ويلحق به إلى الشاحنة، قام نواف على عجل بغسل وجهه وتبديل ثيابه وقبل باسل على جبينه وكان لا يزال نائماً، ونزل ليلحق بأبو أمجد، فتح الباب وصعد إلى الشاحنة، فناوله الرجل سندويش زعتر وحبة من البندورة، وقال له “صباح الخير يا نواف، كُل إلى أن نصل إلى الزبون الأول، فأمامنا يوم حافل” ، هز نواف رأسه وفي فمه قضمة كبيرة من السندويش ملأت فمه، كان جائعاً جداً وأنقذه السندويش في الوقت المناسب.

وصل أبو أمجد ونواف إلى قرية “أومرك” جنوب المدينة، كانت تبعد حوالي ثلث ساعة فقط، توقف أبو أمجد في ساحة القرية، انتظر رجلاً يقود خمسة خرفان، كان عليهم أن ينقلوها إلى المدينة لأحد الجزارين لذبحها وبيعها، بعد صراع معها استطاع الرجلان والفتى إصعاد الخرفان إلى الشاحنة، وعادا إلى المدينة، أنزلا الخرفان أمام محل الجزار الذي كان بانتظارهما، دعاهما إلى شرب الشاي، ولما فرغا من شربه قبض أبو أمجد مائة ليرة وصعدا إلى الشاحنة، سأله نواف: أليس المبلغ قليلاً؟!، أجابه الرجل: فعلاً، فهكذا عمل يجب ألا يقل عن ثلاثمائة ليرة على الأقل، إلا أن أهل المدينة كانوا كرماء معي جداً، ودبروا لي المنزل بإيجار قليل، ودعموني كثيراً بالمساعدات لدى وصولي، وأنا بدوري أرد لهم البعض من جميلهم.

وكان اليوم الثاني في العمل مختلفاً عن الأول،  فقد قاما بتوزيع بعض المساعدات على منازل بعض الأشخاص في قرى ريف المدينة بموجب لوائح وضعتها الإدارة الذاتية في كوباني، كانت المساعدات مقدمة من إحدى المنظمات الإنسانية السويسرية التي تهتم باللاجئين والنازحين، وفي نهاية اليوم حصل أبو أمجد على حصة وطلب نواف حصة أخرى وسلمها لأبو أمجد، كان العمل في هذا اليوم دون مقابل، فقد اكتفى أبو أمجد بأن يقوم مندوب الإدارة بتعبئة المازوت للشاحنة فقط، معتبراً أن ما يقوم به واجب إجباري إنساني لا يجب أن يتقاضى عنه مالاً، وكَرّت الأيام بهدوء وبنى نواف الكثير من الصداقات مع أهالي المدينة وريفها، وكان الجميع يحبه لشدة أدبه واحترامه للغير صغيراً أو كبيراً،  بالإضافة إلى اهتمامه بشقيقه.

بعد ثلاثة أشهر تقريباً، وفي إحدى الليالي استيقظ نواف على أصوات انفجارات قوية، توجه إلى الخارج ليجد لمعان القذائف بعيداً إلا أن الليل نقل الأصوات بوضوح، وما هي إلا دقائق حتى صعد أبو أمجد، وقال له إن شيئاً ما يجري في ريف كوباني في القرى البعيدة، فقد كانت المدينة محاطة بعدد كبير من القرى والمزارع يصل عددها إلى 400 قرية ومزرعة على الأقل، وكانت الأطراف البعيدة قريبة جداً من مواقع تنظيم داعش، وحاول أبو أمجد طمأنة نواف وباسل وأدخلهم إلى الغرفة ودعاهما إلى النوم فلا شيء يُقلق حسب قوله.

استيقظ نواف في اليوم التالي وكانت أصوات القذائف لا تزال تسمع، كم أن الأصوات اقتربت قليلاً، نزل إلى حيث يركن أبو أمجد الشاحنة إلا أنها لم تكن هناك، وبعد قليل رأى الشاحنة قادمة، وعند اقترابها رأى وجه أبو أمجد متجهماً جداً، فَعلِمَ أن ثمة شيئاً سيئاً يحدث، فلم يسبق له وأن رأى الرجل بهذا المنظر على الإطلاق، أوقف أبو أمجد الشاحنة ونزل منها واتكأ عليها وبدأ بلف سيجارة بطريقة عصبية، حتى أن نواف لاحظ أن أصابعه ترتجف قليلاً، وعرف منه أن عناصر تنظيم داعش الارهابي يقتربون من المدينة وأن العديد من الشهداء والجرحى سقطوا في قرى ريفها.

مع اقتراب المعارك من المدينة بدأ سكانها الهروب إلى تركيا عبر المعبر الموجود عند أحد أطرافها، ورغم تمنع السلطات التركية في فتح البوابات فإنها سمحت للمدنيين أخيراً بالعبور شريطة عدم إدخال أي سيارة أو أي منقولات، فقط الأشخاص يُسمح لهم بالعبور، وبدأت طوابير النازحين بالظهور أمام البوابة بانتظار الدخول إلى الأراضي التركية طلباً للأمان، وكانت غالبية الهاربين من العجائز والنساء والأطفال، أما الشباب والرجال فقد بدأوا بتشكيل مجموعات للحماية، كل مجموعة تمركزت في المنطقة التي تقيم بها، وتم توزيع السلاح على من يريد، وحصل أبو أمجد على بندقية كلاشنكوف -أو الروسية كما يسميها- مع بعض الذخيرة، وأصر نواف على الحصول على سلاح هو الآخر وكان له ما أراد، وبصعوبة أقنعه أبو أمجد بأن يترك الغرفة هو وباسل ويبيتان في الطابق الأرضي خوفاً من الرصاص الطائش أو القذائف التي قد تتعرض لها المدينة في أي وقت، فاقتنع نواف على مضض خوفاً على حياة باسل، ورغم خوفه الكبير فإن نواف كان سعيداً من الداخل لأنه استطاع الحصول على السلاح وربما ستسنح له الفرصة للانتقام من داعش لأنهم أعدموا أباه، فمنظر إعدامه كان يراوده دائماً، وكانت الصورة لا تفارق مخيلته على الإطلاق.

دأب نواف على الحراسة كل ليلة، وكان يمضي معظم الليل مع شباب الحي الذين يقيمون نقاط الحراسة والمراقبة، إذ كانت المخاوف تتصاعد من تسلل عناصر داعش إلى المدينة لارتكاب المجازر بحق المدنيين، فرغم إمكانية الهروب من المدينة فإن معظم الأهالي فضلوا البقاء، قرر أبو أمجد ونواف ترك المدينة إن اشتدت الأمور خوفاً على عائلة الرجل، فبناته وزوجته سيتحولن إلى سبايا وأولاده إلى مجندين في التنظيم، وبعد الاتصال بلؤي عم نواف قرروا الذهاب إلى لبنان عبر منطقة القلمون وجهزت عائلة أبو أمجد بعض الثياب والمأكولات لترك المنطقة بأي لحظة إذا ما دعت الحاجة، ولم يمضِ يومان على وضع خطة الهروب، حتى سقطت معظم قرى ريف المدينة، وبدأ عناصر التنظيم بالاقتراب شيئاً فشيئاً باتجاه الأطراف، ودارت معارك عنيفة عند مداخل المدينة، وبدأت أصوات القذائف والانفجارات تعلو وتقترب وتزداد عنفاً وقوة، وبدأ انتحاريو التنظيم بتفجير أنفسهم بشكل عشوائي بين المدنيين والعسكريين على حد سواء، مما يشير إلى استماتة التنظيم الإرهابي للدخول إلى المدينة.

وفي إحدى الليالي كان نواف كعادته يشارك في حراسة الشارع مع باقي الشباب، وكانت الإدارة قد وزعت بعض أجهزة اللاسلكي للتواصل بسبب الأعطال التي بدأت تصيب شبكات المحمول، ولم يكد ينتصف الليل حتى سُمعت نداءات الاستغاثة عبر الجهاز قرب نواف، كانت إحدى المجموعات ليست بعيدة عنهم قد حوصرت تماماً من قبل الدواعش،  وذخيرتها بدأت بالنقصان ووضعها أصبح صعباً جداً وبحاجة للمساعدة، كانت مجموعة نواف الأقرب إليهم، فقرروا التوجه إليهم للمساعدة، لم يتردد نواف إطلاقاً، علماً أن قائد المجموعة حاول أن يبقيه مكانه كونه حديث الشأن في حمل السلاح إلا أنه رفض وأصر على المشاركة بالمساعدة.

توجهوا إلى النقطة المقصودة، كانوا سبعة أشخاص ونواف أصغرهم، ساروا وراء بعض كالطابور باتجاه المجموعة المحاصرة، كان الظلام دامساً، والرصاص غزير جداً، واعتمد قائد المجموعة على معرفته الجيدة بطرقات وأحياء المدينة للاقتراب قدر الإمكان من المكان المقصود، ومع اقترابهم أكثر كانت أصوات الانفجارات والرصاص تعلو أكثر، إلى أن أصبحوا على بعد 500 متر من المجموعة المحاصرة، لم يستطع نواف ورفاقه رؤية شيء في الظلام، لم يستطيعوا إطلاق النار خوفاً من إصابة المحاصرين، ولم يكن أحد من الدواعش ظاهراً على الإطلاق، ساد السكون قليلاً، واشتعلت المنطقة بشكل رهيب، كانت إحدى المجموعات الأخرى قد استطاعت الاقتراب أكثر من المحاصرين من الناحية المقابلة واستطاعت كشف مكان اختباء الدواعش، فقد كانت مجموعة منهم فقط قد نجحت بالتسلل والوصول إلى هذا العمق من المدينة، دارت الاشتباكات العنيفة واستغل نواف ورفاقه الأمر للاقتراب أكثر، وفجأة تمت إنارة المكان بقذيفة إنارة فظهر الدواعش واضحين جداً، إذ عَلِقوا في أحد الأحياء بين مجموعة نواف والمجموعة الأخرى والمجموعة التي حوصرت، وأطبق الجميع عليهم، وكانت المرة الأولى في حياة نواف التي يطلق فيها الرصاص، ولم يكن إطلاقاً عادياً، بل موجهاً إلى أشخاص ربما أحدهم هو الذي اعتقل والده أو أعدمه، لذا لم يدر بنفسه إلا راكضاً واضعاً يده على الزناد صارخاً “يا كلاب سأقتلكم يا كلاب سأقتلكم”.

استطاع نواف فعلاً أن يقتل اثنين من عناصر داعش، ورغم حماقة تصرفه بهذه الطريقة إلا أن ما قام به أربك الدواعش وسمح لرفاقه وللمجموعة الأخرى بالاقتراب أكثر فتم القضاء على المجموعة بأكملها، وظل نواف يطلق الرصاص على الجثث صارخاً دون وعي على الإطلاق إلى أن فرغ مخزن السلاح، وقبل أن يقوم باستبداله هزه أحد رفاقه من الحي هزاً عنيفاً طالباً منه الهدوء، صارخاً فيه أنهم ماتوا وشبعوا موتاً، وأن عليه الهدوء لمراقبة إذا ما كان يوجد غيرهم وألا يهدر الذخيرة التي بحوزته، ظل نواف يرتجف، كان عقله مشوشاً وكأنه لم يكن هو، فقد تحول في ثوان قليلة إلى وحش كاسر لا يخاف، فقط لأنه تذكر والده ووالدته، سحبه أحد المسلحين من يده، وقال له إنهم يجب أن يعودوا إلى نقطتهم لمتابعة الحراسة خوفاً من تسلل الدواعش إلى حيهم، ظل نواف صامتاً طوال الوقت، لم ينطق بكلمة، فرغم شعوره بالثأر لوالده، فإنه كان يفكر أيضاً بأنه قتل، وسأل نفسه هل أصبح قاتلاً فعلاً؟ هل سيعاقبه الله على فعلته؟ لكنه عاد وقال لنفسه بأنه قتل المجرمين الذين قتلوا والده وكانوا وراء مقتل والدته، وربما لو لم يقتلهم لكانوا قتلوه وقتلوا رفاقه وأبو أمجد وعائلته، فهم هنا للقتل وليس للتنزه وبالتالي فإن الله لن يكون غاضباً منه.

كان ما قام به نواف ليلاً حديث المدينة نهاراً، فجرأته وإقدامه خلال معركة الأمس كانت الخبر الكبير الذي يجري تناقله من لسان إلى لسان ومن منزل إلى منزل ومن حارة إلى حارة، وكان مدعاة للفخر وحافزاً للمقاتلين ودافعاً وتشجيعاً لهم، وبدا الأمر واضحاً حيث كان الجميع يلقي عليه التحية في الشارع ويقولون له نفس العبارة تقريباً: أهلاً بالبطل، وتفضل يا بطل”، وبدا نواف مزهواً بما فعله وقدرته فعلاً على الثأر من الدواعش وأحس بأنه هو الآخر استطاع رد الجميل ولو بقدر بسيط لهذه المدينة التي احتضنته مع أهلها وعطفت عليه مع شقيقه، وكانت المفاجأة عند وصولهم إلى مركز الأسايش حيث اصطف جميع المقاتلين وقاموا بالتصفيق لنواف، وقاموا بمصافحته واحداً واحداً، ودعوهما لشرب الشاي.

بعدها انقلبت الأوضاع بعد أن قام الجيش التركي بتجميع الدواعش في الداخل التركي وفتح لهم البوابة الحدودية مقابل كوباني للانتقام من المدينة وأهلها، فهرب معظم السكان وبينهم أبو أمجد ونواف والعائلة، ولم يكن نواف يعلم أنه يهرب من الموت إلى الموت، فبعد الوصول إلى الحدود اللبنانية وقعت الكارثة بعد اختباء جماعة جبهة النصرة بين المدنيين في محاولة للتسلل إلى لبنان، فوقعت معركة عنيفة قُتل فيها شقيقه باسل برصاصة بالرأس، وفقد أبو أمجد بنتين من بناته، وأكمل طريقه إلى لبنان، بينما قرر نواف العودة إلى الداخل السوري، حيث انضم إلى إحدى المنظمات الانسانية كعامل اغاثي في البدء ثم مراسل يغطي أخبار النازحين والهاربين، وذلك رغم صغر سنه إلا أنه كان قد حاز على ثقة وإعجاب مندوب المنظمة بشكل لافت.

تنقل نواف بين المجموعات الهاربة بأكثر من منطقة وكانت الصور تنهمر على العدسة بشكل متواصل، فقد اعتاد أن يلتقط أي مشهد خلال هذه الظروف لأنها لقطات لن تتكرر، وتركز عمله في منطقة دير الزور لشدة المعارك المعارك الدائرة فيها، وقامت المجموعة الأمنية بتجميع كل المدنيين الهاربين لتقسيمهم إلى مجموعات خلال السير خوفاً من تعرضهم لأي مكروه، وفي هذه الأثناء لاحظ نواف أن إحدى النساء المنتقبات كانت وحدها لا عائلة أو مرافق لها، ورآها تنتقل من أطراف المجموعة إلى قلبها، فساوره الشك، وكان قائد المجموعة بعيداً عنه، فقرر الاتجاه صوب المرأة وإبلاغ قائد المجموعة عنها قبل أن تغيب عن نظره، وما إن اقترب منها وكانت على بُعد بضعة أمتار تلاقت نظراته مع نظرات العيون المختبئة تحت النقاب، وما إن صرخ لقائد المجموعة حتى دوت صيحة تكبير (الله أكبر) ودوى بعدها انفجار ضخم.

تناثرت الدماء والأشلاء، ساد الصمت لفترة وجيزة، قبل أن تعلو أصوات الصراخ من الألم، وبدأت أصوات تنادي الأسماء للاطمئنان عليها، فكل عائلة نادت على أعضائها لمعرفة المصير.

نواف تبخر… انتشرت أشلاؤه لأنه عند الانفجار كان قد وصل إلى المرأة، والتي كانت بالفعل أحد عناصر داعش المكلفين بقتل الهاربين بسبب هروبهم من أرض الخلافة المزعومة، انتهى نواف وانتهت رحلته… وبقيت الكاميرا الخاصة به فقط شاهداً على ما حصل، فعند وقوع الانفجار سقطت الكاميرا وكانت مبرمجة على التقاط عدة صور مرة واحدة، وبفعل السقطة التقطت لحظات الانفجار الأولى ومن بينها مقتل نواف وحوله العديد من الأطفال الذين راحوا ضحية هذه المجرمة الخسيسة.

أكثر من خمسين رجلاً وامرأة وطفلاً، رحلوا عن هذه الدنيا بسبب هذا الفكر الأحمق، الأسود، الشرير، بل رمز الشر، ورحل معهم نواف الذي كان يعي تماماً أنه سيلاقي عائلته في هذا اليوم.

نُشرت صور نواف الأخيرة، وعُممت على أوسع نطاق مع خبر وفاته، وتحول لأيقونة المصورين والصحافيين والناشطين في سوريا وخارجها، أما المنظمة فقد خصصت جائزة سنوية باسمه كما قامت بتسمية عملياتها في سوريا باسمه، وزادت من المخصصات المقررة للأطفال كتنفيذ لإرادة نواف.

أما روح نواف فسرعان ما تلاقت مع مجموعة الأطفال التي انتقلت إلى الرحلة الأبدية معه، ولم يتركها إلا عندما اطمأن عليها، وحينها وجد أرواح أحبابه، كان اللقاء والعناق طويلاً ومؤثراً، ولم يكن لقاء روح نواف مع روح أهله الوحيد من نوعه، بل كان الكثير من أطفال سوريا يتلاقون مع أرواح آبائهم وأمهاتهم، كان مشهداً في الأعلى لا يقل حزناً وقسوة عن مشهد الأسفل، وتمنت روح نواف لو كانت الكاميرا موجودة لتوثيق هذه اللقطات التي لن يمحوها التاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وصحافي لبناني (50 عاماً)، مقيم بالقاهرة، حاصل على شهادة الماجستير في الفنون والآثار (الجامعة اللبنانية، يعمل في الصحافة منذ العام 2003، يكتب مقالات في العديد من الصحف والمجلات اللبنانية والعربية، له عدة مؤلفات سياسية وأدبية منها: “داعش الكتاب الأسود”، “حزب الله وسياسة المتعة… من الإرهاب الى الإرهاب”، المجموعة القصصية “زينة”، “المكونات السورية”، رواية “نواف…حكاية طفل سوري”، “الكرد بين الأحلام وأراضي الواقع”، المجموعة القصصية “بيروتشيما”.

 

 

 

 

Hits: 6