شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

ظاهرة تأخر سن الزواج وتأثيرها على المجتمع السوري – فيدان محمد

33

 

الزواج أصغر مؤسسة اجتماعية في المجتمع والوطن والخلية التي ينتمي إليها كل فرد، وهو الرباط المقدس بين الرجل والأنثى لبناء حياةٍ زوجية مشتركة، واستمرارية للجنس البشري، وفي كنفه تستقر النفس وتهدأ الخواطر، له قدسيته وحقوقه وواجباته، ويعد خطوة مهمة لتأسيس المجتمعات البشرية، ونستطيع القول بأنه مرحلة مهمة جداً في حياة كل إنسان.

يقول المستشرق الاسكتلندي وليم روبرتسون عن الزواج: “ترتقي الشعوب وتنخفض بحسب درجة تقديرها لعلاقة الزواج”.

إن المجتمع السوري عموماً تشهد تحولاتٍ كبيرة سياسية واقتصادية واجتماعية في عصرنا الحالي، بسبب الحروب وأعمال الاحتلال والتغيير الديمغرافي، لتؤثر ذلك بشكلٍ كبير على حياة أفرادها سواءً كان من الناحية النفسية، المعنوية، الاقتصادية، بالإضافة إلى ذلك تدني فرص العمل، وإلى ظهور راضيهم أراضيهم وبيوتهم ونزوحهم إلى كمناطق الشهباء وإلى حالات اجتماعية مرضية، وسلوكياتٌ مضرة بالصحة الاجتماعية والاستقرار النفسي للفرد والمؤثرة بشكل أو بآخر بتأخر أو بتقدم المجتمع، كظواهر التطرف، الطلاق وزواج القاصر وبنسب عالية. وتأخر سن الزواج ظاهرة قديمة وكانت بنسب قليلة جداً، لكنها باتت منتشرة وبشدة ليس فقط بين النساء بل أيضاً بين الرجال، كما نشهد أنَّ الزواج الآن يختلف عما كان عليه في عهد آباءنا وأمهاتنا.

يتخطى الشاب الأربعين عاماً والشابة الخامسة والثلاثين سنة من العمر دون زواج، وذلك نتيجة أسباب عدة أخطرها كما أسلفنا سابقاً الحرب والنزوح، وما تحدثه من انهيار وتدهور في شتى المجالات، كارتفاع المهر وعدم قدرة الشاب على دفع تكاليف العرس ومصاريف المعيشة، وصعوبة العيش في بيت منفرد بعيد عن العائلة الكبيرة نتيجة ظروف النزوح، والعيش المشترك لعدة عائلات في منزل واحد لعدم توفر المنازل الصالحة للسكن، في منطقة تعرضت سابقاً هي الأخرى للحرب، أيضاً وضع بعض الأهالي الشروط التعجيزية لعائلة الشاب، والخوف من تحمل المسؤولية بظرف العيش في زمن الحرب والنزوح، أي عدم وجود الأمن والأمان والاستقرار النفسي في مكان الإقامة، والإفراط في حب الذات والأنانية، الدخول في العلاقات الغير الشرعية بسبب الفوضى التي تخلقها حالات الطلاق وانفصال الوالدين وعدم وجود رادع أخلاقي ومتابع للشاب والشابة، وإرشادهما للحالة الصحيحة من العلاقات الإنسانية، وبحث البنت عن المال في الرجل الذي يأتي لخطبتها، التفكير الاجتماعي الغير منطقي من العادات البالية وإن كانت قديمة حديثة، ألا وهي ارتباط الشاب بفتاة تصغره بكثير، تفكيراً منه أنها ستكون سهلة في تعاملها وبسيطة الطلبات فهي صغيرة في السن ترضى بما يُقدم لها هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الأصغر عمراً قادرة على الإنجاب وبعدد أكبر، وكأنّ كل اللواتي تزوجن في سن مبكر أنجبن أطفالاً، واللواتي تأخرن في الزواج لم ينجبن، والإحصائيات كثيرة تثبت عدم صحة ذلك من ناحية، والعلم قادر على حل المعضلات الصحية بالنسبة للإنجاب من ناحية أخرى خاصةً إن كان هناك بين الزوجين حب واحترام وتفاهم، بالإضافة إلى الخطأ العلمي والنفسي أن الأصغر سناً هي التي تبعث على المتعة والاستمتاع الجنسي، بينما المنطق يقول أنه بوعي الفتاة ينضج فيها كل تصرفاتها المعنوية والجسدية، وتصبح أكثر رقياً في علاقتها الزوجية وتعاملها مع الرجل، وكثيرٌ من الأمثلة نشهدها من نتائج فارق السن بين الزوجين، من طلاق بأعداد كبيرة من قبل صغيرات السن لعدم إدراكهن بمسؤوليات الزواج وعدم قدرتهن للتكيف على هذه الحياة الجديدة لقلة الوعي، أعداد الخيانات الكبيرة نتيجة فارق التوقيت في الوعي خاصة الاجتماعي والثقافي بين الرجل والمرأة، والانطواء داخل الذات من قبل أحدهما بسبب فارق السن وعدم وجود لغة حوار مشتركة، إذاً التقارب العمري إلى حدٍ ما يمكّن من التواصل بين الطرفين، والفارق الكبير بين العمر يخلق شرخاً بين الزوج والزوجة ما يضر بالأسرة وبالتالي بالمجتمع، والسلبية الأخرى أن الزواج بصغيرات السن يقلل من فرص زواج التي تقدمن في العمر بذلك يكون تأخر سن الزواج ظاهرة مرضية اجتماعية.

أسبابٌ كثيرة للظاهرة التي اجتاحت مجتمعنا، وأثرت تأثيراً كبيراً بتأخر سن الزواج، وعدم الزواج أو العنوسة، كما يطلقها البعض ولا يُفضل استخدام هذا المفهوم لأنه يمثل توصيف سلبي، وقد يترك أثر نفسي سلبي إن لم يكن هناك وعي لمعنى هذا المصطلح، فطالما الإنسان ينتج ويعطي ويُسعد ويبني فهو خلاق، أي العنوسة لا وجود لها إلا عند الشخص السلبي.

يقول الكاتب والباحث المصري محمد طارق: “العنوسة الحقيقية أن تكون بلا علم، بلا ثقافة، بلا وعي، وبلا فكر، وبلا روح، وكيان وشخصية مستقلة”.

فالأنثى التي تدرس وتعمل وتحقق ما تتمناه وتقوم بإنجاز كل عمل يخدمها ويخدم مصالح مجتمعها ليست بعانس، وحتى الشاب معني بذلك.

الحقيقة إن كان الرجل أو المرأة في سن الثلاثين وما فوق، فهم يصبحون أكثر نضجاً ووعياً وحرصاً في الاختيارات، وإن الأنثى في عمر الثلاثين ما فوق، وحتى الغير المتزوجة تسعى لبناء أسرة صحية وصادقة أكثر من انجرارها خلف العواطف والمشاعر في عمرٍ أصغر، فهي تكتسب خبرة إدارة الحياة اليومية والاعتماد على نفسها مع الأيام، فما لا تتحمله في السابعة عشر من العمر، تستوعبه وتستطيع حله والتأقلم معه حين تتجاوز العشرين والثلاثين.

هنا لا نشجع على التأخر في الزواج بل نشير إلى أنَّ التجربة والحياة تكسب الخبرة، وأنَّ الشاب في اختياره للفتاة عليه إدراك التناسب فيما بينهما كشريكين سيعيشان معاً، ويتشاركان الحلو والمر معاً، كذلك الأمر بالنسبة للفتاة تختار من يكون أمنها والموازي لأهلها، فما يُبنى على متانة فهو متين ولا تهزه أعاصير ولا تكسره زلازل الكون.

لذلك على عائلة الفتاة أن تبحث عن الرجل المناسب الذي يستطيع إسعاد ابنتهم، وألا يأبهوا كثيراً بتكاليف المهر، وإنما يبحثوا عن رجل أخلاق يحفظ ابنتهم ويصونها ويسعدها، وعلى الأهل ألا يرفضوا اختيار ابنتهم للشخص الذي ستتزوج منه والعكس بالنسبة للشاب.

هذه الظاهرة السلبية الخطيرة والمرض الاجتماعي تحتاج منا ومن كل شخص في هذا المجتمع، الانتباه لأخطاره فتزايد النسب في تأخر الزواج، يعني ظهور عادات دخيلة على عاداتنا وثقافة مجتمعنا، ومع الزمن وعدم الاكتراث باستفحالها يُهدد النسل بالانحسار، ووجود علاقاتٍ غير شرعية، بالتالي يُعتبر أحد طرق الحرب الخاصة في الإبادة العرقية، والدقة في البحث كي نجد الحلول المناسبة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة، قبل أن تصبح ثقافة في مجتمعنا.

وكيلا لا تصبح ظاهرة تأخر سن الزواج لأسبابٍ اجتماعية أو اقتصادية أو نوع من مفهومي الأنانية والحرية الخاطئ معضلة اجتماعية، والتي تكون نهايتها تهديد النسل وإلحاق أضرار تؤثر على بنية المجتمع، علينا بالتوعية من قبل الحكومات المحلية والمؤسسات المعنية بشؤون الزواج والأسرة على حد سواء، لضرورة الحد من التأخر بسن الزواج وعدم الوصول إلى مفردة العنوسة، علينا الأخذ بعين الاعتبار الجدية في الاهتمام بسلبيات هذه الظاهرة، وذلك من أجل النهوض بالمجتمع نحو آفاق أكثر تقدماً ونجاحاً.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عضوة اتحاد مثقفي عفرين، مواليد عام 1990م، درست الأدب التركي بجامعة حلب، لها كتابات بشؤون المرأة والمجتمع.

 

Hits: 5