شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

تجليات إيمانية في رواية “فما بكت عليهم الأرض” للفلسطينية هيلانة الشيخ – أم النصر مامين

42

 

أم النصر مامين

 

 

 

 

 

 

عنوان الرواية كما يتضح اقتباس قرآني مؤثر ومعبر عن ما تطرق إليه العمل، وهو من الآية رقم ثمانية وعشرون من سورة الدخان “فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين”.

تدور أحداث الرواية في القرن العشرين وفي مدينة تسمى دير البلح الواقعة وسط قطاع غزة، وتحكي قصة شاب فلسطيني يسمى “زهر” ولد لأم تسمى “قمر” فائقة الجمال وصارخة الأنوثة لكنها ضريرة ومعوقة ومعدمة، ومستباحة من لدن المحيطين بها ومكبا لنزواتهم الغريزية، والصادم أن الابن سيكون من ضمن هؤلاء ويجعلها وجهته كلما عصف به الشبق واشتدت به الغلمة.

“زهر” ابن غير شرعي لامرأة تغتصب باسم الحب، تهتك باسم الأمومة، تهتك الطفولة وتعيد الخلق في خلق جنين، حيث خلق من جفار امرأة لك ولهم” ص ١٠٨. عاش بغير أب، وشب في بيت مهجور من طرف أدعياء المثالية، مع امرأة محطمة ومنكسرة، ولولا “شهاب” الحداد  و”أبولو” الراهب؛ لما صمد هو وأمه أمام عواصف الجوع التي تهب عليهما كل حين، ولتحامل عليهما الفقر والجفاء وأنهيا حياتهما.

تناولت الرواية قضية الشرف العربي المسلوب منذ عقود ورمزت إلى ذلك بالمرأة “قمر” وما جرى معها في حياتها المنكوبة والتي تآمرت عليها الظروف حتى جعلت منها “عاهرة تغتصب وتغتصب حبلى بذنوب الجسد، رتقت بكارتها بعرس سموه (عرب)” ص٤٣، المرأة في الرواية هي القضية بدء من قمر انتهاء بـ “جويرية” العشيقة التي لا تنتمي للآدميين رغم أن “زهر” يتمنى لو كانت بشرية تعفيه صفعات النزوة وتعيذه حرقة التيه والندم، لكنها ليست أكثر من حلم جميل جاء نسيم الشاطئ محملاً به، فكان على شكل أنثى فاتنة ذات شعور مرهف وإحساس وديع جعلت العشق يتملكه والجوى يشتد به كلما انقضت فترة دون أن يراها لكن “عندما تتبخر الأحلام وتبقى حرارتها، نتيقن أن الكون أكذوبة مجمدة تحت أقدامنا” وجويرية مجرد حورية أهداها البحر إعرابا له عن سروره به.

لقد أرغم “زهر” جمال جويرية الساحر وهيامه الشديد بها على أن يتساءل ملتاعاً عن هويتها وخلفيتها قائلاً: “ألست اليقين كشجرة الزيتون في بلاد فلسطين؟ ألست الحرية والكرامة المسلوبة على موائد الغرباء” ص١٠٧ . هذه التساؤلات كافية لنفهم أن المرأة في عمل (هيلانة الشيخ) هي الوطن و المنفى، الحب والحرب، الفضيلة والرذيلة، الدين والهرطقة، وهي المتسع والهامش.. و كل المتناقضات جميلها وقبيحها، حسنها وسيئها، أعلاها وأدناها، وهي التي تعطي معنى لكل ما ليس له معنى وتضفي على كل ما هو جميل قبولاً وحبوراً، وهذا السؤال كذلك الذي سبقه استهلال أشبه بنغمات ناي ينفخه رجل تملكه الشوق ما هو إلا تأكيد على ما تقدم ذكره: “فلا جيوب للخوف إلا جيباً واحداً هو جسد الأنثى، فأي بديل لها إن تحولت كل الإناث فلسطين” ص١٢٠ .

في هذه الرواية يتجلى الإيمان بالله وبالوطن والحرية، وكل قضية عادلة وقيمة إنسانية عليا، وكأن الكاتبة هيلانة تريد إخبارنا بأنه لن يصح إيمان الشخص إذا لم يؤمن بالقيم الإنسانية السمحة ويسعى إلى تمكينها في الأرض، لذلك ما أطلقه زهر من تساؤلات كالزفرات الملتهبة مستنكراً الواقع المر الذي تعيشه البشرية اليوم هو دليل على ذلك: “يتساءل لم كل هذا العداء؟ ولماذا لا تتصافح القلوب وتعتنق الحب وطنا ودينا؟ لماذا لا نتوحد بشرع السلام؟” ص٣٠ .

إلا أنني أود التنبيه إلى أن كلمة (ظمأ) في جملة “عدا سن السكاكين كلما ظمأ حدها” ص١٢٢ كان أكثر قواماً وفصاحة برأيي لو كانت: (كلما فتر حدها) لأن ظمأ لها علاقة أوطد بالماء والتعطش إليه بدل السكون بعد الحدة والشدة أي ما هو أنسب للسكاكين والنساطير وشحذها أو سنها.

وأيضاً بالنسبة إلى ما ورد في جملة: (وتنسكب العيون كرصاصات)ص١١٢ فهل قصدت الكاتبة بالرصاصات جمع الحجر أو الحجارة اللاصقة بجوانب العين الجارية؟، علما أن هذه الكلمة تجمع على رصص، أم انها تقصد بالانسكاب.. تلاحق وتدافع الرصاص من المدافع بعد الضغط على أزندتها؟، وإذا كان الأخير هو قصدها فكان الأولى لو اتبعت كلمة (انسكب) بهذا التشبيه أو ما هو على غراره؛ مثلا لو كتبت: (وتنسكب العيون كانسكاب الماء في الغدير) وبهذا تكون الجملة حققت غايتها البلاغية كتشبيه محكم، وغايتها الدلالية كاتساع العين وجمالها الأخاذ، وهذه مجرد ملاحظات رغم أن الروائي مثل الشاعر كلاهما يخلق معجمه الخاص به.

في هذا العمل الروائي ستشم عبق تراب فلسطين الذي فاح بعد رشها بمسك الشهداء والذي كلما نضحه العدو الغاصب ليكسر به شوكة المقاومة في نفوس أصحاب الحق ويسكن به زوابع النضال التي تخلف غباراً ينتفض له الأحرار ويختنق به الغدر؛ وتشتعل جذوة التحرر في نفوس المستعمرين وتتسامر الشجاعة والبأس والإقدام في ليالي البغي والطغيان حتى ترد كيد الكائدين وتدحر أعداء الوطن و الحرية والدين، “وأي رائحة تلك التي تفوح بخليط من الورد و الوأد” ص١٢١ .

تعتبر هذه الرواية من الأدب الإيروتيكي، لغتها شعرية أنيقة ورصينة، سردها ماتع وأحداثها نسجت بحبكة وجراءة بالغتين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أم النصر مامين: 21 عاماً، تقيم في نواذيبو، طالبة وبطلة تحدي القراءة العربية في موريتانيا.

*هيلانة الشيخ: أديبة ورسامة سعودية من أصولٍ فلسطينية، اسمها الحقيقي “سهير عطية”، ولدت بالأردن بمدينة الرصيفى عام 1976م، وانتقلت للعيش بالمملكة العربية السعودية مع والدها منذ طفولتها. التحقت بجامعة أم القرى لدراسة الإدارة؛ دعوة وإعلام. ولها اسهامات فنية في معارض وبازارات البحرين. لها ثمانية مؤلفات حتى الآن: “الهيلانة” (ديوان شعر) 2010م، شخصيات من ورق (سيرة ذاتية) 2015، “مقتطفات الهيلانة” (نثر) 2015، “تبسمت جهنم” (رواية) 2016، “تموز والكرزة” (رواية) عن دار البندقية المصرية 2017م، و”ما بكت عليهم الأرض” (رواية) عن دار فضاءات الأردنية في 2018م، و”البوكر” (رواية) عن داري الاختلاف الجزائرية وضفاف اللبنانية في 2019م. “امرأة أمسكت في ذات الفعل” (رواية) عن منشورات إيبييدي 2020م.

 

 

Hits: 5