مجلة أدبية ثقافية فصلية تصدر باللغتين العربية والكردية في شمال وشرق سوريا

بين حاجزين.. جمعتهم الحرب وافترقا – سلوى حمو شرو

 

سلوى شرو

 

جمعتهم الحرب وافترقا بين حاجزين، كان يقول لها: إذ ما رأيتك في المستقبل بعد فراقنا سترتجف قدماي ولن تحملني… وسأسقط أرضاً.

فكانت ترد عليه قائلة: أمّا أنا سأنظر لك بدقة ولن أبعد عيني عنك.

رأته في ذاك اليوم بين الحاجزين، ذلك الحاجز الذي وضع في زمن الحرب فاصلاً بين أجزاء المدينة الواحدة، كان حاجزاً بين نظامين، بين فكرين… وبين شخصين.

لم يستطع أن ينظر إليها، عندما لمحها من بعيد، كانا يمشيان على طرف واحد من الرصيف وهي لم تكن قد رأته بعد.

ومع اقترابه أبعد نظره عنها وتشاغل بجواله، وعندما لمحته نظرت إليه بدقة، كان هو نفسه لم تغيره السنين، ولكنه لم يكن هو نفسه من كان في الماضي.. هكذا أحست.

مرا بمحاذاة بعضهما.. بجانب بعضهما دون أن يتقاطعا، كما تقاطعت قبلها الكلمات والأحداث بينهما.

أحست بأنها التقت به بعد ألف سنة.. وحدها تعلم ماذا حصل وقتها بين الحاجزين… بركان وثوران ومشاعر حقد وألم وذكريات أبت أن تخرج من ذاكرتها اللعينة.

تلبكت بعدما تجاوزته، ولم تنتبه للسيارات والمارة الذين احتشدوا عند الحاجز.

بدأت تضحك بصوت مسموع في الشارع، ضحكات تصطبغ بأصوات الألم.

تنبه الجندي الواقف عند الحاجز لها، ونظر إليها باستغراب، وعندما انتهت نوبة ضحكتها… بكت.. بكت بحرقة، أحست بالدموع حارة تنسكب بدون إرادتها.

كان الليل معتماً راغباً أن يشاركها حزنها، وفي منتصف الطريق خانتها قدماها ولم تستطع المشي، مثلما خانتها روحها ذات يوم وهاجرت إليه.

جلست على الرصيف بعد أن قطعت الحاجز بمسافة قصيرة، لطالما أحبت الجلوس على الأرصفة في الليالي.. هي رغبة كانت موجودة لديها منذ القدم، قد تجلسها مع كوب من القهوة تشتريه من بائعين في زوايا الشوارع.

ولكنها الآن جلست لأن قدميها خانتاها على الوقوف، لم ترد فنجان قهوة، أرادت لملمة نفسها من أرصفة الطريق.

ما زالت الدموع على خديها، هي تعلم أن الدموع الحارة لا تنبع إلا من ألم عميقة.

تقافزت الذكريات في رأسها، لم تستطع التركيز على صورة واحدة، كانت الذكريات ومضات سريعة تأتي وترحل كبرق يلمع في ليلة مظلمة وسرعان ما يتلاشى مخلفاً ألماً وحريقاً في مكان سقوطه.

بالقرب منها كان هناك الكثير من الأبنية التي هجرت أغلب سكانها، فأتاها صوت أغنية قديمة لأم كلثوم وهي تردد (صدفة أتاحت لقاءنا فالتقينا)، فسألت نفسها أأم كلثوم تقصد بهذه الكلمات اللقاءات التي ترسم البدايات؟ أم تقصد اللقاءات التي تأتي بعد النهايات؟

هنا أعادتها كلمات الأغنية للقائها الأول معه قبل سنتين عندما اجتمعت به في إحدى الجلسات وهي مع أصدقائها، وقتها لم يرق لها، كان تصادماً بالأفكار بينهما، فهما من فكرين مختلفين، شعرت بالضيق لوجودها في هذا المكان مع شخص مثله لم يعرف من الآراء والأفكار سوى رأيه ولم يقتنع بفكر إلا ما يخدم فكره.

أما هو… وجدها تحدياً له، فهو يحب المغامرات، كانت النزعة الإقطاعية تسري في عروقه ومازالت خصاله معجونة بماء العنصرية، وبمجرد اختلافها معه في الآراء بعثت فيه شرارة نزعته السلطوية، وأصبح إخضاعها لإرادته هو غايته.

شاءت ظروف الحرب، أن تجعلها ضعيفة أن تعصف بها كما عصفت بمدينتها أن تجعلها معرضة للاغتصاب كما اغتصبت أشجار الزيتون في وطنها، فكانت تتماوج بين مدينتين، بين زمنين وبين حلمين لا واقع لهما.

مد هو لها يده في خفاء الظلام، وانساقت هي وراء قلبها المهشم ما بين أصوات الرصاص والغربة إليه، كانت تقول في نفسها وهي على الرصيف: هذه حال الحروب بالإضافة للقتل والسرقة، هناك مؤامرات تحاك، وألاعيب تدار ومصائد يقيمها سفاحي الحروب للإيقاع بفرائسهم من أرواح وأموال ودماء… ونساء أيضاً.

وهي على الرصيف آلمها أنها أمنت بشخص لم توافق على آرائه منذ اللقاء الأول، آلمها أنها شعرت بنواياه لكنها استمرت في تكذيب نفسها بسذاجة بالغة.

كانت تسأل نفسها في تلك اللحظة: أفقد الوطن يجعلنا نفقد آرائنا؟

أضياع جذور تاريخنا يجعلنا نتوه في دروب القرارات؟

عاودها شعور الضيق أنها أرست سفينة قلبها في شاطئه الكاذب، أكان مبرراً أنها كانت في زمن الحرب والمجهول، أنها أرادت أن تخلق لها مدينة آمنة ولم تجد لها مكاناً سواه، فحطت برحالها، وأفكارها، وإرادتها في وسط قلبه، وما إن أحس هو باستسلامها للحب حتى بدأ مرحلة ما بعد الاحتلال. مرحلة الاخضاع والانحلال، مرحلة أن يخضع العبد له، أن يجعل العبد يشعر بأنه خلق ليكون عبدا لسيده. بأن يزرع في تفكيره أن لا حياة له من دون سيده، وبأن القواعد التي وضعها هي قوانين يوجب العقاب عليها إذ ما خالفها.

وقتها لم تعرف كيف تصف حالتها لكنها الآن تستطيع أن تضع تسمية لنفسها، تستطيع أن تعلم بأن أصعب ما قد يفعله الإنسان أن يذهب لسجانه بنفسه، أن يلج باب معتقله بنفسه، أن يرضى بساعات العذاب بنفسه، ولا يدرك كم الظلم الذي أوقعه بنفسه إلا عندما توصد أبواب السجن خلفه.

حثت نفسها على النهوض، فقد عاد لها ذلك الصوت لمخاطبتها، هو نفس الصوت الذي لم يفارقها وهي تئن تحت وطأة الآلام فيما مضى، فقال لها:

انهضي… فما زالت الطريق طويلة، وأنت قادرة على المشي.

كان هو نفس الصوت القديم الذي كان يخاطبها في سجنها ويقول لها:

كيف اعتقدت أن العدو قد يصبح صديقاً؟

ومن قال أن المياه قد تتحول لدماء بمجرد صبغها باللون الأحمر؟

ومن أخبرك أن الدول قد تسلم حكمها للثوار؟

كانت تتضامن مع هذا الصوت خفية في داخلها، و تسأل نفسها أحياناً:

أتعتقدين أن من ظن نفسه إلها سيقبل أن يكون إنساناً؟

وأن من باع وطنه سيدفع دمه دفاعاً عنه؟

في صميمها كانت تعلم الإجابات ولكنها كانت تتجاهلها، ظانةً أن الحب كما في القصص الخرافية يحقق المستحيل، وبأنه سيغير ذلك الضفدع إلى أمير لمجرد تقبيله، ولكنه للأسف عاد إلى أصله ذئباً، كان همه أن ينهش من روحها قبل جسدها.

شهقت وهي تمشي في ذلك الليل الذي زين بنجمات متناثرة هنا وهناك، نظرت للسماء بعيداً بعيداً… وزفرت طويلاً مخرجةً كل الهواء من رئتيها، توقفت دموعها أو هي أوقفتها وأكملت سيرها لمنزلها.

تركت أفكارها حرة تجول في رأسها، ومن بين ثنايا الأفكار عاد ذلك الصوت عذباً يخاطبها:

لقد استطعتِ الحصول على مفتاح سجنك وخرجت منه بعد جلسات من التعذيب، نعم تشوهت ملامحك قليلاً وستبقى الندوب علامات على معركة خضتها لأجل أفكارك ولكنك لم تموتي… ولن تموتي للقاء بين حاجزين.

فمن جمعتهم أفكار متناقضة لم يفرقهم وجودهم بين حاجزين.

لأنهم لم يكونوا قد التقوا.. قط.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مواليد حلب عام 1985، خريجة ‏كلية الأداب والعلوم الإنسانية ــ قسم ‏اللغة العربية‏ بجامعة حلب‏. عملت كموجهة  لمدارس الادارة الذاتية بعفرين ودرست في جامعة عفرين، لها اهتمامات أدبية وتكتب القصة.