مجلة أدبية ثقافية فصلية تصدر باللغتين العربية والكردية في شمال وشرق سوريا

الأُدباء الكُرد بين مفهوميّ الهُويّة واللّغة – تحقيق: عبد المجيد إبراهيم قاسم

 

عبد المجيد قاسم*

 

تعدُّ طبيعة العلاقة بين اللغة والهُويّة؛ طبيعة أصيلة ومتجذّرة، يفسّرها موقع اللغة ومكانتها ضمن عناصر مقوّمات الهُويّة، إذ أنها – أي اللُّغة – أهم مقوّمات الهُويّة وأكثرها عمقاً وخصوبةً، لكنها ليست المقوّم الوحيد لها، فللهُويّة تجلّيات أخرى غيرها، فهي تبدو أشبه ما تكون بالنسيج الذي يتكوّن من عدّة خيوط، تتشابك معاً لتشكل قطعةً واحدة، واللُّغة إحدى خيوطه الرئيسية.

اللُّغة الكرديّة، تنتمي إلى اللغات الهندو أوروبية، ويتبعها لهجات عدّة، أشهرها: اللهجة الكرمانجية، التي يتحدّث بها أكثر من نصف الشعب الكردي، واللهجة السورانية، وهي الثانية من حيث الانتشار، ولهجات أخرى، كالدملية أو الزازية، والهورامية، وهي لغةٌ نابضة بالحياة, استطاعت عبر مئات السنين الحفاظ على أغلب مفرداتها وأساليبها وقدرتها على التعبير، كما أنها لغةٌ تمتاز بالمرونة والحيويّة والتجدّد، والمقدرة على استيعاب معطيات العصر، والتعبير عن مخترعاته الحديثة. يقول المستشرق (پول بندر) عن اللغة الكردية أنها لغةٌ: “رشيقة، متناسقة النبرات، بسيطة صريحة غنيَّة متنوِّعة، يسهل تعلمها، تمتلك النفوس برقّتها.. واللغة الكرديّة هي لغة شعرية، والشعر فيها يشمل جميع الفروع ويتناول الطبيعة كلها”.

وعن ماهيَّةِ العلاقة بين الهُويّة واللّغة، بالنسبة إلى الكُرد والأدب الكردي خصوصاً، فهي من المواضيع الإشكالية والمعقدة إلى حدٍّ ما، وتثير مجموعة كبيرة من التساؤلات: لماذا يكتب بعض الأدباء الكرد بلغاتٍ أخرى؟ وما هي الدواعي لذلك؟.. هل لأنهم يجدون صعوبةً في التعبير والكتابة بلغتهم الأم؟ خصوصاً ممّن مضى بهم الزمن إلى مراحل متقدِّمة في العمر، أم لأنها لا تمتلك تلك الخصائص المتوفرة في اللُّغات التي يكتبون بها، والتي قد تمنحهم قدراً أكبر من الشعور بالحرية في كتاباتهم الإبداعية، أم أنَّه الانبهار بلغة القاهر، والتماهي فيها لحدٍّ يرون فيها لغة التحضّر المثلى، أم أن المسألة خارجة عن إرادة هؤلاء الكتاب أنفسهم، إذ لم يجدوا أنفسهم إلا وهم يكتبون بهذه اللُّغة، من جهة أخرى ألا يشتغل أغلب هؤلاء الأدباء على إيضاح الصورة الحضارية الحقيقية للشعب الكردي، وما قدَّمه من إنجازات خلال مسيرته التاريخية المتجذِّرة، ونقل أبعاد المأساة التي يعيشها منذ مئات السنين، ولا يزال، والتعبير – بكلِّ أمانة – عن مكنونات الشخصية الكردية، وحجم المعاناة التي تحمَّلها، والطموحات التي يحملها بداخله إلى الشّعوب والأمم الأخرى، بل للكرد أنفسهم، إذ – كثيراً – ما يتلقّى الكرد ثقافاتهم بلغات أخرى غير لغتهم، وذلك في ملابسات وظروف تختلف تماماً عن ظروف عدد من الكتّاب والأدباء والمبدعين ممن انتموا إلى الأصول الكردية، وكتبوا بلغات غير الكردية، من أبرزهم في العصر الحديث: أحمد شوقي، ومعروف الرصافي.

وبالوقت نفسه يمتنع البعض من هؤلاء عن الكتابة بلغة الآخر القويّ، ويرونها لغة القمع والمنع والكبت، ويدعون إلى الكتابة باللغة الأم ولو في أصعب الظروف، رافضين المبررات بأنها اللُّغات التي تعلّموها في المدارس التي لم يجدوا غيرها، وتلقّوا ثقافتهم عن طريقها.

وبذلك ينقسم الأدباء والباحثون بين إدراج نتاجات الكاتب الكردي؛ المكتوبة بلغة الآخر ضمن الأدب الكردي وبين عدم إدراجه، حتى قد يذهب البعض للتشكيك بهُويّة هذا الأديب الأساسية عندما يكتب بلغةٍ غير لغته الأم، وهنا نورد شهادتين تعبِّران عن وجهتي نظر مختلفتين إلى حدٍّ ما، لأديبين كرديّين تشكِّلان مقاربة في هذا الموضوع، فيقول الباحث (مظفر بشير): “إن الأدب الكردي هو المكتوب باللغة الكردية، أما الأدب المكتوب بلغة أخرى من قبل أدباء أكراد فهو ليس أدباً كرديّاً”. ولكن بالمقابل يذهب القاصّ (خورشيد أحمد) بقوله إلى أن: “نتاجاتهم – يقصد الذين يكتبون بالعربية – هي جزء من الأدب الكردي، عندما تعكس صورة الشعب الكردي.. وعندما تكون شخوص قصصهم ورواياتهم، كرديّة بأحلامها، ودواخلها، وسيكولوجيتها، وبهذا العناد المخبأ في قلوبهم، بعاداتها وتقاليدها، كرديّة في كلّ ذلك، والأمكنة التي تتحرّك فيها هذه الشخوص كرديّة بتلالها وأشجارها، بأسماء جبالها، ووديانها”.

نرصد في هذا التحقيق آراء نخبة متميّزة من الكتّاب والأدباء والمبدعين الكُرد في منطقة الجزيرة؛ ممن أثروا الحياة الفكرية والأدبية والثقافية – عموماً – بنتاجاتهم الثَّرة والقيِّمة، من خلال تكرمهم بالإجابة على هذ الأسئلة المطروحة.

 

(Konê Reş/ كوني ره ش) كاتب وشاعر:

على الرغم من إجادتي الكتابة باللغة العربية، واشتغالي بها في بعض الأحيان، ورغم أن معظم أصدقائي الكتّاب يكتبون بها, إلا أنني لا أستطيع التعبير عن خلجات نفسي سوى باللغة الكردية، لأن هذه اللغة بالنسبة لي؛ هي الكيان، والشخصية، والوصول إلى المشاعر الحقيقية، وبالتالي فهي الوجود والهوية.. نعم، هنالك حالات لا يمكنني التعبير عنها إلا باللغة الكردية،  كما هو الحال عند الكاتب العربي الذي لا يستطيع التعبير عن مشاعره إلا بلغته العربية.. وإنَّني حتى عندما أكتب بالعربية أفكر بالكردية.. حقيقةً لقد استفدت كثيراً من اللغة العربية في مطالعاتي وتوسيع آفاقي المعرفية، وحتى في كتاباتي باللغة الكردية.. وكونها تمثّل مصدراً أساسياً من مصادر ثقافتي بشكل عام، وجمعت بها مخزوناً هائلاً من المعرفة والاطلاع، لذا أجدني مديناً لهذه اللغة الجميلة.

إنَّ الكاتب هو الذي يختار لغة الكتابة بالدرجة الأساسية, ويتوجَّه بها مباشرة لمن يتداولونها، وأنا عندما أكتب باللغة الكردية فأنني أكتب لبني جِلدتي، أولئك الذين يتكلمون ويقرؤون بالكردية, وحالتي هذه مشابهة للذين يكتبون بالعربية أو التركية أو الفارسية أو الإنكليزية, والكتّاب الكورد الذين يكتبون بغير الكردية، كاللغة العربية أو الفارسية أو التركية.. لا يمكن أدراج أسمائهم بين أسماء الكتّاب الكرد، إنني أكتب بالكردية، كي ترفرف الطيور بحرية في كبد السماء، أكتب لعيون الصبايا الحالمات كي ينتعش فيهنَّ الأمل والأمان, للربيع كي يزدهر بالفرح في قلوب العشّاق, للجبال كي تحافظ على شموخها, للحجل كي تشدو بين بيادر النرجس, للأيائل، ولجبال (سيبان خلات) كي يتمكَّن كلّ (سيامند) من البحث عن (خجي), أكتب بالكردية لآرارات وجودي وبيره مكرون وباكوك، حتى أحافظ على لغتي وهويتي من الضياع.. لأن اللغة – كما هو معروف – إحدى أهمّ مقوّمات القومية، وهي كل ما تبقى لدينا نحن الكورد، ولعل أنجع سبيل للمحافظة عليها هي الكتابة بها عبر ما تحتويها من الأجناس الأدبية، لأننا – للأسف – مهزومون في كثير من الجبهات، إلا جبهة اللغة فنحن منتصرون.. نعم، علينا أن نناضل بكلِّ ما أُتينا من القوّة حتى نحافظ عليها.

 

إبراهيم يوسف، كاتب وروائي:

ثمّة حوار ساخن؛ بات يطرح من قِبل عدد غير قليل من الكتّاب الكرد، الذين يكتبون بلغتهم الأم، يقللون خلاله من شأن تلك الكتابات التي تكتب بلغة غير اللغة الأم، وذلك على نحو تكاد تراه مفتعلاً بعض الأحيان، وذلك لدوافع تكاد لا تتعلَّق – من وجهة نظري – إلا بهواجس ذاتية لدى بعضهم، وتحديداً في ما يخص القيمة الفنية لكتابات قسم منهم، مقابل ما يكتبه بعض الآخرين، وهي مسألة مقدرة من وجهة نظري، لأن الكتابات الكردية تظل مهمة بنظري، حتى ولو كان المستوى الفني لبعضها متواضعاً، لأن الكاتب الكردي يحفر في منطقة-  بوار – غير محروثة من قبل بالشكل اللازم، ناهيك عن ظروف الحصار على اللغة والأدب الكرديين حتى اللحظة، لاسيما من قبل بعض المنابر القوموية التي لما تزل تواصل سياسات التمييز العرقي، ضد الكرد، تحت هذه الذريعة أو تلك. وحقيقة، فإنه إذا كنا ننظر بإنصاف لما يكتب كردياً باللغة الأم، فإن هناك الكثير الذي يمكن الذود خلاله عن الكاتب الكردي الذي يكتب بغير لغته الأم، طالما إن لغته ظلت ممنوعة، مقموعة، غير معترف بها، وغير مقروءة، بل إن ثقافته التي شكلها كانت عبر أداة لغوية أخرى، هي التركية أو الفارسية أو العربية، ناهيك عن أنه تمرس على الكتابة بغير لغته الأم، ولعلنا إذا طلبنا من عدد ممن أبدعوا كتابياً بغير لغتهم الأم بأن يكتبوا بها، لما تمكنوا من تقديم ما يعتد به.

وهنا فإننا أمام كاتبين كرديين يكتبان بغير لغتهما الأم، أولهما يتبنى روح إنسانه، وهمومه، وتطلعاته، ويربط إنتاجه الكتابي بقضية شعبه، وثانيهما يكتب ما هو عام، بعيداً عن جرح إنسانه، وتطلعاته، وأحلامه، فإن النموذج الأول من الكتابة ليعدُّ أدباً كردياً حتى وإن لم يكتب باللغة الأم – فاللغة في الأدب أداة، لكنها لدينا الكرد باتت الآن قضية – أما النموذج الثاني من الكتابة لا علاقة له بالكردية إلا من خلال الانتماء العام للكاتب الذي لا يمكن لأحد أن يجرده منه، إلا إذا شاء هو ذلك، وثمة كتّاب كرد يكتبون بغير لغتهم، كما إنهم لا يعدون أنفسهم كرداً لهذا السبب أو ذاك، وهو شأنهم، فالانتماء القومي، الانتماء إلى الهوية هو خيار، لا وراثة، وإن كان يحق لنا نقد هؤلاء سياحياً، من دون أن يكون لنا الحق في مصادرتهم لخيارهم، لاسيما وإنه في المقابل ثمة من هو غير كردي، كما يمكن أن يقال، بيد أنه ليعد نفسه كردياً في خط الدفاع الأول عن شعبه، نتيجة إحساسه بشرف هذا الانتماء، وهو خياره، وإذا كنت قد لجأت إلى موضوعة ثنائية العلاقة بين الهوية واللغة إلى مجرد مثال الكتابة باللغة الأم أو غيرها، فلكي أجعل منها مدخلاً للإجابة عن هذا السؤال: ما العلاقة بين اللغة والهوية؟. من جهتي أرى أن الهوية واللغة لا تنفصلان، إلا إن عطب سمة اللغة لدى أحدنا نتيجة ظرف سياسي عابر، لا يمكن له أن يلغي سمة الهوية، كما أنِّ الحالة الكردية تظلُّ مستثناة نتيجة جملة الاحتلالات التي تعرضت له خريطة الشعب الكردي فبات مغترباً عن لغته، كما أنني أرى أنه في الحالات الطبيعية فإنه من لمن اللزام علينا تعليم وتعلم لغتنا الأم، ولعلّي أسوق مثالاً على ذاتي: كتبت بغير لغتي الأم – وأنا أحب اللغة العربية طبعاً – وذلك لأنها اللغة التي تشكلت بها ثقافتي، بالرغم من أن لي كتابات باللغة الكردية في مطلع شبابي، لكن إمكاناتي الكتابية كانت دون إمكاناتي في اللغة العربية، وما فعلته هو أن وفرت لأبنائي وبناتي إمكان تعلم لغتهم الأم والكتابة بها، وهو ما حقَّقه أكثرهم.

 

– منير خلف، شاعر:

لا أعتقد أنّ شجرةَ تينٍ يمكنُ لها أن تُثمرَ عِنَبَاً، سواءً أكانت فوق جبال هيمالايا أو كانت في قرية (جوزي) القابعة خلف جبالِ طوروسَ التي خلّفتْ والديَّ غريبَينِ في هذه الحياة، تاركَينِ قريتَهما في مهبِّ الغياب، أو كانت تلك الشجرةُ في قريتي (شاغر بازار) التي خلّفتني أيضاً غريباً حتى هذه اللحظة عن كلّ ما يحيطُ به، كما لا أظنُّ أن ديكاً يستطيعُ أن يموءَ أو يصهلَ صهيلَ حصانٍ لا تستطيعُ أيةُ جهةٍ للريح أن تسدَّ حاجتَهُ إلى الانطلاق نحو فضاءٍ لا حدودَ له، كذلك فالأديبُ الكرديُّ لا يمكن له أن يبكيَ إلا بالكردية، أو أن يضحك إلا بكرمانجيّته مظهراً حزنَها العميقَ.. حزنها المكبوتَ.. المدفونَ في قبر صدره منذ مئاتِ السنينَ، بل آلافِ الأحزان.

الأديبُ الكرديُّ ينحَتُ بصمةَ آهاته على صخرةٍ بيضاءَ فتصبحُ سوداءَ قاتمةً كجغرافيا حياته الملبّدة بغيوم النكسة الممتدة إلى ما قبل ولادته والمستمرّة حتى بعد رحيله، لأنّهُ يولد وفي فمه ملاعقُ من كَبْتٍ أسودَ، وأشواكٌ من علقم الصّمت، ولا تخفى على كلّ ذي بصيرة أو كل ذي قلبٍ فقيهٍ آلافُ الغصّات في حلقه، إنه المنذور أبد حياته بالاصطدام بما حوله، حتى إنه يحارب ظلّهُ دون الحاجة إلى أدوات حرب، كون نفسِهِ ذاتِها تشكّلُ حرباً خالصة لوجه العدم في خضمّ الحضور.

وأنا إذ أكتبُ بغير اللغة الكردية فليس معنى ذلك أنني لستُ كرديّاً أو أنني هاربٌ منّي، إذ لا معنى لكلماتي الحُمْرِ التي تنزفها طيورُ أصابعي الخُضرُ على صفحاتي الصفراء إن لم أكن أنا المتوّجَ بكل الآلام التي روّضتها (زين) على جبين (ممو)، أو رسم طريقَ حسرته (سيامندُ) وهو يبحث عن (خجي) خديجته التي تنكّرتْ لوجوده منذ بداية عصر العناد الكرديّ إلى دموع (شيرين) وهي تخطّط لملاقاة (فرهادها) الهاربِ من ظلاله ليعودَ إليها حاملاً كلّ خساراته ومراراته.

أكتبُني شاعراً بكلِّ لغات العالم، وأدركُ تماماً تقصيرَ جميعِ معاجمِ اللغةِ على فكّ شفرتي أو حلّ الأسرار التي أراني غارقاً في غيابات آبارها.. أكتبُني وأنا أشعرُ أنه لا توجدُ لغةٌ على وجه ألسنة البشر استطاعتْ أن تُتَرجِمَ حزني وتفقَهَ ما يُريدُهُ سكّانُ روحي المعبّؤون بكل ما تورّدَ على جناح فراشةٍ أو رأتْهُ عينٌ أوتيتْ ما أوتيتْ من بصيرة أو رؤية تشدّانِ حبلَ صرّةِ الفكرة إلى أمِّها الوَلودِ. أكتبُني قارئاُ حدادَ قلبي الكرديَّ على عالمٍ متخمٍ بالأنا المحاولةِ إصلاحَ ما أفسدتْهُ يدٌ خارجةٌ على حدود وجودها، لتصل إلى آخَرِها: هويّتِهِ الإنسانيّة التي لا تكتملُ إلا بالانتماء إليها، وأيّاً كانت كتابتي بالإنكليزية أو بالعربية أو حتى بالسنسكريتيّة فلن أكون إلا (أنا) المنتميةَ إلى إنسانيّة الإنسان التي لا تحدّها لغةٌ ولا عِرقٌ ولا لسانٌ إلا مَنْ أتى الحبّ بلقبٍ يقين.

 

– حليم يوسف، قاصّ وروائي:

إن منع الكرد من التعلّم بلغتهم من قبل الدول التي تتقاسم الوطن الكردي، خلق وضعاً مأساوياً للكاتب الكردي، الذي يضطر الى الكتابة باللغة التي تعلَّم بها، والتي هي لغة جلاده الروحي، ويتماهى بعض الكتاب الكرد مع هذه اللغات المفروضة على طفولتهم بالقوة، ويحاولون تصوير الأمر فيما بعد وكأنها حالة طبيعية، وأن الكتابة بتلك اللغات أمر اعتيادي ومألوف. وتشكل هذه الحالة الكردية ظاهرة ملفتة في الكتابة الأدبية في اللغات الثلاث التركية والعربية والفارسية، حيث ساهم الكتاب المنحدرين من أصول كردية بكثافة في تأسيس وتطوير آداب هذه الشعوب، في حين بقي الأدب الكردي فقيراً، مهجوراً، جريحاً، يئنُّ تحت وطأة المنع والتهميش. وإذا تناولنا وضع الكتابة الأدبية في الساحتين السورية والعراقية، فإننا نجد أسماء من مختلف الأجيال، تنتمي إلى أصول كردية، ساهمت بقوة في انتاج الأدب العربي في هاتين الدولتين ومن مختلف الأجيال. وأنا أميل – بدوري – الى الرأي القائل بأنَّ اللغة هي التي تحدّد هوية الأدب، ولا يمكن اعتبار الأدب المكتوب بلغة غير الكردية أدباً كردياً، وإن كان كتابها كرداً. هذا في العموم، إلا أنَّ الخصوصية الكردية في هذا السياق يفرض علينا أمراً لا بد من الوقوف عنده في رأيي، وهو تناول نتاجات بعض الكتّاب الكرد المكتوبة بالعربية كظاهرة لها خصوصيتها في سياق رصد التحولات التي طرأت على الأدب الكردي أو الأدب المكتوب من قبل الكتّاب الكرد عبر التاريخ.

وهنا يمكننا تصنيف الكتّاب الكرد الذين يكتبون بالعربية الى ثلاثة أصناف: الأول يكتب بالعربية عن مواضيع خارجة عن نطاق الهموم الكردية ولا تلامسها لا من قريب ولا من بعيد، الثاني يكتب بالعربية عن البيئة الكردية، متناولاً الهموم الكردية وتفاصيلها الاجتماعية والسياسية والتاريخية، الثالث هو الذي يكتب باللغتين العربية والكردية، وفي رأيي يمكن البحث عن منطقة ثالثة لنتاجات هؤلاء الكتاب، وهي منطقة لا تنتمي الى الأدب العربي بمعناه المعهود، لأنها نتاجات تتناول الموضوع الكردي ومكتوبة من قبل كتّاب كرد، كما أنها لا تنتمي الى الأدب الكردي بمعناه المعهود لأنه أدب مكتوب بلغة غير الكردية. أي يمكن تناول الأدب الذي يكتبه الكتّاب الكرد بالعربية كظاهرة لها سياقاتها التاريخية والسياسية والثقافية الخاصة.

بالنسبة لي فإنني أنتمي الى الصنف الثالث الذي يكتب باللغتين الكردية والعربية، كنت، مثلي مثل الكثيرين من الكتّاب الكرد، بحكم الظروف السياسية المعروفة، قد “خرجت من جلدي” وصدرت كتبي الأولى بالعربية، الى أن تمكَّنت وبعد جهد كبير من العودة الى الحالة الطبيعية، وهي الكتابة بلغتي الأم، أما الآن فقد أصبحت الكردية لغتي الأولى في الكتابة، في حين تراجعت العربية الى المرتبة الثانية.

 

– نوشين بجرماني، كاتب وشاعر:

بداية لكم كلّ الشكر على التطرّق إلى هذا التحقيق الذي يُلامس إحدى أكثر المسائل الإشكالية بين الكتّاب الكرد.. من المعروف أنَّ لكلّ أمة من الأمم لغة، وهي – اللغة – وعاءٌ يضمُّ تراث وذاكرة هذا الشعب أو ذاك، ويدلُّ على خصوصيتها، إنَّ اللغة من أهم مقومات الهوية، بل هي الهوية ذاتها, وبالتالي عند دراستنا لخصوصية الكاتب الكردي الذي يكتب بغير لغته يحق لنا أن نتسائل، هل يُعتبر من الأدب الكردي، أم من الأدب المكتوب باللغة التي كُتب بها؟ إن هناك مجموعة من العوامل التي تدفع ببعض الكتّاب الكرد الى الكتابة بلغة القومية السائدة التي يتعايش معها في كل جزء من أجزاء كردستان المقسمة بين دول عدة، ولأن اللغة الكردية حوربت دائماً، وكان من نتائجها أنَّ الكرد نهلوا من أصناف العلم والمعرفة والأدب بغير لغتهم هذا أولاً, وثانياً فإنَّ هذه اللغات الأجنبية غدت لغتنا الثانية في التعلم، فاضطر الكتّاب الكرد للكتابة بها، ومن ناحية أخرى يجدون أن الفرصة لم تتح لهم لتعلّم الكردية منهجاً دراسياً، وبهذا يصعب على بعضهم استخدام اللغة الكردية كلغة أدبية يكتب بها أفكاره ويترجم عواطفه واحاسيسه، فهل نعتبر الكاتب الذي يكتب بغير لغته كاتباً كردياً؟ إنَّ لكل أدبٍ مجموعة مقوّمات، لعل أبرزها هي اللغة التي يكتب بها هذا الأدب, وبالتالي لا يكفي أن تكتب عن الكرد، وما يعانوه، أو عاناه الشعب الكردي في ماضيه وحاضره, ونسميه أدبا كردياً, وإلا لكان كل ما كتبه الكتاب والمستشرقون الأجانب بلغاتهم من الادب الكردي، وندرجه ضمن الإرث الثقافي  والادبي الكردي. من جهة أخرى، هل يمكن أن نعتبر الشاعر الكردي الأصل أحمد شوقي شاعراً كردياً، وهو الذي أعتُبر أميراً للشعراء العرب, وغيره كابن خلكان..؟ إذن اللغة هي التي تحدّد هُوية الأدب والأديب بذات الوقت. هنا أورد مقولة الفيلسوف الألماني (هيدجز) حيث يقول: “إن لغتي هي مسكني وهي موطني ومستقري، وهي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه”.

أرى أن الكاتب الذي يكتب بغير اللغة الكردية، هو وقلمه يخدمان الشعب الكردي وقضيته عبر التعريف بها بلغة تلك الشعوب التي كتب بها هذا الكاتب أو ذاك, لكنه لا يندرج ضمن خانة الأدب الكردي.

 

– علاء الدين حسن، كاتب وأديب:

اللُّغة موقف اجتماعي، وليست محض حروف وكلمات، واللُّغة تُكتسَب بالتَّكرار، فتصبح أوَّلاً صفة، ثـمَّ حالاً، ثـمَّ ملَكة، أي صفة راسخة أو طبعاً، إنَّها معاناة طويلة ومتكرّرة للخطأ والصَّواب، حتَّى تغدو عادة عفويَّة، واستعمالاً لا تكلُّف فيه ولا جهد. واللُّغة وسيلة إنسانيَّة خالصة، وغير غريزيَّة إطلاقاً؛ لتوصيل الأفكار والأفعال والرَّغبـات عن طريق نظام مِن الرُّموز الَّتي تصدر بطريقة إراديَّة .

ومِن الحقائق الثَّابتة الَّتي لا تقبل جدلاً، أنَّه بغير اللُّغة لا تكون حضـارة، ولا تكون أمَّة؛ بل لا تكون حياة، فالإنسان بغير لغة إنسان بلا حياة، واللُّغة إذا وَجدت تربةً خِصبةً نَمتْ وأورقت وأزهرت وأثمرت، وإذا وَجدَت بيئة قاحلة ذَوَتْ وذَبُلَت وتدنَّى فكر أهلها، ولا يـمكن لأمَّة – بحال – أن تتقدَّم في معارج النَّهضة وسلَّم الرُّقيّ إلاّ بوسيلة لغتها، وعلى قدر ما تحتفظ بلغتها ترقى في حياتها، فاللُّغة هي المثقال الَّذي تقاس به الأمم ويوزن قدرها عليه، فكلَّما زاد الموزون وعَظُم؛ زاد المثقال وعَظُم، وكلَّما نقص نقص، وهكذا.

مِـن هنا فإنَّ الاعتزاز باللُّغة مطلب حضاريٌّ واجب، ولا يعني البتَّة تعصُّباً أو جموداً، كما يظنُّ البعض؛ بل هو معنى كريم، وشعور مشروع، لا تخجل منه الأمم المتحضِّرة ولا تخفيه، وإنَّما تتباهى به وتبديه، وتنطلق في أكثر شؤونها على أساس منه، ولا أدلّ على ذلك مِن اليابان في العصر الحديث، فهي أكبر شـاهد وأبلغ دليل على قوتِّها وتقدُّمها، وهي لا تزال تستمسك بلغتها وعاداتها وتقاليدها. ويتَّفق أغلبيَّة علماء اللُّغـة على أنَّ وظيفة اللُّغة هي: التَّعبـير والتَّواصـل والتَّفاهم، رغم أنَّ بعضـهم يرفض تقييد وظيفة اللُّغة بالتَّعبـير والتَّواصـل؛ فالتَّواصـل إحدى وظائفها، إلاّ أنَّه ليس الوظيفـة الرَّئيسـة.

 

– محمود بادلي، كاتب وشاعر:

هناك من يقول في هذا الشأن أن الأدب بكلِّ تفرعاته وبأي لغة كانت يبقى أدباً مادام سمته الأساسية هي الإبداع ذاته، ولكن مهما يكن فذلك الإبداع بحد ذاته نتاج ثقافة وحضارة معينة، أي ان هناك علاقة جدلية بين مسألة الإبداع والثقافة سواء أكانت فردية أو جمعية، والاشكالية الجذرية تكمن في عروق الثقافة التي يتشرب بها الكاتب والأديب، وأعتقد أن اللغة هنا هي الاداة لتشكِّل الثقافة ذهنياً ونفسياً واجتماعياً واقتصادياً، وبالتالي تعدُّ المرجع النواة للاجيال الحاضرة والمستقبلية .

وهنا تتحدَّد اللغة كمقوّم أساسي للهوية، فهي ذات الأديب، وإن كانت للذات هنا أكثر من وجه ولون.. تبقى اللغة التي يكتب فيها الكاتب نتاجاتاته هي هويته بغض النظر عما يتناوله من موضوعات في نصوصه الأدبية.

 

– عبد الباقي خلف، كاتب وباحث:

إنَّ اللغة هي كل وسيلة لتبادل المشاعر والأفكار والإشارات والأصوات (حسب معجم المصطلحات العربية) والهوية: ما ينتسب إليه الإنسان من وجود جغرافي واجتماعي (ثقافي وديني وقومي) ولعلَّ بينهما علاقة جذرية وتداخلية، وفي الجانب الثقافي منه فإنَّ الإبداع قد تجاوز حدود الخصوصيات المحلية، ولا يمكن لأحد أن يتجاهل ذلك أو يقوم بنفي الآخر بزعم اختلاف اللغة مثلاً مما لا يقبله عقل أو منطق، والأمثلة في الآداب العالمية كثيرة جداً، وأقرب مثال لذلك الأدباء المغاربة الذين كتبوا بلغة موليير – الفرنسية – وأشهرهم الأديب الطاهر بن جلون، الذي ولد ودرس بالمغرب، ثم رحل لباريس ليكمل دراسته، وقد كتب بالفرنسية، ويعتبر نفسه كاتباً فرنسياً بامتياز، لكنه صدم حين رأى كتبه في فرنسا تصنف في خانة (الأدب الأجنبي) كما أن عشاق أدبه المغاربة لا يرونه إلا كاتباً مغربيَّ الهوية والانتماء، أما الكاتبة الألمانية هيرتا مولر، التي نالت جائزة نوبل للآداب 2009 فقد عاشت في رومانيا سنوات من عمرها، وكانت مسرح أحداث رواياتها ومادتها الخصبة، ولو نزعنا من أدبها ثوب اللغة لخرج رومانياً خالصاً، فبالرغم من أنها ألمانية الأصل واللغة لم ينسها الرومان، بل كانت موضع شرف وفخر لأنهم وجدوا في أدبها آلامهم وأحزانهم الحقيقية.

والأدب الكردي ليس بمنأى عن ذلك، إذ كيف نجرّد أدباً يستلهم معاناة الشعب الكردي ويحكي آلامه وأفراحه في زخم كبير من القصص والروايات والملاحم والأشعار من هويته الحقيقية وخصوصية رسالته التي يؤدي أو نتهمه بأنه أدب الآخر لأنه لم يكتب بلغته الأم، ربما لنا أن نقول: إنَّ الكتابة باللغة الكردية تعاني من إشكالية المصطلحات والمفردات، بسبب من التقسيم الجائر، وللأسف فإننا إلى الآن لم نشهد مجمعاً لغوياً يوحّد تلك المصطلحات والعبارات التي نحتاجها، حتى برزت للسطح تسميات وألفاظ غريبة تلفظها الذائقة الكردية.

الخلاصة: إنَّ الأدب رسالة إنسانية سامية، لا يمكن لأحد تحييده أو يقف في وجهه أو يحجره، والأدب الكردي اليوم بسبب من كتابته بلغات عديدة استطاع أن يتجاوز الآفاق، ويعبر الحدود، ويبلغ رسالته المقدسة كافة الشعوب، لكن هذا لا يعني تناسي اللغة الأم التي وهبها الخالق للإنسان فتجب المحافظة عليها وخدمتها الخدمة اللائقة بها بكافة الوسائل.

 

– أنس قاسم، شاعر:

أما إننا – ككرد – إذا ما قمنا بتصنيف الأدباء، وأبتعدنا قليلاً عن العاطفة التي طالما خسرنا بسببها المعارك في مجالات عدة، بالرغم من قدرتنا على الانتصار بها، ولكن للأسف العاطفة كانت تغلبنا دائماً، أما الآن فهناك تحولات، ويجب أن نواكبها، ومنها مساحة حرية التعبير وإن كانت في أدنى مستوياتها، ولكنها تبقى متاحة. الكاتب – برأيي – يصنف حسب اللغة التي يكتب بها، فالكاتب بالعربية يصنف ككاتب عربي، وإلا لماذا يكتب بالعربية إن لم يقبلها، أما عن الأسباب التي دفعته لذلك، فالكل سيأتي بحجج يراها دامغة، وهذا رأيه بالنهاية.

أما أنا فأقول بصراحة أنها حجج واهية، فالولوج في الكتابة بلغة القوي إنما يضعك في خانة الضعف والاستقواء والاستعلاء بالغير. وفي نفس الوقت ترك اللغة الأم لمصير حتمي، وهو الاندثار والتقوقع والتراجع والانكفاء في زاوية شبه ميتة، تخيَّلوا معي لو أنَّ الكتّاب الكرد كلهم كتبوا بالعربية والتركية حباً بالشهرة… أين كانت اللغة الكردية الآن، ثم كيف لي أن أصنِّف كاتب باللغة العربية أو التركية ككاتب كردي، وهو لم يخدم، ولم يحاول أن يخدم لغته الأم بشيء، لا بل أن أغلبهم لا يجيدون القراءة الكتابة بالكردية، إنما كانوا يخدمون أنفسهم عبر لغة جاهزة تعلموها في المدارس التي كانت مفروضة علينا جميعاً، وكانت سهلة وكثيرة المصادر ومتوفرة ومتاحة ولم يفكروا يوماً بتعلم الأبجدية الكردية أو كتابة مقال واحد بها.

أما عن رأي البعض أن موضوع الكتاب هو الغاية، أي أن الموضوع باعتباره كردي، فالكاتب حتماً يكون كردياً، وهذا منافي للحقيقة، إذ أن هناك الكثير من الكتاب يكتبون عن الطبيعة أو السياسة أو الحيوانات، فإلى من سيصنف أولئك؟ أما عن أنَّ اللغة الكردية كانت ممنوعة ومصادر تعلمها نادرة وشحيحة، بل كانت مغامرة بالنسبة للمتعلم الكردي. فأقول: إننا مررنا بتلك الظروف – وكلنا يعلم – ولكننا تعبنا وسهرنا وجاهدنا حتى تعلمنا لغتنا الام، ولم نهدأ أو نركع لبريق الشهرة وآفاقها، فالظروف كانت قاسية على الجميع، ولكن كتّاب العربية من الكرد جذبتهم الشهرة وسهولة الطباعة والنشر، وهنا أؤكد مع خالص احترامي لكل كاتب وبأيّة لغة كانت أن الإبداع موجود في كل اللغات، وما عليك إلا بانتقاء لغة الإبداع لتكون واحداً من مبدعي تلك اللغة. أما أنَّ هناك البعض يرى لغته الأم قاصرة ولا تصلح كلغة أدب، إنما ينم عن قلّة إلمامه بالكردية ونظرته القاصرة لها، وعدم اكتراثه بها، فعلى سبيل المثال الشعر الكردي له عشرة بحور، ولكل بحر فروع كثيرة يصل مجموعها إلى حوالي المئة وخمسون وأكثر، أما الشعر العربي فليس له إلا ستة بحور فقط، وله تسعة فروع، فيكون مجموعها ستة عشر وسموها مع الفروع بحوراً، وبمقارنة بسيطة بين بحور الشعر العربي والكردي نرى بأن الكردية أكثر شاعرية من العربية، وإلا فكيف استطاع الكرد كتابة الشعر بهذا العدد الكبير من البحور، وبالنهاية فإن لكل إنسان منا رأيه، لعله يخطأ أو يصيب، المهم أن يدلو بدلوه، عسى أن ينتفع به البعض.

 

– ماهين شيخاني، قاصٌّ وتشكيلي:

مما لا شكَّ فيه، أنَّ لكلٍّ منا عالمه الخاص، وظروفه المحيطة به من كلّ الجوانب (البيئية- التعليمية- الاجتماعية) وبما أن هناك إشكالية حول الكاتب الذي يكتب باللغة الأم، والكاتب الذي يكتب بلغة ثانية هي غير لغته الأصلية، وبما أنَّ الأسئلة موجّهة لهاتين الشريحتين، وأنا كوني ممن يجمع بين اللغتين (العربية والكردية) إذ أكتب القصة القصيرة باللغة العربية والشعر باللغة الكردية، أقول أنَّ سبب كتابتنا باللغة العربية تعود الى أسباب سياسية وقمعية في تلك الحقبة الزمنية التي فُرضت على القومية الكردية، فكما تعلمون أن الدراسة كانت باللغة العربية، فأصبحت ثقافتنا عربية، ونهلنا من معينها طوعاً أو مرغمين لإكمال دراستنا، وتكوين ذخيرة لا يستهان بها من المفردات العربية لدينا، من خلال مطالعاتنا للكتب المتوفرة والتي كنا نقتنيها في مكتباتنا، أو من خلال دراستنا في المراحل التعليمية.

شخصياً أنا أعتبر القصة أو أي جنس أدبي آخر يجسد واقعنا ومعاناتنا، ويعبِّر عن أحاسيسنا ومشاعرنا أو عن الشخوص والبيئة التي تعبر عن أحوالنا، لو كتبت بأيِّ لغة – أعتقد – ستكون جزءاً من الأدب الكردي، فمثلاً: المرحوم يشار كمال: الكاتب الكردي- التركي المعروف، والحائز على عدة جوائز،كتب باللغة التركية وترجم كتاباته الى لغات عالمية ومنها العربية كقصة (مامد النحيل) ألا يشعر القارئ بأنه أمام واقع كردي بحت، وأيضاً الكاتب الكردي- السوري المعروف سليم بركات، والذي حصل – بدوره – على جائزة توخولولسكي من السويد، وترجمت أعماله الى لغات عديدة، ألا يشعر القارئ لدى قراءة أعماله بأنه في قرية كردية نائية حيث البيئة والشخوص والحيوانات، فـ “سيرة الصبا، والجندب الحديدي، ومعسكرات للأبد.. الخ.” تؤثِّر، بل تحفر في ذاكرة كل قارئ بأنها كردية الهوية.. باعتقادي العمل ليس هو فقط اللغة، بل إن اللغة هو جزء من العمل أو النتاج، وهنا سأعرج الى قصتي التي كتبتها باللغة العرببة منذ سنوات مضت بعنوان: “الحدود” فالبيئة والشخصية والجغرافيا والظلم والاضطهاد والحرمان، تُعرِّفك هوية القصة، ولو ترجمت أو كتبت بلغات العالم. فالكتابة بلغة الأم لها أجر، وبلغة الغير أو ترجمتها أجران، كونها ترفد المكتبة الأجنبية بعمل، وتعرّف الشعوب الأخرى بشعبك وقضيتك.

 

– عماد مفرح مصطفى، كاتب وصحفي:

الهوية تركيب معقد، لا يتحدد باللغة وقواعدها وتراكيبها وتعبيراتها، فقط. إذ أن اللغة، في الأساس، مكتسب حضاري وبشري، سابق لظهور أي نزعة قومية أو أثنية، وتصنيفها كمرتكز وجوهر للهوية القومية، ظهر في فترات لاحقة ومتأخرة من تاريخ البشرية، مع ظهور النظريات القومية التي سمحت لنفسها إعادة قراءة التاريخ والجغرافيا واللغات، وفقاً لتوجهات أيديولوجية محددة، نابعة من تطور الذهنية العصبوية القبلية والعشائرية، واحتياجاتها الحديثة.

ولأنه لا يمكن تحديد الهوية بأسئلة أيديولوجية فقط، فالهوية تتجاوز ذلك المعترك، إلى إستيعاب تيارات متباينة إلى حد التناقض والتنافر في توجهاتها، لذا يأتي السؤال حول احتمالية انتماء نتاجات الكتاب الكرد باللغة العربية إلى الأدب الكردي من عدمها، هو سؤال يغلب فيه المنطق الأيديولوجي والسياسي على المنطق الأدبي. ولعله يستبطن بالضرورة، “ذهنية تخوينية”؛ بمعنى إن كل من لا يكتب بلغته الأم، فهو خارج سرب الوطنية والانتماء الكردي، وطبعاً يتناسى السائل إشكالية وجود هوية أدبية كردية واحدة وموحدة في ظل تعدد اللهجات التي يكتب بها الكرد،” الكرمانجية والصورانية والزازاكية” واختلافاتها حتى على مستوى القواعد، وصعوبة التواصل بين متحدثيها، أم أن الهوية السياسية هي المحددة للهوية الأدبية وانتماءاتها.

برأي هذه الأسئلة وغيرها، نابعة من إحساس الأفراد بتهديد العولمة لهوياتهم، وهي بصورة ما، تعبر عن أزمة الهوية الكردية المعاصرة، والتي تحاول الهرب من استحقاقات المرحلة إلى الثبات في دور الضحية وعقدة الأقليات، بكونها توفر الأجابات السهلة والمريحة، نعم، الثقافة واللغة الكردية، محكومة بظروف قاهرة وقاسية في ظل غياب مؤسسات بالمعنى الحديث، والتي جعلت الوعي الكردي مسكوناً بهاجس الموت والزوال، لكن ذات الظروف لا تبدو مسؤولة عن احتلال كامل الوجود الكردي من قبل أيديولوجيات شمولية ودغمائية لا تعترف بالثقافي والمعرفي والأدبي إلا ضمن توظيف أيديولوجي وحزبي، بائس ومقيت.

 

– عباس موسى، كاتب وقاصّ:

إنّ اللغة هي الحامل الرئيس للهويّة وخاصة لشعب قمع في موطنه ومُنع من التكلّم بلغته أو الكتابة بها فضلاً عن جعلها لغة العلم والفكر والسياسة، ولا يمكن للغة ما أن تكوّن هوية للكرد، سواء كانت العربية (لغة السلطة ولغة الدين) أو الفارسية والتركية (لغات السلطة)، فينبغي أن تكون اللغة الكردية حاملة لهذه الهوية ومعبّرة عنها، وإن لم يكن الأمر كذلك لما منعته الحكومات في جغرافيا الكرد، ولما شنّعوا من يودّ إحيائها، لهذا قتل موسى عنتر، ولهذا اعتقل العشرات، وتعرّض الكرد لإبادة ثقافية مركزها اللغة الكردية، حتى أنّ الأنظمة المستبدة بالكرد منعت تداول اللغة الكردية في الأماكن العامة والمدارس، وضيّقت الخناق عليها من كلّ حدب وصوب، رغبة منها في جعل اللغة الكردية لغة شفاهية للتواصل فقط، إذ من الصعب إلغاء لغة التواصل لشعب ما، فقد أبقوا عليها، إلا أنَّ الجارة تركيا بقيادة الأتاتركية القوموية تحديداً لم تتوقّف على التضييق على اللغة، بل مارست إبادة ثقافية محكمة بحقّ الكرد، طوال عقود، حتى نجحت – إلى حد ما – في نزع اللغة الأم من حليب الأمّهات، فرضع الأطفال الكرد هناك حليباً تركياً الصنع.

ما يهم في مسألة الهوية اللغوية وارتباط هوية المنتج الأدبي بالهوية الإثنية والقومية، وهو السؤال الأكثر جدلاً لدى النخبة الثقافية الكردية، وهو ما إن كان المنتج الثقافي والفكري والأدبي أو حتى البصري بلغات الآخرين يعبّر عن الهوية الثقافية الكردية، إن الإجابة بـ لا عن هذا السؤال الجوهريّ سيُبعِد نتاجاً كبير للمثقفين والكتّاب والأدباء الكرد الذين تركوا لنا إرثا يُعتدّ به بلغات الآخرين، وكأبرز مثالين على ذلك (يشار كمال بالتركية وسليم بركات بالعربية) كون المثالين معبّرين عن القضية بشكل مباشر، وكونهما تناولا الهمّ الكرديّ بتلك اللغات. بطبيعة الحال أجدني أقف إلى جانب الرأي القائل بأنّ ما هو كرديّ هو ما كتب بالكرديّة حصراً، وما كتب بلغات الآخرين فيرفد مكتباتهم ويغنيها، ولكن ما تناول منها الهمّ الكردي سيترك لنا مدوّنة معبّرة عن الكرد كتلك التي يكتبها الآخرون عن الكرد كالمستشرقين بلغاتهم أو الترك والعرب والفرس بلغاتهم.

إنّ القضية ليست سهلة بالفعل فهي ليست مسألة تصنيف، وإنما تتعدّاها إلى ما يمسّ الوجود الكرديّ، وتبرز القضية كحالة سجال حين نتكلّم عنها خارج اللغة الكردية، فهل كان ينبغي أن يكون هذا السجال بالكردية، أعتقد أنّ الجواب هو نعم حتماً، وما تدواله بلغة الآخرين سوى جزء من هذا السجال.

 

– مروان شيخي، شاعر:

أشكركم على إثارة هذا الموضوع الذي لم يزل مصدر النقاش بين مختلف طبقات المجتمع (الثقافية والسياسية والاجتماعية) بين موالٍ لفكرة أنَّ اللغة وسيلة تعبير عن النفس بعيداً عن الهوية الشخصية، وبين متعصِّب للغة بأنَّ من يكتب بلغة الغير إنما يخدم ثقافة الآخر، وبرأيي الشخصي فأنَّ اللغة هي هوية شعب دون شكّ وعدم ممارستها تؤدي على انحسارها واختفائها من الوجود، والتاريخ خير شاهدٍ على اختفاء لغات وقوميات كثيرة، بسبب عدم الممارسة أو انصهارها في بوتقة لغات أخرى، ونحن ككرد لو لم نكن متعصبين للغتنا، لما كنّا قد حافظنا عليها من الزوال والانصهار ضمن اللغات الأخرى، رغم تشتتنا في بقاع العالم.

وتعتبر اللغة إحدى الركائز الاساسية لحياة الأمم والوعاء الذي يحوي حضارة الامة وفكرها وعلومها وينبغي أن تكون أداة التعبير والبيان في جميع ميادين المعرفة، إذ هي مفتاح العلوم والمعارف التي تتناقل عبر أجيال بغية الحفاظ على هويتها من الضياع والزوال.. لذا أرى أن هوية الكاتب الذي يكتب بلغته الأم في حال أن كان متمكناً منها إتقاناً وكتابة ًيكون في مقدمة ممن يخدم وطنه وقوميته بين اللغات الأخرى، لان اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما هي أعمق بكثير مما نتصوره، وخير دليل في ذلك الأدب الذي لازال مستمراً ليومنا هذا، وظلَّ محافظاً على الهوية والتاريخ والبنية الثقافية للغة  مثل: (ملاي جزيري- فقه طيرا- احمدي خاني.. إلخ ) لأن الكتابة بلغة الأم تعني أن تدخل عالم هذه اللغة فكرةً وحسّاً وعاطفةً وتاريخاً.

ليست اللغة خاصة لدى المبدع ركاماً من كلمات باردة محايدة تسمي أشياء معينة، وإنما هي عالم كامل شديد الخصوصية، وشبكة معقدة من التصوّرات والانطباعات والرؤى والأفكار، كل كلمة لها حياة طويلة، وهي تستدعي خلفها ماضياً ثريّاً، وحالما تنطق بها أو تكتبها تنفتح أمامك دوائر لا نهائية من المعاني والدلالات، لا شيء في الواقع يوجد خارج اللغة، بل يمكن أن نقول إنَّ كل شيء يتشكّل من اللغة وبها وداخلها.

أما ما يخصُّ الشِّق الثاني من السؤال فأعتقد أن للكاتب حرية الكتابة باللغة التي يبدع فيها طالما اللغة وسيلة تفاهم بين الشعوب، بحيث يقدِّم صورة عن نفسه من خلال قوميته للآخر، وبلغةٍ مبدعة، حتى تنتشر بين الأمم كافة، وأن يتناول في كتاباته صورة عن تاريخه وتفكيره، وأغلب كتابنا الذين كتبوا بلغة الآخر أعتقد أنهم نجحوا وببراعة في ذلك أمثال: (سليم بركات- محمد باقي محمد- حليم يوسف).

وأخيراً أودّ القول؛ متنمنياً توحيد لغتنا الأم (اللغة الكردية) بلهجة واحدة، لأننا لا نزال نجهل أغلب كتابنا وشعرائنا الذين كتبوا باللغة الكردية وبلهجة تختلف عن لهجتنا، كوننا مشتَّتين بين مجموعة لهجات، وكلٌّ متعصّب للهجته، وإذا حلّ هذا الموضوع حينها نستطيع مطالبة كتابنا؛ الكتابة باللغة الأم، وهنا، ومن خلالكم أناشد جميع القوى السياسية الكردية أن يسعوا إلى توحيد اللغة الكردية على حساب المناصب وحسابات أخرى.

 

– عمران يوسف، قاصٌّ ومسرحي:

قولاً واحداً: اللغة هُويَّة الأدب, هذه حقيقة لا يمكن ضحدها جملةً وتفصيلاً، لأنَّ النصّ الأدبي أيّاً كان نوعه لا يمكن أن يتمظهر إلا باللغة شكلاً وصياغةً, فاللغة للنصِّ الأدبي بمثابة الروح والجسد، حيث لا يمكننا أن نستكشف مكنونات أي نص أدبي دون اللجوء الى قراءته, هذه بديهية.. كما أنه لا يمكن لأيّ نصّ أدبي أن يتشكل دون لغة, هذه بديهية أيضاً. من هنا لا يمكننا اختصار علاقة اللغة بالأدب بالدور التعبيري فقط، بل هي علاقة عضوية، حيث تساهم اللغة وفقط اللغة في تشكيل النص الأدبي وتوليده. هذا ما يجعلنا نعتقد بما لا يدع مجالاً للشك بأنَّ اللغة هي المحدّد الوحيد لهوية الأدب أياً كان نوع هذا الأدب.

والأدب الكردي ليس استثناء عن القاعدة, فوفق ما أسلفنا نستطيع أن نعرًف الأدب الكردي بأنه يشتمل على كلّ نصّ أدبي مكتوب باللغة الكردية. نعم، لقد عانى الأدب الكردي ما عاناه من سياسات المنع والتهميش، وتمت محاربته من قبل السلطات الحاكمة في الدول المقتسمة لكردستان, كما تم منع التعليم والدراسة باللغة الكردية، مما انعكس سلباً على سوية هذا الأدب كماً ونوعاً.

في سوريا ظهر جيل من الكتّاب الكرد الذين درسوا باللغة العربية، ونهلوا ثقافتهم من ينابيع الثقافة العربية, هذه الحالة أدت الى خلق حالة من الاغتراب لديهم تجاه ثقافتهم الأم (الثقافة الكردية) فتوجهوا – بعضهم اختياراً وبعضهم اضطراراً – الى كتابة نتاجاتهم الأدبية باللغة العربية, وبقي قلَّة من الكتّاب الذين تحدّوا حالة الاغتراب هذه، وواظبوا على الكتابة بلغتهم الام وتجشَّموا عناء هذا الدرب المحفوف بالمخاطر والعوائق والصعوبات، بينما ارتأى آخرون أن يسلكوا الدرب الأسهل، وهو الكتابة باللغة العربية.

إنَّ محاولة بعض الكتّاب الكرد الذين كتبوا وأصدروا نتاجاتهم الأدبية باللغة العربية تصنيف نتاجهم ضمن خانة (الأدب الكردي المكتوب بالعربية) يعتبر تجنّياً على الأدب الكردي والعربي معاً, لا يمكن قبوله, وإن هذه المحاولة تعبر عن شعور بالنقص والدونية الثقافية، أو ربما هو تعويض عن الإحساس بالذنب والتقصير تجاه ثقافتهم الأم, ولا أعلم إن كانوا يدركون بأن تسويقهم لمثل هذا المفهوم يسيء إلى الادب الكردي، أما عن الذريعة التي تقول بأن موضوع النص الأدبي يحدّد هويته، فهذه بدعة بحد ذاتها, إننا نقدِّر جهود كل كاتب كردي حاول من خلال كتاباته الأدبية إيصال قضية أو معاناة شعبه الكردي الى القارئ العربي، وإن كان هذا واجبٌ عليهم, فقد استفادوا من الموضوع الكردي في صياغة نتاجاتهم الأدبية، كما أفادوا قضية شعبهم وربما أكثر، ويمكننا ضحد إدعاءهم بسهولة, حيث لا يمكن للموضوع أن يحدِّد هوية الأدب بأي حال من الأحوال, لو سلمنا بصحة إدعاءهم كان واجباً علينا أن نصنّف كل الأعمال الأدبية التي تناولت مواضيع كردية ضمن الأدب الكردي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: (رواية: هكذا أحيا، للكاتبة اجاثا كريستي- رواية: الجبال والسلاح، للكاتب جيمس أولدرج- رواية: أبناء الجن للكاتبة مارغريت كان..الخ).

 

– عمران منتش، كاتب وشاعر:

 

 

 

 

 

خلق الله تعالى – جلَّ شأنه – الإنسان في أبهى صورة وميّزه عن سائر المخلوقات بأنّه مخلوقٌ ناطقٌ عاقل, وجعل الناس على شكل قبائل وشعوب للتعارُّف وخصًّص لكلِّ قوم لساناً للتعبير عن ذاتهم وما يجول في قلوبهم من خواطر وأفكار.

اللغة هي هوية الإنسان وهي العلامة الفارقة بين الشَّعوب ومن حقِّ كلِّ شعب أن يعتزَّ ويكتب ويتكلـّم بلغته الأم ولاسيّما  في مجال الشَّعر والأدب وقواعد هذه اللغة, وأنا كشاعر كردي لم أكتب الشَّعر والقصة إلا بلغتي  حينما أدعو إلى الكتابة بلغتي ليس في ذلك اعتداء على أحد بل هو حقٌّ طبيعي منحي الله وعليَّ أن أمارس هذا الحقَّ وأحافظ على هويتي.

وقد يرى البعض أنَّ قرَّاء اللغة الكرديَّة قلائل وكتابها تنقصهم الخبرة أقول لهم: لئن أكتب سطرين بلغتي أفضل من كتابة  كتابين بغير لغتي,  بل وأرى أن الذين يمارسون الأدب ويكتبون بغير لغتهم فهم يُساهمون في تقوية لغة وآداب بقية الشَّعوب على حساب لغتهم الأم, وكما قلت آنفاً: ليس في هذا الأمر اعتداء على بقية اللغات والشّعوب, فكم من شاعر وكاتب كردي فذٍّ كأحمد شوقي أمير الشعراء وسليم بركات وغيرهما، ماذا قدّما للغة الكردية – مع احترامي لنتاجاتهم وإبداعاتهم –  وكما هو معلوم  أنَّ شعبنا مرّ بفترات عصيبة مُنع خلالها  بعدم الكتابة بلغته بل و النطق والتكلـُّم بها, وأغلب الأحايين كان يُعاقب ويسجن لذنب  فقط لأنَّه تكلـَّم بلسانه فهذا يجعلنا أمام واجب وطنيٍّ قوميٍّ وإنسانيٍّ أن نحافظ على لغتنا وآدابها ولملمة التـّراث الشّعبي المهدَّد بالضَّياع, ومن هنا أقف وقفة احترام أمام الرعيل الأوَّل من الكتاب الذين واجهوا الصِّعاب وسجنوا وكتبوا باللغة الكرديَّة للحفاظ على هويتنا وأخصُّ بالذَّكر لا الحصر الأمير جلادت بدرخان أبو ( آ – ب – ج ) الكرديَّة وسائر الكـُتـّاب الذين كتبوا بالكردية.

 

– عبدالرحمن محمد، أديب وصحفي:

يطرح الموضوع تساؤلاً هاماً، وهو: ألا يكون الكاتب الكردي الذي يكتب بالعربية أقدر على إيصال الرسالة، والمعرفة بمكنونات الكردي ومشاعره أكثر من أي شخص، أو من أيّ كاتب من مكوّن آخر، إنني أرى أنَّ الكتابة بأية لغة يمكن أن تكون محسوبة على الأدب الكردي، ويمكن اعتباره أدب كردياً، طالما أن الموضوع والأشخاص والقصة والمعاناة والهدف كردي، وما الضير حين أكتب عن جمال كردستان، أو العادات والتقاليد الكردية، أو البطولات والأبطال الكرد باللغة العربية. فلنعتبر هذا العمل كردياً بالأصل، وتمَّت ترجمته الى العربية ألا يعتبر ذلك عملاً وأدباً كردياً؟

أعتقد أن المقياس هو مدى القرب من الهمّ المجتمعي، وإيصال الرسالة التي مفادها أن الكردي موجود، ثم المخاطبة بلغة شفافة ومثقفة وغير متعالية، والأهم مخاطبة العامة من الناس وليس النخبة، وإيصال الثقافة والفنّ والأدب الكردي الصادق بكل تفرعاته من قصة ورواية وشعر ومسرح وغير ذاك، وتعريف الكرد وحضارتهم وتراثهم، فتعريف العالم بك لا يقل أهمية عن معرفتك لذاتك.. طالما أتحدث عن قاسملو والبارزاني وأوجلان، وعن البطولة في شنكال وعفرين وآمد وكوباني، وأنا الأقدر على إيصال صوتي ورسالتي وثقافتي للمكون العربي الذي يقاسمني التاريخ والجغرافيا والثقافة.

اللغة من أكبر الإشكاليات وأعقدها، أما لم الكتابة باللغة العربية، فلانها باختصار كانت لغة المدرسة بكافة مراحلها، ولغة الثقافة التي استطعت التنوّر من خلالها، إذ لم تتح لي الفرصة لأكون في مكان يمكنني فيه أن أتعلّم اللغة الكردية، وحتى الجيران ومن كنت أخالطهم كانوا من العرب، وبحكم المخالطة كانت لغتي الأدبية والثقافية هي اللغة العربية.

 

– لقمان عبد الرحمن، كاتب وشاعر:

بقدر ما يتزايد عدد المتعلمين، بقدر ما يصبح الشعب أكثر نضجاً وتقدماً ورُقيّاً، هكذا نستطيع أن نبدأ الحديث عن ضالتنا، إنَّ أي شعب لا يُكتب له أن يتطور ويتقدم بعيداً عن القراءة، التي تعدّ مفتاح العلوم والحياة أيضاً، والقراءة تكون سهلة على المتعلم إذا كانت بلغته الأم، أما إن كان العكس كما هو الحال عندنا نحن الكرد يكون ذلك صعباً نوعاً ما، وهذا بدوره يؤكد أن التعلم الصعب يؤدي إلى العزلة عن العالم المتقدم، هذه العزلة التي عانينا منها على مدى قرون كان سببها الرئيسي؛ الابتعاد عن اللغة التي تُعد أهم المكوّنات للهوية الكردية الثقافية والحضارية، وصلة الربط القوية بين أفراد المجتمع الواحد، وهذا يُحيلنا إلى أن سبب تفكك هذه الشعب يعود أيضاً إلى عدم قراءته بلغته الأم، اللغة التي مُنع من التكلم والقراءة والكتابة بها من قبل من يستلب وطنه، ولعدم تعلم الكردي الكتابة بلغته بقي محروماً من أدبه بشكل أو بآخر، مما جعل هذا الأدب شفاهياً موضوعاً ضمن الفلكلور الكردي المتناقل عن طريق الأباء والأجداد.

إنَّ عملية بعث الروح في هذا الأدب إنما تتم من خلال كتابته بلغته الأم، وأعني (الكردية) لأنها هي اللغة التي ينطق بها هذا الشعب، وهي اللغة التي يسهل عليه التعلم من خلالها، ثم أن ما يكتب باللغات الأخرى من قبل الأدباء الكرد يوضع في مكتبات اللغات الأخرى، وتعد هذه الأعمال تابعة لمكتباتهم رغم محتواها الذي يعبر شخصية  الكردي ووطنه، وقد صنَّف العرب والفرس والأتراك الكثير من الأدباء والفلاسفة والعلماء اللذين لا ينتمون إليهم ضمن كتابهم وعلمائهم وفلاسفتهم، ومنهم الشاعر أبو نواس وبشار بن برد وأحمد شوقي وابن سينا غيرهم كثيرون، وفي النهاية أقول: ضع عنبك في سلتك، وليس في سلال الآخرين.

 

– فراس محمد، كاتب وقاص:

لا يمكن الحديث عن هوية الأدب بمعزل عن اللغة، وتبدو محاولة البعض ربط الأدب بأثنية الكاتب ضرباً من التطرّف والتعصّب، فيما تبدو محاولة البعض الآخر إعطاء هوية للأدب استناداً إلى موضوع الكاتب وتناوله لقضية شعبه أيضاً مجازفة لا تحتكم إلى المنطق والموضوعية.

إنَّ الأدب هو اللغة بالدرجة الأولى وهو الذي يحدد هوية الأدب ويستند عليه، فلا يمكن إدارج كتابات الأدباء الجزائريين باللغة الفرنسية مثلاً ضمن الأدب العربي، أو إعطاءه هوية عربية استناداً إلى جنسية الكاتب.. ولا يمكن بطبيعة الحال القول أن الآداب التي انتجها كتاب وأدباء كرد باللغات الأخرى كالعربية والتركية لا يمكن القول حكماً أنها تندرج ضمن قائمة الادب الكردي، ومن الإجحاف تصنيفها ضمن المكتبة الكردية.. فما كتبه يشار كمال، أو يلماز غوني، أو أحمد شوقي، أو حامد بدرخان، أو سليم بركات، لا يمكن اعتبار ما انتجوه من أعمال على أنه أدب كردي بالمطلق، وإن كانت أعمالهم تحمل الموضوع الكردي في معظمه.

 

خاتمة:

في ختام هذا التحقيق، يمكن الاشتشهاد بقول للأمير (جلادت عالي بدرخان) الذي كتب في الذكرى السنوية الأولى لصدور مجلته الأدبية واللغوية الرائدة (هاوار)، العدد 20 الصادر عام 1933 كتب يقول: “يجب أن نعلم أن اللغة هي عنصر من عناصر وجودنا، فبدونها لا يمكننا العيش مع الآخرين كشعب حرّ، يتميَّز بالعزّة والفخار. وبديهي أن كلّ شعب هو هكذا في موقفه تجاه لغته، إن الشعب المُستعمَر الذي لم ينسى لغته، هو مثل الأسير في الزنزانة ومفاتيحها معه، يستطيع الخروج يوم يريد، خلافاً للذي ينسى لغته”.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحث سوري، مواليد مدينة الحسكة عام 1973، حاصل على إجازة في التربية- جامعة الفرات بالحسكة عام 2010، ويعمل فـي التدريس. له دراسات وأبحاث تربويّة ونفسيّة متخصّصة في أدب الأطفال وثقافتهم، ونال بعض الجوائز الأدبية والصحافية في سوريا. صدر له مجموعة شعرية عام 2003، وكتاب: أدب الأطفال في الثقافة الكرديّة (كرد سوريا أنموذجاً) عام 2018، وينشر في عدد من الصحف والدوّريات والمواقع الإلكترونية الثقافية العربيّة والكرديّة.