شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

المثقف… دور وتحديات ـ عبد العزيز حمدوش

0 323

 

ما يحدثُ بالمنطقةِ اليومَ هو محاولةٌ لتغييرِ القيمِ والمعاييرِ الثقافيّة تستندُ لمبررٍ تاريخيّ مختزلٍ في اللاشعور المجتمعيّ، يستحضرُ تفاصيل الماضي إلى الواقع مشفوعاً بأدلةٍ تاريخيّةٍ، ولعلَّ صورةَ الصحوةِ المتشددة، التي يقودها الإسلامُ السياسيّ، واجتاحت مجتمعاتِ الشرقِ الأوسط تجسّدُ استدعاءَ السند التاريخيّ لتبريرِ التغيير من خلال موجة ثورات الربيع العربيّ التي واجهتِ الاستعصاءِ، إذ استغنت عن مكوّنات الثقافةِ الرئيسيّةِ بالمنطقةِ وعملت على إظهارِ الثقافةِ عائقاً أمام الحياة، وقادت التغيير بأدواتٍ منتهية الصلاحية مقتبسةٍ من التاريخ لتستخدمَ في المكان والزمان الخطأ، فتخرجَ إلى الوجودِ أدبياتُ “إدارة التوحش”. والسؤالُ حول دورِ المثقفِ في هذه المرحلةِ باعتباره حامي منظومةِ القيمِ الأخلاقيّةِ والثقافيّةِ المجتمعيّة (الأصالة).

يموجُ صفيحُ منطقةِ الشرق الأوسط في هذه الوقت الراهنِ بهزاتٍ عنيفةٍ نتيجةَ الأحداثِ الكبيرةِ التي تعصفُ به، وإذا كانت جغرافيا العراق وسوريا بؤرة الصراع المسلّح، في سياق مشروع التغيير السياسيّ وقلبِ الأنظمة، فإنّ حكوماتٍ إقليميّةٍ أخذت موقعَها ضمن المشروع لتجنّبَ نفسها رياحَ التغيير كتركيا ودول الخليج. وبذلك دخلتِ المنطقةُ القرن 21 بتحوّلاتٍ كبيرةٍ، فتشكلتِ التحالفاتُ الكبرى وصعدت قوىً عالميّةٍ، ولتكونَ فرصةُ اندلاعِ صراعٍ عالميّ مطروحةً دائماً، ورغم محدوديّةِ الحربِ بالميدانِ السوريّ، إلا أنّها جسّدت طبيعةَ التناقضاتِ الدوليّة، وتخللتها مراحلُ لإعادةِ التموضعِ بالنسبةِ للحكوماتِ الإقليميّة وفق توافقِ القوى الكبرى.

كانت الثقافة أولى ضحايا الاضطراب الحاصل بالمنطقة، وتقطّعت سبل الحوار السلميّ والتفاعل الاجتماعيّ وكان صوت الأعلى يغطي على دعوات السلام.

 

لكلِّ مجتمع نمط وملامح سيسيو-ثقافيّة

الثقافةُ كمفهومٍ سيسيولوجيّ تشملّ كل ما في البعد الأدبيّ والتراثي والمسرحيّ والفنيّ، كما تشمل حقل التعابير التي نطلق عليها عادة صفة “اجتماعية”، إذاً الثقافة هي حاضر ومستقبل من المنظور السيسيولوجي. ويقوم تعريفها معرفة نظمها الاجتماعيّة وتحليل هذه النظم التي تحلّ فيها الثقافة، ويمكن تحديدها بعدةِ أطر (الأسرة، التربية، الدين، الأخلاق، الجمال، اللغة، الاقتصاد، القانون والسياسة)، ويكتسب الأفراد هذه الأنماط الثقافيّة المناسبة عبر عملية التنشئة الاجتماعيّة، بدءاً بأساليب السلوك المتنوعة وصولاً إلى الأنشطة الجماعيّة وسلوكياتها. وبالتالي فإنّ أيّ اضطراب في ساحة المجتمع سيطال حقول الثقافة أيضاً وفقاً لعلاقات التأثير، ولكنها تستوعب هذا الاضطراب وتعمل على تشخيصه وإيجاد الحلّ وإلا أضحى الحقل الثقافيّ عالة على المجتمع يعتاش على حسابه.

من المهم أن نعرفَ نمطنا الثقافيّ، فالنمط اليونانيّ فلسفيّ والرومانيّ فنيّ وعسكريّ والصينيّ صوفيّ والهنديّ ثقافيّ دينيّ والنمط السائد في الشرق الأوسط دينيٌّ إسلاميٌّ، ولعلَّ لكلّ نمطٍ نقيضٌ وحتى ضمن النمط الواحد، وبالتالي فالحاجة ماسّةٌ لنمطٍ يستوعبها كلها ويضبط إيقاعها فلا يؤديّ لصراعٍ أو صدامٍ أو يلغي أحدها الآخر، وهذا التغيير بات ملحاً بعد استغراق مجتمعاتنا في أتونِ الصراعِ المسلّح.

المقصود بالنمط الثقافيّ الروح الغالبة على مجموعةِ معارف مجتمعٍ ما وخصائصه وإحساساته وتقاليده ونظراته لأنّها كلها تحتوي على روحٍ مشتركةٍ يؤلّفُ بينها كلها شكلُ الثقافةِ وكلُّ فردٍ يتنفسُ ويتغذّى وينمو في جوٍ ثقافيّ معيّنٍ، ولذلك فإنّ معرفةَ ثقافةِ مجتمعٍ تعني معرفةَ حقيقةِ بواطنِه ونقاطه الحساسة وعواطفه.

 

المثقفُ وقضيةِ التغييرِ

تتعددُ الأسماءُ حول الواقع الذي تعيشه المجتمعاتُ في الشرق الأوسط منذ عقد تقريباً، ومن التسميات المتداولة للتعبير عما يحدث التغيرات بالمنطقة، الثوراتِ، الفورات، الانتفاضات، ربيع الشعوب، ربيع الحريات، والمهم أنّ الجماهير خرجت إلى الساحات والميادين العامة لتصرخ وتطالب وترفض لا لتصفق وتؤيد، وهتفت بحماس وتوقٍ شديدٍ بشعارات بسيطةٍ في لفظها وأضحت لازمةً مكررةً، لكنها عميقةُ الدلالةِ والوظيفةِ، وقالت “الشعب يريدُ إسقاط النظام” وطالبت برحيل النظام. وبقيت الشعارات فضفاضة لا يمكنُ من خلالها فهمُ آلياتِ العملِ وتصورها. ولم يكن كثيرٌ من العامةِ الذين شاركوا في التظاهرِ وهتفوا ملءَ الحناجر على درايةٍ بمعنى “النظام” الذي يجب إسقاطه أو تغييره ولم يخطر للكثيرين أنّ الانطلاقَ بشعار كهذا قد يقودُ البلادَ إلى حربٍ شاملةٍ ويجرُّ الويلاتِ عليهم، وأنّ الأنظمةَ كما الأقدارُ مفروضةٌ عليهم. وحدُه “المثقفُ” كان يتوجب عليه فكّ الشيفرة وأن يتابع بعينٍ فاحصةٍ تفاصيلَ الوقائعِ وفكِّ الطلاسمِ، ليجيب عن الأسئلة التي طرحها الناس بعفويّة في الساحات وفكروا في منتهى الرومانسيّة بالنهاية.

لم يخطر لهم أن يسألوا أنفسهم عن شبهة التوقيت، فواقع المجتمعات هو نفسه منذ عقود طويلة، وكان عصيّاً على التغيير، والسؤال الأكثر الأهميّة يدور حول التصوّر ماذا يمكن أن تؤول إليه الأحوال فيما لو تمسكت الأنظمة ودافعت بعنادٍ عن بقائها وأصرّت أن تغيّر سلوك الشعب؟!

التحوّل في المجتمع لن يأتي أُكله ما لم يكن بموازاة حراك فكريّ يحدد بوصلة المسير وإلا تاهت الجماهير في مُدلهماتِ الفوضى وغرقت في ظلامِ التيهِ، والإجابةُ على الإشكالاتِ الاستشرافية تفترضُ أن يتصدّى المثقف ويشرئب نحو المستقبل ويقف على إرهاصاتِ المستقبلِ التي توحي بها الوقائع الراهنة في مجتمعاتِ الشرقِ الأوسطِ.

جملةٌ من الأسئلة هي بيتُ القصيدِ لتحديدِ دورِ “المثقف” تجاه التغيّراتِ بالمجتمع. ما نوعُ التغيير الذي يلبّي حاجةَ المجتمعِ والمسألة هنا تتعلقُ بالتصوّر ومعرفة الإمكانات وتحديدِ الأولويات؟ وإلى أي مدىً يُسهم “المثقفُ” في التغييرِ وما المعوقاتُ التي تواجهُ المكوّناتِ الثقافيّةَ وتحرفها عن الإسهامِ الفعليّ بتحقيقِ التغييرِ المنشودِ؟ وما الشروطُ اللازم توفرُها حتى يتسنّى للمثقفِ اختراقُ الواقعِ والإسهامُ بتغييره؟

في كتابه “مسؤوليّة المثقف” يتعرض علي شريعتي لحالةِ التناقضِ ويشيرُ إلى أنّ المفكرين المعاصرين يعتقدون أنّه حينما يحدثُ التناقضُ الجدليّ في مجتمعٍ ما، فإنّ التناقضَ والجدلَ بين العواملِ ونقائضها يُجبرُ المجتمعَ على الحركةِ ويسيرُ به قُدماً إلى الثورة ويحرّره فيدخلُ في مرحلةٍ أخرى، ولكنَّ الأمر ليس كذلك، وهذا الرأي خدعةٌ كبرى فلا يوجدُ مجتمعٌ أبداً يتحركُ ويتغيّرُ ويصلُ إلى حريته لمجرّد أنّه يحتوي تناقضاً جديّاً داخله. والفقر مثلاً نموذجٌ للتناقضِ الاجتماعيّ أو الفوارق الاجتماعيّة، أي تناقضٌ طبقيٌّ ممثلٌ بالفقر، ولكن من الممكنِ بقاء الفقر أو التناقض الطبقيّ في أساسِ المجتمعِ لمئاتِ السنين دون حدوثِ أدنى تغييرٍ فليس للجدلِ حركةٌ.

التناقضُ في المجتمعِ قد يسبّبُ الحركةَ، فيتبدل الجدلُ في المجتمع إلى تصادمٍ بين الدعواتِ ونقائضها حين يحملُ هذا التناقضُ من أساسِ المجتمع ومن داخلِ النظام الاجتماعيّ ويوضعَ في ضميرِ الناس ووعيهم. إنّ وجودَ الفقرِ لا يسبّبُ الحركةَ، لكنَّ الإحساسَ بالفقر هو الذي يسببُها، ومسؤولية المثقفِ نقلُ التناقضاتِ الموجودةِ داخلَ المجتمعِ إلى أحاسيسِ أفرادِه ووعيهم ومن ثم يقومُ المجتمعُ بحركته بنفسه. فالمثقف إنسانٌ يعي التناقضاتِ الاجتماعيّةِ والعواملَ الصحيحةَ لهذا التناقضِ والتضاد، ويعي احتياجات عصره، وهو مسؤولٌ عن إبداءِ طريقِ الخلاصِ للمجتمعِ في هذا الوضعِ المتناقضِ المُدانِ وتحديدِ الحلولِ والمُثلِ المشتركة للمجتمع ومنحه نوعاً من العشق والإيمان المشترك الراسخ للناس الذين يعيشون في الخضمِ الراكد لمجتمعهم التقليديّ المنحط. ولذلك من المهم جداً أن يعي المثقف في عصر يعيش مجتمعه ليحدّدَ اتجاه التحوّل المطلوبِ وأيّ شكلٍ من الإصلاحِ يجب إنجازه ليكون حلاً لمشكلاته.

 

لا حلّ للمعضلاتُ إلا في سياقها الواقعيّ

رغم كل المآسي، فالمرحلةُ الحالية التي يسمّيها البعضُ إمبراطورية الفوضى، توفّر فرصةً تاريخيّةً نادرةً لإعادةِ بناءِ الفكر في بيئة بِكرٍ إن جاز التعبير، فالمسائلُ المطروحة اليوم بالمنطقة جديدة في أسلوب تداولها كالمجتمع المدنيّ، الديمقراطيّة، التعدديّة، الشراكة السياسيّة، اللامركزيّة ولا تقتصرُ على مفهوم العولمة وحسب، وبنفس الوقت فإنّ مرجعيّات تآكلت وانتهت صلاحياتها تحولُ دونَ فهمِ الواقعِ وتحليله كما ينبغي. ويقع على عاتقِ أصحاب الفكر والمثقفين مسؤوليّة بناء مفاهيم وأطروحات جديدة، ربما لا تكون الفرصة المتاحة مثاليةً، إلا أنّ ذلك هو دورهم، لأنّ فوات الفرصةِ سيكون معضلة كبرى، وسيشكّلُ عاملاً إضافيّاً لإدامةِ الأزمةِ، وإن أراد المتنورون والباحثون وأصحاب الأقلام، الاضطلاع بدورهم التاريخيّ في هذه المرحلة فعليهم إعادةُ بناء الفكر على الصعيدِ الوطنيّ بالتوازي مع الإقليميّ وفي مجالات مختلفة لتصحيح سوء الفهم التاريخيّ فيما بين المكونات المتعددة بالمنطقة وتسكين الهواجس والمخاوف الوهميّة أي فهم السياق الواقعيّ والالتزام به.

من المستهجنِ اليوم أنّ باحثاً في العلومِ الاجتماعيّة، وهو بصددِ تحليلِ ظواهرِ الحاضرِ، يُجهِدُ نفسَه بالبحثِ في مراجعَ ومعاجمَ تعودُ لقرونٍ سابقةٍ، لتشخيصِ مسائلَ مستجدةٍ راهنةٍ، متجاهلاً أو لعله جاهلٌ حقيقةَ أنّ المعضلاتِ لا تُحلُّ إلا في سياقها الواقعيّ، وعندما يُعجِزه البحثُ يلجأ إلى مفاهيمِ الغربِ ليخرجَ عن السياق المكانيّ والخصوصيّة المجتمعيّة، ثم يطرح السؤالَ الأزليّ، حول كيفيةِ توطين مفاهيمَ مستوردةٍ، وليتمَّ تدويرُ المشكلةِ بشكلٍ مغاير، إذ أنّ قضايا المجتمعاتِ لا تُحلُّ إلا في سياقٍ وطنيّ، ولا تنفعُ معها العلاجاتُ المستوردةُ دائماً.

الحديثُ هنا عن خصوصيّةِ الحالةِ الثقافيّة، فعلى اعتبار أنّ الثقافة تشملُ كلّ المنتج المعنويّ للمجتمعِ، فإنّها تختلفُ من مجتمع لآخر، وبالتالي يدورُ الطرحُ حول مثقفٍ يتبنّى تلك الخصوصيّة، إذ لا يمكن لمثقفٍ فرنسيّ مثلاً أنّ يحلّلَ ويشخّصَ مشكلاتِ مجتمعاتنا، ولعله من المفيد الانفتاح على التجارب الثقافيّة لباقي الشعوب، ولكن دون الذوبان والتماهي فيها على حسابِ خصوصيتنا الثقافيّة، والقضيةُ لا تشبه حقول المعرفة كعلوم الهندسة وقوانين الفيزياء مثلاً بقوانينها ومعادلاتها الثابتة التي لا تخضع لوجهات النظر. ولذلك فالمسألةُ المطروحةُ هي حول مثقفٍ يعيش الحالة الراهنة في مجتمعه، ويخفف من جرعاتِ التنظيرِ والمثاليّةِ والاستغراق في الخيال. ليكونَ الحلُّ الذي يطرحُه محتملَ التحقق والتطبيق.

في كتابه “المثقف والفوضى” يقول إدوارد سعيد: “من المهام المنوطة بالمثقفِ أو المفكرِ أن يحاولَ تحطيمَ قوالبَ الأنماطِ الثابتةِ والتعميماتِ الاختزاليّةِ التي تُفرضُ قيوداً شديدةً على الفكرِ الإنسانيّ وعلى التواصلِ ما بين البشر ويصدقُ في المثقف توصيفُ العنيد في الاستقلاليّة فلا يأتمر بأمرِ أحد”. فهو معنيٌ بالنقدِ والتحرر من الأوهام وإنزالِ المقدساتِ الخادعةِ مقامها الصحيح، فيكشفَ بطلانَ الأعراف التي انتهت صلاحيتها. وبالتالي التخفيفَ من الهدر أو المبالغة في تقييم الأشياء.

حين نتحدث عن الإنسان المثقف، فإنه لا معنى للجنسويّة (الذكورة أو الأنوثة) وتستخدم عبارةُ “الإنسان المثقف” على نحو من الإجمال وتكاملِ الأدوارِ، ولا يُقصدُ بذلك التحفظ إزاء “الجنسِ” فقط، بل سائر العناصر الأخرى، كاللون، والعرق، والتحزّب، والتركيز على “المشترك الإنسانيّ الكليّ، فالإنسانيّة هي الرابط الشموليّ لكلّ الأجناس البشريّة.

واقعيّةُ المثقفِ تبدأ من كونه فرداً ترعرعَ في وسطٍ اجتماعيّ معيّن، وعايش التغيرات التي طرأت عليه بمرورِ الزمنِ، وخضعَ لتأثيرِ البُنى الاجتماعيّة (الأسرة، والتعليم، والإعلام، والدين وميراث التاريخ…) وبالتالي لا حديثَ عن المثقفِ معزولاً عن تلك البُنى. فالشخصُ “المثقف” يتموضعُ في مركزِ البُنى الاجتماعيّة، ولا يمكنه أن يلعبَ دوره إلا في هذا الموقع، وأيّ إزاحة له عن موقعه تعني تعطيلَ دوره، وهو موقع التأثيرِ المتبادل، ولا يخضعُ لشروطٍ خاصّةٍ للتعيينِ والتكليفِ أو الوصايةِ.

البعد المجتمعيّ أساسيّ في توصيفِ المثقف وكذلك في أدائه لدوره، إذ تنتهي حدودُ الثقافةِ بالانغلاق والانقطاع عن ساحةِ المجتمع. والمسألة لا تتوقف على المستوى المعرفيّ والتخصص الأكاديميّ، الذي يؤهّل الأفراد لممارسة وظائفهم بمهنيّة نوعيّة وعلى سبيل التكسّب، بل بتحسينِ مستوى العلاقات الاجتماعيّة وتوسيع أطرِ الحوار.

يرى الفيلسوف الماركسيّ الإيطاليّ أنطونيو غرامشي الذي قضى تحت التعذيب في سجون موسيليني عام 1937، أنّ ما يحكمُ تعريفَ المثقفِ ليس الخصائص الجوهريّة لنشاطه الذهنيّ فحسب، بل الوظيفة الاجتماعيّة التي يؤدّيها المثقف لمجتمعه.

المثقفُ ليس أسيرَ عزلته يجترُّ العناوين أو أنّه أضحى عثَّ المكتباتِ منكبّاً على أوراقه، مأسوراً في عالمه المثاليّ، بل هو شخصيّة تعيشُ واقعَ المجتمعِ ببُناه المختلفة، ويلتزمُ قضاياه ويعملُ على تغييرها. ويشهدُ التاريخُ على قاماتٍ مثقفةٍ كبيرةٍ غيّرت مجرى التاريخ، فكتابات جون بول سارتر مازالت حاضرةً في عصرنا مرجعاً لتيار الوجوديّة الداعي لتحريرِ الإنسان من كلِّ رموز القيودِ والاستعبادِ، ولم يتحرج سارتر عن رفع صوته معارضاً سياسة بلاده الاستعماريّة بالجزائر.

 

المثقفون رواد التغيير في مجتمعاتهم

يتفق إدوارد سعيد مع غرامشي بأن كلّ الناس مثقفون. ولكن ليس لهم كلهم أن يؤدّوا دورَ المثقف بالمجتمع. أما رأي إدوارد فهو أنّ المثقفين أفرادٌ عندهم الاستعداد الفطريّ لممارسة فنَّ التعبيرِ عما يمثلون سواء بالأسلوب الذي يرونه مناسباً.

المسألة التي يجب الوقوف عليها هي تمثيلُ المثقفِ، هل يطرحُ وجهةَ نظره مستقلاً برأيه أم يمثّل حكومة أو قضية سياسيّة لمنظمةٍ أو مجموعةٍ. ولعلَّ المثقفَ في القرنِ التاسع عشر كان أكثر ميلاً للاستقلاليّةِ وتأكيداً للنزعةِ الفرديّةِ، وقد نجده معتزلاً الحياة العامة متحفظاً بطريقة أو بأخرى لا يجد صيغةً للتلاؤم مع مجتمعه فهو متمردٌ خارجٌ على الرأي المتعارفِ عليه.

المثقفون لا يشكّلون طبقةً مستقلةً قائمةً بذاتها بل موجودون على مساحةِ المجتمعِ ويتحركون بحريّةٍ في ميادينه. ووفقاً للدور نجد في اللغاتِ الأوروبيّةِ الحديثة عدداً من التعريفات للمثقف، حیث يرى ماكس فیبر: أنَّ المثقّفَ شخصٌ تمكّنه صفاتُه الخاصة من النفاذِ إلى منجزاتٍ لها قیمة ثقافیّة كبرى. ويرى بارسونز عالم الاجتماع الأمريكيّ أنّ المثقفَ هو الشخص المتخصص بأمور الثقافة ویضع اعتباراتها فوق الاعتبارات الیومیّة المعتادة، بينما يعتبر “لویس فوییر” أنّ المثقفَ هو المتعلم والمهنيّ، من الطبقة الوسطى الذي یختلف عمن یعمل بالصناعة والتجارة من الطبقة العليا والطبقة الدنیا، بینما عرّف إدوارد شیلز المثقفَ بأنّه الشخص المتعلم الذي لديه طموحٌ سیاسيّ إمّا مباشرة بالسعي لیكون حاكماً لمجتمعه، أو طموحات غیر مباشرة للسعي إلى صیاغة ضمير مجتمعه والتأثير على السلطة السیاسیّة في صیاغة القرارات الكبرى، ویرى أيضاً أنَّ المثقفَ هو الذي یستخدم في اتصالاته وتعبیراته رموزاً مجرّدةً عن معظم أفراد المجتمع.

يرى غرامشي أنّ المثقف هو الذي يضع نظرة شاملة لتغيير المجتمع ويتميز بالقدرة على النقد الاجتماعيّ والعلميّ ويعمل لصالح القطاعات العريضة في المجتمع. وقرر بارسونز أنّ المثقف هو شخص يفرض نفسه ووجوده في مجتمعه وهو ليس بحاجة إلى تحديد، لأنّه يعلن عن نفسه عبر ممارسته العمليّة وإن كانت هذه الممارسة ملتبسة عند المثقفين بسبب الالتباس الحياتي الحاصل أي أنّ المثقف في مفهوم بارسونز هو المفكر المتخصص في أمور الثقافة والفكر المجدد البعيد عن أمور الحياة. واعتبر ماكس فيبر المثقف هو المفكر المتميز والمسلح بالبصيرة.

ویقترب من هذا المفهوم والتعریف “بوتومور” في كتابه الصفوة والمجتمع الذي أشار فیه إلى أن المثقفین عبارة عن جماعة مصغرة تتألف من أولئك الذین يسهمون مباشرة في نقل، ونقد، وابتكار الأفكار، وهي عبارة عن الفنانین والفلاسفة والعلماء والمؤلفین والمفكرین. فمصطلح المثقف لا يقتصر على عمل الفكر، والعمل الذهنيّ، بل یتعداه إلى عمل (المتعلم، المثقف، الأديب، العالم، والفنان) لتدلّ على الشيء نفسه تقریباً والاختلاف بينهم تقنيّ بأداة التعبير الخاصة.

لطالما تحدث هيغل عن محرك التاريخ، إذ لا يثبت على حال وإنّما يتغير عبر تتابع الحوادث في صيرورة متكاملة، وإذ لا يأتي التغيير من فراغ، إلا أنّ المثقف الثوريّ هو الذي يقود حركة الحياة إلى الأفضل، فيمتلك حكمة وإرادة “برومثيوس” للتغيير في البُنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وبذلك يصنع التاريخ وليكون أحد محركاته فضلاً عن كونه روح المجتمع وقلبه النابض، إذ يسهم عبر إنتاجه للوعي بتحرير المجتمع من التخلف ويحرّض الركود ويتمرد على السلبيّة، فيكون جسر العبور من ضفة الجهل إلى ضفة النور.

كان لمثقفي القرن السادس عشر في أوروبا، النصيب الأوفى في قيادة النهضة الأوروبيّة، فكانت حركة تغيير شاملة لكلِّ مظاهر الحياة الأوروبية فنيّاً وأدبيّاً وهندسيّاً وعمرانيّاً وكذلك الإصلاح الدينيّ، وكان من أهم رواد النهضة دافنشي أو ديكارت ودانتي ومكيافللي وتوما الإكويني وهم قادة فكر وثقافة عملوا إلى تثوير الواقع وتغييره. وفجّرت كتابات فولتير الغضب الشعبيّ واستقطبت أفكار روسو الثوريّة التحرريّة الناس ونظرية مونتيسيكو حول فصل السلطات ودعوته للمساواة أمام القانون. وجاءت الثورة الفرنسيّة تتويجاً لجهود التنوير.

تعود أصول المثقفين المعاصرين إلى جامعات أوروبا في العصور الوسطى، فنمو الجامعات وارتباطه باتساع نطاق تعليم الإنسانيات جعل من الممكن تكوين طبقة مثقفة لا تمثل طائفة دينيّة ينتمي أعضاؤها إلى أوساط اجتماعيّة متباينةٍ. كما أنّها بعيدة عن الطبقة الحاكمة ومذاهب الحكم الخاصة بالمجتمع الإقطاعيّ وهذه الطبقة المثقفة هي التي أنتجت مفكري عصر التنوير، ففي فرنسا بصفة خاصة جعل المثقفون من أنفسهم نقّاداً للمجتمع حينما حملوا لواء معارضة الطبقة الحاكمة والكنيسة المدافعة عن النظام القديم، وعبّرت الحركة الاشتراكيّة عن أيديولوجيّة المثقفين المتمردين.

 

تقصيرُ المثقف يُفقِد النظرية الوطنيّة جانبَها العمليّ

الحربُ بأنواعها انحرافٌ عن سياق التفكيرِ الطبيعيّ، وتمردٌ على مبدأ العيش المشترك وكذلك التعايش، ورفضٌ لفكرةِ أنّ في الأرضَ متسعٌ للجميع، ويشكّلُ الإرهابُ والاحتلالُ أكثر النماذج الفكريّة انحرافاً، ولا يمكن مواجهتهما إلا بتصعيدِ الفكرِ المقاومِ والصمودِ، ولذلك أضحى من الضروريّ إعادةِ بناء شامل للقيم والسلوكيات والمفاهيم السائدة، كعملية تتجاوز الترميم والصيانة. والمبدأ الأساس الذي يجب مراعاته هو تأكيدُ الطابع الكونيّ للوجود الإنسانيّ وأنّ الصدامَ ليس قدر البشريّة المحتوم. ففي داخل كلّ مجتمع تياراتٌ متنوعةٌ مختلفةٌ، إلا أنّ تعميقَ المضمون الإنسانيّ، يقودُ للتوافق بالداخل، ما يخلق حالة من الانسجام تبدو آثارها واضحة لدى محاورة المجتمعات الأخرى.

ولكن ثمّةَ تحدّيان أساسيّان يتربصان بالنهوضِ الثقافيّ وقد يطيحان بجملة التوافقاتِ وحالة القبول، وهما قوى العولمة والأنظمة الاستبداديّة تربطهما علاقاتٌ ومصالحٌ مشتركة، ليحوّلا الثقافة إلى أيديولوجيا وفق مقاييس معينة، ولهذا ليس مستغرباً حديثُ البعض عن العولمةِ المؤدلجة، وكأنّها قدرٌ حتميّ أو أمرٌ مثاليّ يمكنُ أو يجبُ الاستسلام له.

تقرُّ النخبُ السياسيّة وبعضُ المثقفين بالعولمة، فيتمترسون بالسيادة الوطنيّة، ليُظهروا شكلَ القبول المشروط بها، بألّا تمسَّ الهويةَ أو السيادة الوطنيّة. بمعنى أنّهم يتخذون السيادةَ الوطنيّة خندقاً دفاعيّاً. والواقع أنّ موقفَ المثقفين ينطوي على قصورٍ واضحٍ، فهو لا يتجاوز الشعارَ الفضفاض والخطابَ النظريّ، فيما يبقون أسيرَ القوالب والأنماط، ولا يتصدّون للاستهداف الثقافيّ بتأطير الفكرة بنظريةٍ واضحةٍ وإكسابها بُعداً فكريّاً وعُمقاً فلسفيّاً وقبولاً مجتمعيّاً، لتكونَ الملاذَ الآمن في مواجهة التحدّي، وبهذا يقتصر مفهومُ السيادة الوطنيّة على خطاب المنابر والبيانات السياسيّة لدرجةٍ كبيرة، وتقصيرُ المثقفين يُفقِد النظرية جانبَها العمليّ، ورغم أنّ المثقف هو الأكثر حضوراً في الساحةِ الاجتماعيّة، إلا أنّ الحراك الثقافيّ لم يتمكن من تحصينِ الوطن في مواجهةِ الفكرِ المتطرّف وصياغة رأي عامٍ جامعٍ.

 

صيغٌ بديلةٌ لاختراقِ المجتمعاتِ ثقافيّاً

القضيةُ الأساسُ بالنسبة للمثقفِ في مجتمعاتنا اليوم، لا تنحصرُ بالقيودِ المفروضةِ عليه، بل بالتقييد الذاتيّ، ومحدوديّة الدورِ بنتاجٍ أدبيّ أو محاضرةٍ وإدمانه البحثَ عن مريدين ومصفقين، إذاً هو خطأ جسيم بالتموضعِ في مرحلة حسّاسة زاخرةٍ بالأحداث وفي ظلِّ مخاطر وجوديّة لكلّ المكوّنات، من شأنها الإطاحةِ بالنتاج الثقافيّ المتراكمِ عبر قرون، والسؤال أين يجب أن يتموضعُ المثقفُ اليوم في عصر العولمة والمتغيراتِ التي تنذرُ بعواقبَ وخيمةٍ على صيغةِ العيشِ المشترك وارتفاعِ نبرة الخطاب الإقصائيّ؟ وما هو دورُ المثقف في المسائل المطروحة حلاً لأزمات المنطقة كتجذير الديمقراطيّة، تعميق الحرية، ضرورة إرساءِ المؤسسات والقانون وتفعيل دور المجتمعِ المدنيّ؟

في كثيرٍ من المراحل طُرِحت صيغٌ مختلفةٌ للمثقفِ من قبيلِ المثقف البدائليّ أو المثقفِ المقاولِ، ولكنّ المرحلة المعاصرة تجاوزتهما إلى المثقف المقاوم، الذي يُعوّلُ عليه في إنجازِ التغييراتِ التي تستوعبُ طموحاتِ الجماهير وتحقّق آمالها، فيما يتمُّ الترويجُ للصيغِ الأخرى في حملاتٍ إعلاميّة وتقديمها رموزاً وطنيّة لاختراقِ المجتمعات من خلالها. لنتأكدَ من أهميّةِ مسألةِ التحصينِ، ذلك لأنّ عناوينَ حقوقِ الإنسانِ والديمقراطيّةِ والمجتمعِ المدنيّ كانت مطروحةً منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولكنها لم تكن وقتها صناعةً محليّةً، بل مشاريعَ عابرةً للحدودِ. بمعنى لم تكن نتيجةَ نضجٍ فكريّ وبدون آلياتٍ اجتماعيّةٍ واضحةٍ ولم تمثّل حركةً مجتمعيّة مطلبيّة، فأخذت شكلَ المساوماتِ والصفقاتِ السياسيّة والاقتصاديّة، فيما كانت الشعوب مجرّد أداة وسلعة الصفقات.

الأنظمةُ الحاكمة بالمنطقة، لم تقبلِ النموذجَ الذي تمّ تسويقه بالماضي، وبنفس الوقت لم تسعَ لتحقيقِ النموذج الديمقراطيّ الذي يتناسب مع المعطياتِ الوطنيّةِ، وواجهت شعوبها بتهمةِ العمالةِ والخيانةِ لدول لغرب، فيما حافظت على علاقاتِها مع تلك الدول، وعقدت معها اتفاقاتِ التبادلِ الاقتصاديّ وصفقاتِ السلاح. وكان المُلاحظ الاضطرابُ في مواقفِ المثقفين وقتها، وتعدّدُ مرجعياتهم السياسيّة، وعدمُ تمثّلهم هويتَهم الوطنيّة لتكون مرجعيّة توافقهم.

من الغرابةِ بمكانٍ حديثُ البعضِ عن حالةِ فراغٍ فكريّ، إذ لا وجودَ له واقعاً، فالمنطقة تعجُّ بالتيارات الفكريّة، والمشكلة في تناقضاتها وتبايناتها، وفي أسلوبِ الدعوةِ لهذه الأفكار، فبعضُها يُفرضُ بالقوة والإرهاب لإطالةِ الأزمة وزيادةِ معاناة الناس وإنهاكِ كواهلهم، فيما يُعارضُ الحلُّ الشامل للأزمة الذي يأخذ بالاعتبارِ أسبابها التاريخيّة، لأنّ المُرادَ إحداثُ هزاتٍ عنيفةٍ في منطقتنا تقوّض البنى الفكريّة، ولتكونَ ميزوبوتاميا مركزَ الزلزال الرئيسيّ لإعادةِ ترتيبِ المنطقةِ وبناءِ نظام اللانظام وديمومةِ الفوضى بافتعالِ أسبابٍ جديدةٍ لها، وإغلاقِ الدوائر حولَ الأفكار الأساسيّة، لتعودَ الشعوبُ أسيرة الدوغمائياتِ والقوالبِ مسبقةِ الصنعِ، وتستمرّ الأنظمةُ الحاكمةِ بمطابقةِ نموذجها “الديمقراطيّ” المفترض الذي فصّلته على مقاسها بشعاراتِ الوطنيّةِ. ويُسجنَ المواطنُ مجدّداً بين أطباقِ الإشكاليّاتِ الثنائيّة: القديمة والكلاسيكيّة- المعاصرة والحداثة، نظرية السلف- تجديد الدين، إحياء الفكر- توطين المستورد وأمثالها.

 

الحداثة الرأسماليّة اعتبرتِ الثقافةَ منتجاً صناعيّاً

قد يُطرح مثالُ المجتمعاتِ الآسيويّة كأكثرِ المجتمعاتِ تمسّكاً بنمطِها الثقافيّ الخاص، وأنّها رغم تقدّمها العلميّ والتكنولوجيّ حافظت على منظومةِ قيمها الاجتماعيّة وأصالتها، فاليابانُ مثالٌ للصمودِ الثقافيّ والتراثيّ، ولكن هل الفضلُ يعودُ إلى دورِ المثقف بالمجتمع، أم إلى عواملَ تاريخيّةٍ وثقافيّة قديمةٍ، ليصمدَ المثقفُ اليابانيّ أو الصينيّ إزاء العولمة أكثر من مثقفنا؟ البعضُ يربط المسألة بالسياقِ التاريخيّ أو الظرفيّة وليس بالمثقفِ، فيقول إنّ اليابان تطوّرت وتقدّمت محافظةً على تقاليدها وتبنّت مشروعَها الثقافيّ قبل انتشار سطوةِ الإمبريالية، أي أنّها كسبتِ السباقَ. والحقيقة أنّ هذا الشعب نهض من بين ركام الحربِ العالميّة الثانية فرفضَ تعليمَ اللغةِ الإنكليزيّةِ وجعلَ كلَّ تفاصيلَ الحياة ثقافة مجتمعيّة كالوقت والانضباط والنظام والكرامة الإنسانيّة وتقديسِ العملِ، وحرّر كلّ ذلك من سلطةِ الدولةِ، بمعنى أن تكون التزاماً أخلاقيّاً غير مفروضٍ بسطوة القانون تحت طائلةِ المحاسبة.

مع الإقرارِ باختلافِ التجارب الإنسانيّة، لا يمكن القولُ بغياب المثقفِ في مجتمعاتنا، ولكن المسألةَ متعلقةٌ بمستوى الدورِ والأداءِ ومكانِ الوجودِ، ولأيّة قضية يسخّرُ إمكاناته؟ فالحديثُ عن مشروع ٍ ديمقراطيّ رياديّ على مستوى المنطقةِ، لا يمكن أن تستوعبه جهودُ مثقفين مستغرقين في محليّةٍ ضيّقةٍ أقرب للتقوقع، فالجهدُ الثقافيّ رديفٌ مباشر لحالةِ الصمود الشعبيّ الأسطوريّة التي دحرتِ الإرهابَ، والمشكلة لدينا هي بتكرارِ الدورِ نفسه، في إعادةٍ واستنساخٍ للماضي، فيما كان المستقبلُ محرّضاً لتجاربِ الشعوب الأخرى. فالبعضُ يسعى للمحافظةِ على التفوق، فيما آخرون يجهدون لمجرّد الوجود الشكليّ في مضمار السباق، والقضية تتجاوزُ المقارنة.

مبادئ العولمة الاقتصاديّة والسياسيّة العامة وآلياتها هي ذاتُها في استهدافِ مجتمعاتِ الشرق الأوسط، شرق آسيا، إفريقيا، أو أمريكيا اللاتينيّة، على اختلافها وتنوّعها وخصوصيّتها، والاختلاف في مسألةِ الثقافةِ، فالشرقُ الأوسط أقرب نسبيّاً إلى الغرب وهو أكثر مخالفةً له بالنظرِ لعواملِ التاريخ والتراثِ ومراحل التطور، وعاملُ القرب كان محلَّ اهتمام علماء الأنثروبولوجيا وسمّوه “المسافة المناسبة”، وقد اعتمدته القبائل قديماً، فتركت مسافات فاصلة مع القبائل الأخرى تجنباً للصراعِ والاقتتال، على ألا يمنع ذلك فرص التعاون.

تعاطت قوى الحداثةِ الرأسماليّةِ مع الشأنِ الثقافيّ منتجاً صناعيّاً، فأخضعته لقانونِ الاحتكارِ، وسلخته عن البُعد الإنسانيّ، وبالتوازي مع دورانِ عجلةِ الإنتاج في مصانعها روّجت لثقافةِ الاستهلاكِ، والثقافة التي يُعمل على صناعتها شكلٌ من الترف على حسابِ حاجاتِ المجتمعاتِ الضروريّةِ، وقامت بتأطيرِ سياستها باتفاقية الغات بزعم حمايةِ الملكيّةِ الثقافيّةِ والفكريّةِ، بالتوازي مع الترويجِ للصدام بين الشرق والغرب عبر مؤلفاتٍ مثل “صراعِ الحضاراتِ” لهنينغتون تأكيداً لتوجّهاتها باعتبارِ العالم كله ميدان نفوذها.

إذا كان ركوبُ قطارِ العولمة خياراً لا بدَّ منه، فعلينا التعاطي الإيجابيّ معه، ولا خوفَ على ثقافاتنا المحليّة الصامدة لقرون طويلة من العولمة. ولا مبرر للحذر المبالغ فيه، وقد كانت منطقتنا مهدَ كبرى الثقافات تاريخيّاً، وعولمة الثقافة فرصة لمساهمة مثقفينا ببلورة فكرٍ عالميّ إنسانيّ جديد، قوامه الإقرار بالآخر والعيش المشترك.

تعيش البشريّة حالة انفصال حقيقيّة عن الواقع، وانحسار في العلاقات الاجتماعيّة، وأضحت أسيرة عالم كلُّ ما فيه افتراضيّ ينطوي على اختزالٍ مخيفٍ في كلِّ تفاصيل الحياة حتى في العلاقة الأسريّة، ومن خلال الفضاء الرقميّ، يتمُّ التحكّمُ ومراقبة كلّ شيء في حياتنا. وكلّ هذه التحولات جاءت نتيجة لتلك ظاهرة العولمة التي لا تقيم وزناً للجغرافيا والحدود الوطنيّة وحولت العالم إلى قرية صغيرة تخضع لمنطق اقتصاد السوق.

في عصر الحضارة الماديّة وثورة المعلومات، تشكّلَ فضاءٌ جديدٌ “السايبر” للتحكّم والاتصال أغرقَ الإنسانَ في عالمٍ وهميّ افتراضيّ وابتعد به عن الواقع. وسادت الثقافة الاستهلاكيّة، وانقلب الكوجيتو الديكارتيّ ليصبح “أنا أستهلك فأنا موجود”. وبالمقابل تراجع منطقُ الإنتاجيّة خاصة في الشرق الأوسط فالإنترنت وفّر عناء البحث والتفكير، ما أدّى إلى بطالة العقل وجموده، وراح البعضُ يتحدثُ عن نهايةِ الثقافة وبروز وحشِ اللاثقافة سمةً لعالمِ اليوم، وهو أيضاً من نتائج العولمة وتجسيدٌ لهيمنة منطق السوق والتشيؤ وسلعنةِ الإنسان.

من المهم أن نميّز بين ثقافةِ الاستهلاكِ والثقافةِ الاستهلاكيّة، فثقافة الاستهلاك تستندُ إلى المعرفة والوعي. وهي المعرفة المكتسبة من مصادرَ مختلفةٍ بخصوصِ حصول كلِّ فردٍ على احتياجاتٍ كافيةٍ من السّلعِ والخدماتِ بما يوافق جنسه وعمره ونوع العمل الذي يؤدّيه وضمن حدود الموارد المتاحة. وكذلك معرفة المادة المستهلكة وخصوصيتها وأصل إنتاجها وطرق استخدامها، لإشباع حاجات صحيّة وبيولوجيّة واجتماعيّة وثقافيّة ونفسيّة مع مراعاة الضوابط الإيكولوجيّة والجوانب النسبيّة المرتبطة بالمكان والزمان والإطار القيميّ والثقافيّ الخاص.

أما الثقافة الاستهلاكيّة فهي نتاجُ من الهيمنةِ والقهرِ، غير متأصِّلة قوامها استعراض المعلومات. وهي ثقافة ترويجيّة إعلاميّة سمعيّة وبصريّة تصنع الذوقَ الاستهلاكيّ، تقدّمها العولمةُ بديلاً عن الصراع الأيديولوجيّ، لاختراق الهويةِ الثقافية للأفراد والأقوام والأمم وتسطيحِ الوعي بهدف تكريسِ نوعٍ معيّنٍ من الاستهلاكِ لنوعٍ محددٍ من المعارف والسلع والبضائع. وهي ثقافة دارجة كونيّة تحرّكها التجارة التوسعيّة، طابعها الترف، وسلعُها الصورُ والمعدات، وهي واقعٌ وهميّ خلقته شبكات المعلومات.

 

السيادةُ الوطنيّةُ معيارٌ قيميّ أخلاقيّ

لا زال الخطابُ الثقافيّ في مجتمعاتِ الشرق الأوسط صدىً لسياسة الطبقة الحاكمة المنقطعة عن القاعدة الجماهيريّة، ويتصف بالنبرة الاستعلائيّة، ولا يرى المواطن نفسَه معنياً بهذا الخطاب، بل يجده أسلوباً لشرعنة السلطة. ومع المتغيرات الكبيرة التي تعصفُ بالمنطقة فلا مندوحةَ من التعويلِ على دورِ المثقفِ في صياغة نظريةِ السيادة الوطنيّة انطلاقاً من القاعدةِ الجماهيريّة، لتكونَ الديمقراطيّة وصيغة التعدديّة هي المضمون العمليّ لها، بعد عقودٍ طويلة من احتكارها من قبل السلطات الحاكمة كشعارٍ لها، فكانت النتيجةُ سجوناً على مساحةِ الوطن، واعتقالاتٍ على ذمةِ رأي، ولكن ما الحدُّ الأدنى الذي تجبُ صياغته وما قيمته العمليّة المرجوة في الحياة اليوميّة؟

تثبتُ التجاربُ الرائدة للشعوبِ والانتصاراتُ التي حققتها ثوراتُ التحرّر الوطنيّ دورَ النخب المثقفة وأنّهم كانوا طليعة النضال، إذ تلمّست مشكلاتِ مجتمعاتِها وشخّصتها وحدّدت سُبل الحلّ وسارت في مقدم الجماهير وقامت بتعبئتها فكريّاً وشحنها عاطفيّاً، وبذلك اجتازتِ المجتمعاتُ المنعطفاتِ التاريخيّةَ، ولم تُطرحِ الشعاراتُ من قبيل الترف الفكريّ، بل كانت برامجَ عملٍ واضحةٍ، ناضلت النخب المثقفة لتحقيقها، ولولا ذلك لوقعتِ الثوراتُ الوطنيّة في فخِّ الفوضى والانقسامِ والاقتتالِ الطائفيّ والتنازع الحزبيّ، ورغم تفاوتِ درجات النجاح من بلدٍ لآخر، إلا أنّ النظريةَ الوطنيّة تمحورت حول مفهومِ التحرّر والتخلصِ من التبعيّة.

السيادةُ الوطنيّةُ معيارٌ قيميّ وأخلاقيّ، وبه تُقاسُ سلوكياتُ الأفرادِ وتُصحّحُ وِفقَها بوصلةُ التوجّهات السياسيّة، ومهمةُ المثقف أن يؤكد على بُعدِها الأخلاقيّ والوجدانيّ، ويحرّرها من الدلالات السلطويّة، وأنّها مفهومٌ عابرٌ للمكوّناتِ في الوطن الواحد، فيما الحزبيّة أو الطائفيّة أو المذهبيّة قاصرةٌ عن تمثيلِ الحالةِ الوطنيّةِ. والمشكلة اليوم أنّ معظمَ المثقفين قد تنحّوا عن دورهم المجتمعيّ واستقالوا، وراحوا يقفون على قارعة الأحداث، والإشكالُ ليس فقط في انكفاءِ المثقف، بل الأخطرُ الانغلاقُ في أطرٍ ضيقةٍ قوميّةٍ ودينيّةٍ وحزبيّةٍ ومناطقيّة، فراح يشرعنُ حالاتِ التعدّي على الوطنِ ربما من منطلق التشفّي والكيديّة، وأضحى بوقاً لهذا الطرف أو ذاك، رغم الضرورةِ الملحّة لإعادةِ صياغةِ الرؤى والأطروحاتِ بعد النكبات التي مُنيت بها المنطقة، وبعد كلّ مشاهدِ الدمِ المسفوحِ بتهمِ التكفير والتخوين وعبثيّة الحربِ. فشعاراتُ الثورة والتغيير تمّ استهلاكُها بعد السطو المسلّح عليها، ولم يبقَ طرفٌ من مدّعيي الثورة إلا مارس القتلَ باسم الوطن، ليجمعَه في تناقضٍ صارخٍ مع شعارِ التحرير والكرامة، وليحاربَ الفسادَ والوصايةَ على الوطنِ بالتطرّفِ والقتل، ثم يستصرخ كلّ الموتورين والمنحرفين والقتلة المأجورين لنصرةِ ثورته المزعومة.

ثمّة خلط بين المثقفين والمتعلمين، فالمثقفُ لا ينحصر اهتمامُه في النشاط الفكريّ فقط، بل بالخروجِ على النخبةِ المتقوقعة على معارفها المختلفةِ ذاتِ الاطلاع الواسع، والمجرّدة عن البعدِ التاريخيّ، وتؤمن بالثقافة التقليديّةِ السائدةِ التي تتألف من شذراتٍ معرفيّةٍ واختصاصاتٍ مختلفةٍ، والمثقفُ ملتزمٌ بوحدةِ النظامِ المعرفيّ وتكامله. وأما المتعلمون فهم من تلقّى تعلیماً أكاديميّاً عالیاً ويعملون في ميادين معرفيّة تخصصيّة كالطب والهندسة والحقوق والصحافة وسائر فروع التخصص المهنيّ وحتى الكتّاب والمستشارون، وأما اهتماماتهم المعرفيّة خارج مهنتهم وتخصصاتهم فمحدودةٌ جداً. ولعل مرّد هذا الخلط يعود إلى عدم التمييز بين ثمنِ الأشياء وقيمتها، وبذلك أصبح المثقفون محلَّ انتقادِ المجتمعِ وأنّهم مرتزقة متكسّبون.

لا يمكن لمثقفِ السلطةِ امتلاكُ إرادةِ التغييرِ والتي تعتبر المهمةَ الأساسيّةَ التي تطبعُ بعمقٍ شخصيّةَ المثقف. لا بل أنّ خضوع المثقف للوصاية وتحوّل إلى بوقٍ إعلاميّ منافحٍ عن السياسيين وهجره لقضية المجتمع تعني حتماً نهايته.

 

هل انتهى دور المثقف؟

من أهمِّ سماتِ المثقفين، محاولتُهم تثويرَ الواقع في أبعادِه السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة واعتماد مبدأ “منهجيّة التحليلِ الملموسِ للواقعِ الملموسِ” وقطع العلاقةِ مع المنهج التقليديّ لتسقط أقنعة الزيفِ في مجملِ العلاقات ويتمّ التصالح مع الحقيقة. والواقع أنّ المثقفَ ليس مطالباً بإنتاجِ المعرفة والفكر فقط بل أنّ مهمته العسيرة تكمنُ بتشكيل الوعي الذي يمكّنه من تغييرِ التاريخ وصنعه من جديد.

طرحُ نوعٍ جديدٍ من المثقف مغالطةٌ واضحةٌ لتعريفِه، وكأنّما المطلوب مثقفٌ تحتَ الطلبِ، ولمجرّدِ دورٍ متممٍ يسلخه عن مجتمعه، وما دامتِ الثقافة مرتبطةً جوهريّاً بمعنى الهوية، وأيّاً كانتِ الوسائلُ المتبعة فالوطنيّة تشكّل مركزيّة عملِ المثقف، والثقافةُ لا تخضع لقواعد الموضة أو التقادمِ الزمنيّ، وليست مجرّد ملاءمة واستيعابٍ لمعطياتِ الحاضرِ، وإلا سقطت الثوابتُ القيميّة والأخلاقيّة للمجتمعاتِ، إذ لا تغيّر المدينةُ سورَها مع كلِّ هجومٍ معادٍ، بل تتخذُ سوراً يكفيها شرَّ كلّ الأعداءِ وتقومُ بصيانته، وعدمُ مناعةِ السورِ مردُّه لاستقالةِ المثقف عن أداءِ دورِه، فكانتِ النتيجةُ حالة اليأسِ السائدةِ، وإصابةِ المجتمعِ بعدوى الإحباطِ. فيما الساحةُ الثقافيّة في مجتمعات الشرق الأوسط تعجُّ بالمتطفلين الذين يشنّفون الأذان على وسائل الإعلام بخواء خطاباتهم وتملأ مطبوعاتهم المكتباتِ من غير أن يكونَ لديهم مشروعٌ مجتمعيّ حقيقيّ لأنّهم مجرّدُ أدواتٍ في البروباغندا الإعلاميّة لدى مشغّليهم، فمعيارُ تقييمِ عملِ المثقف هو دوره المجمتعيّ وليس نتاجه التنظيريّ.

في ظلّ الاضطرابِ الذي يعيشه العالم والغزو الثقافيّ يتمّ الترويج لفكرةِ أنّ زمنَ الثقافة قد ولَى من غير رجعةٍ وبات الاحتكامُ للقوة، وقد سمّى المفكّر الفرنسيّ فرناند بروديل زمننا الراهن بعصرِ الحضارةِ الماديّة. العالم فيه يخضع لرياح العولمة وتحكمه قوانين السوق التي تفرض سلعنة القيم والأفكار وحتى الإنسان. وبذلك تزلزل عرش المثقف وانكفأ دوره، وبتتبع حال مجتمعات منطقة الشرق الأوسط ندركَ حالة الانحسار الثقافيّ العام. وليطرح السؤال المحرج هل بات المثقف ودوره حكاية من الماضي؟

ففيروس اللاثقافة تغلغل في جميع الميادين والمستويات وهذا يبدو ظاهراً للعيان وتزايد الانحدارُ بالذوقِ العام وطغتِ الماديّة وسيطرت على العقول، وسادت حالةُ الرفضِ للآخر والاحتكام للقوة. وفي مقال نشره في صحيفة لوموند في شباط 2016 يقول المفكر الفرنسيّ إدغار موران “بإصلاح المعرفة، نوفّر لأنفسنا الإمكانياتِ لكشفِ مصادر العمى الذي تؤدّي إليه روحُ الحربِ لدى المراهقين، وكذلك الوقاية جزئيّاً، من العملياتِ التي تؤدّي إلى التعصّب في أوساطهم، والتعليم لفهمِ الآخر، والتعليمِ لمواجهة اللايقيني”. وفي ظلِّ الانتكاسة التي مُنيت بها الثقافة يُطرحُ السؤالُ أيُّ مكانةٍ ستكون للمثقف في خضم زمن اللاثقافة؟

فهل يعني ذلك خيارَ التسليمِ والانسحابِ من الساحة والتذرع بأنّ ليس للمثقف فيه نصيب في الواقع الراهن أم أنه يتوجب عليه أن ينتجَ رؤيةً جديدةً يساهم من خلالها في بثّ روحٍ فتيةٍ في الثقافةِ تلملمُ الجراحَ وتستعيدُ الحيويّةَ والديناميّة ومرونةَ الحركة؟

لنتذكر أنّ أوروبا مدينةٌ لمثقفيها الذين قادوا مسيرةَ الفكرِ الإنسانيّ من عصرِ النهضة الأوروبيّة إلى الثورة الصناعيّة مروراً بالثورة الفرنسيّة وكذلك هو الحال في نهضة شعوب الشرق. فالثقافة وحدَها تمنحُ الوقاية للمجتمعات وتحصّنها من الأخطار وتصون وحدتها.

المطلوبُ اليوم صنعُ مشروعٍ ثقافيّ يسهمُ بتشكيل وعي تاريخيّ يمكّن المجتمعَ من الفعلِ وتقرير مصيره ويحرّره من الوصاية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.