شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

النقد الأدبي -أسامة أحمد

0 205

 

 

يختص النقد الأدبي بدراسة النتاجات الأدبية، أي أنه معني بالتعبير الأدبي، فالأدب ظاهرة تعبيرية، تحيل الإحساس، أي التجربة الشعورية، إلى نص مكتوب يتألف من تعابير وصور فنية بمزج خيال وحقيقة لا يتآلفان إلا في عالمه الخاص، أما النقد فيدرس ويبحث في ذلك التعبير والعالم، ولأننا سنتحدث عن النقد، فمادتنا هي البحث في النقد أي نقد النقد، وتعتبر هذه مغامرة إلى حد ما، فالنقد ظاهرة باعثة على الجدل والاثارة في تطبيقاتها فكيف الحال والولوج في ماهيتها وأصولها وأبعادها، ويعرف النقد, كجزء من الفن, على أنه حالة ابداعية بنسبة كبيرة وهذا ما يجعل من تقديم تعريف جامع مانع له أمراً صعباً للغاية, ولكن لا مناص من المحاولة, وإن كانت متواضعة, لتعريفه بغية تبسيط مفهومه ما أمكن للدارس والمهتم.

تعريف النقد: هو نشاط فني تحليلي وتركيبي يقوم على توظيف مجموعة من العلوم والمعارف في شرح وتفسير وتقييم وتحسين الناتج البشري.

فالنقد بهذا المعنى سلوك ينتسب للفنون أكثر منه للعلوم، وإن كان له بعض القواعد والمناهج، لكنه غير مضبوط بنسبة كلية تجعل منه علماً ذو قواعد ثابتة، بل هناك عدد من النظريات والدراسات التي تفضي إلى أساليب وطرائق متعددة في انتهاج النقد, تتقارب في نقاط وتتباعد في أخرى، مع عدم الاخلال في ماهيته أو جوهره الذي بني عليه أساساً، أما ما أشرنا إليه من استناد إلى التحليل والتركيب أردنا توجيه العناية إلى أن النقد يدرس مادته بجزئية وكلية على حد سواء أو بمعنى أدق نستطيع القول بأنه يدرس الجزئية التي تقودنا بدورها إلى الكلية, فالأدب والفنون عامة عالم من الرموز والدلالات والايحاءات, إضافة إلى كونه نشاط ذو طابع يستهدف الذوق من حيث الجمالية في الشكل, إلّا أنه بإمكاننا حتى في معرض حديثنا عن الجمال الاشارة إلى أن التكامل الفني فيما يخص القيمة الجمالية يتكون من خيارات جزئية تشكل في النهاية قيمة جمالية تشتمل العمل برمته, فنحن إذاً بحاجة إلى فهم الأجزاء ليمكننا فهم الكل وهذا يحتاج إلى تفكيك العمل ودراسة أجزاءه ثم الانتقال لإعادة تركيبه وصياغة فهم معقول ومنطقي أو حتى مجازف ربما حول الناتج الخاضع للنقد, مروراً بدراسة العلاقات والروابط بين مدركاته الجزئية .

وحتى يكون النقد نقداً بالمعنى التخصصي الهادف يجب امتلاك قاعدة من المعارف تعين الملكات الإبداعية الخاصة للناقد في إيراد المعاني واستحضار الأفكار واستنباط قيمتها عبر شرح وتفسير تسبقه قراءة تأملية تتسم بالعقلانية أحياناً وبالجنون أحياناً أخرى ولا يتوقف عمل النقد هنا، وإلا لما كان له من القيمة أكثر من أنه إعادة صياغة للنتاج الفني بلغة مختلفة عن الأصل تقترب من المعجمية التي تشرح معاني الكلمات, بل يمتاز النقد بخاصية التقويم والإضافات المعرفية والجمالية التي من شأنها إغناء النشاط الفني والارتقاء به من حيث الشكل والأداء والوظيفة والغايات.

والنقد طبع من طبائع الشعوب كافة وفئات الناس وطبقاته في كل زمان ومكان، لذلك يجد النقد نفسه حاضراً في حياة أبسط الناس، ولكنّه بالتأكيد يرتقي ويتبلور بصيغة تحمل صفات علمية وحضارية موضوعية كلّما ارتقى مؤديها بنفسه أدباً وعلماً وثقافة، وهو أي النقد من الطبائع التي جبل عليها الناس, فإننا ببساطة لو مررنا على مراحل التطور التي مرّ بها الإنسان سنجد أنه كان دائماً يمارس التقييم والمفاضلة والمقارنة والاستكشاف للبحث عن الأفضل, فلولا رفضه لواقعه وطموحه لحياة أفضل ما شهدت الحضارة ما شهدته من نمو وتقدم.

إذا فعملية القبول والرفض والتأمل فيما يمكن أن يكون، واستحداث أساليب من شأنها تغيير الواقع من صور وسلوكيات ولغة تواصل نحو مستوى أرقى، هو أصل النقد في حياتنا.

إن النقد كفن له ركائز من علوم ومعارف ومهارات، ظهرت ملامحه الأولى في القرن الخامس قبل الميلاد وكانت أول الأسماء (انكساغوراس، سقراط، أفلاطون وأرسطو) ثم أخذت بالانتشار والتوسع وكثرت الآراء والمناهج النقدية, وما زالت إلى يومنا هذا تتعدد في مدارسها واتجاهاتها مع احتفاظ الإرث النقدي القديم بمكانته وأهميته في عالم النقد.

كما أن حضارات أخرى كالفرعونية والرافدية عرفت النقد الفني ومارسته، لكنه كان مقتصراً على الكهنة والحكام، فهم من كان يحدد القيم الجمالية والوظيفية للفن، أما اليونانيون فقد تناول فلاسفتهم الشعر والشعراء فنقدوا المادة وصاحبها، كما قاموا بالتصنيف والتعريف والتقييم والبحث في أصول الإبداع، وكانوا أول من ظهرت لديهم بذور النقد النظرية من خلال ما كتبوه في فلسفة الفن والجمال وأسس الملهاة والمأساة، كما تناولوا الشخصية وأبعادها وربما غير ذلك من الأحكام والمواقف حيال الفن والأدب كظاهرة.

أما عن النقد خلال وما بعد عصر النهضة ومع انطلاق ثورة فلسفية جديدة فقد أخذ النقاد بتطبيق شتى النظريات الفلسفية في دراساتهم النقدية كالنظرية التطورية ومدرسة التحليل النفسي وغيرها الكثير من النظريات, ما قادنا إلى ظهور مدارس ومناهج نقدية متعددة كالمنهج التاريخي مثلاً الذي يدرس النص الأدبي على أنه ظاهرة ضمن السياق التاريخي, والمنهج النفسي الذي يدرس النص على أنه نتيجة لدوافع وحاجات وصراعات داخلية تتعلق بشخص الكاتب، كما أن هناك الاجتماعي والتطبيقي وغير ذلك من الاتجاهات النقدية التي يبدو كل منها ذو مزايا خاصة تقترب من واقعية الطرح الأدبي أحياناً, وتبتعد أحياناً أخرى في مبالغات وافراط في الالتزام بالنظرية المعتمدة في النقد تشعرك بأن الناقد في كثير من الأحايين يهدف إلى تثبيت النظرية أكثر ما يهدف إلى فهم النص وتحديد قيمته ووظيفته وغايته, ما دفع بعض النقاد إلى اعتماد النظرية التكاملية التي تعمد إلى الاستفادة من أكثر من نظرية ومنهج في الدراسة الواحدة وهذا ما أراه أقرب للصواب في فن النقد.

أهمية النقد: 

النقد هو ذلك البساط الطائر الذي يسمح لك بالتحليق في عوالم لم ولن تستطيع الخوض فيها دونه، والناقد رحالة يجول في فضاءات الحس والفكر ناثراً أنجماً من فيض إشراقاته الإبداعية.

لقد لعب النقد عموماً والنقد الأدبي على وجه الخصوص دوراً مميزاً ومفيداً إلى حد بعيد في تاريخ الأدب، وبرغم أن العلاقة بين الناقد والأديب لا تكون مرضية في الكثير من المواقف، إلا أنها أي تلك العلاقة، أياً كانت نسبة الرضى فيها، لها أهمية قصوى، فقد دفع النقد عجلة الأدب نحو الأمام بوتيرة مواكبة للتطور والتغيرات الحاصلة في تاريخ الحضارة البشرية وجعل من الأدب مرجعاً تاريخياً, واجتماعياً في الدراسات التخصصية, وعاملاً أساسياً في التأثير على المجتمعات شكلاً ومضموناً, كما جعله يتعدى توصيفه كظاهرة, ليصبح جزءً من تركيبة المجتمع ولبنة من لبنات الحضارة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال.

وللنقد الأدبي الدور الحاسم في صون الأدب من الابتذال والتهريج والتسخيف، فمن خلال النقد يتم الحفاظ على شكل الأدب المرموق محتفظاً بقيمه الجمالية، كما يحفظ قيمته الفكرية المعرفية من خلال التصنيف والتقويم وغير ذلك، ناهيك عن اشراقاته حول القيم الحسية، والاجتهاد في الحفاظ على أدب يرقى لمستوى معاني الوجود وغاياته.

أشكال النقد الأدائية:    

لقد ذكرنا بعض مناهج النقد في سياق الفقرة السابقة ولم نشأ تخصيص فقرة خاصة بها لكثرة ما تناولها المختصون وآثرنا تقديم ما يمكن أن يكون عرضاً جديداً إلى حد ما, وانطلاقاً من هذه الرؤية نود استعراض تصنيف من نوع آخر.

باستطاعتنا تصنيف النقد من حيث الأداء إلى الأشكال التالية:

النقد البسيط:

وهو ما تعارف الناس عليه وتداولوه بمنهج إبداء الرأي من خلال ما اكتسبوه أو انطبعوا عليه فقط، فهو بذلك يعتمد على مكتسبات الشخص الواحد المجردة دون الرجوع إلى صنوف المعرفة، أو الاستناد إلى منهجية، أو القياس بمنطق، ويتناول هذا النقد ما هو محسوس حاضر، ويأخذ بالكلية الظاهرة.

النقد المركّب:

وهو تماماً ما نقصده من خلال دراستنا من تحليل واستكشاف وغوص في المعاني ودراسة للصور واستشراف للفكر والحس فيما تطرحه المادة الأدبية أو الفنية أو غيرها، معتمدين العلوم والمعارف والإبداع القائم على أرضية فكرية وثقافية ذات بعد حضاري بنهج يعرّف بماهية المادة ووظيفتها وقيمتها ويضيف إليها من خلال الرأي الذي من شأنه الارتقاء بالمادة وإغناء النتاج الحضاري من حيث القيمة والتي بدورها تدفع بالمادة نحو أفق أوسع من حيث الوظيفة.

النقد العالي:

يختلف هذا الشكل مع المركب من حيث المادة التي تتناولها فقط، اذ يختصّ النقد العالي بتناول الكتب المقدسّة وآثارها.

الناقد وكيف يتشكل الرأي النقدي:

عندما نطلب من أحدهم رأيه في لوحة فنية أو مسرحية أو قصيدة، فإننا نسمع كلمات مثل ” جميل، جيد، ممتع، رومانسي، بارد، مسلي، مبكي، سخيف …. الخ ”

لعل الناس بغالبيتهم لن يستطيعوا شرح الوصف الذي أعطوه لما شاهدوا أو سمعوا أو قرأوا، فهم استعانوا فقط بالانطباع الذي تولد لديهم، والناشئ بدوره من الإحساس الداخلي غير الظاهر وغير المدروس، وهذا يقودنا إلى أن الإحساس هو أول من يتنبه ويتذوق ما تتلقفه الحواس.

الحس العالي: الناس باختلاف إحساساتهم تختلف انطباعاتهم ونستطيع القول هنا إن التذوق هو نتيجة للتنبه وكلما ارتفعت درجة الإحساس زاد التنبه، وبالتالي ارتفعت سوية التذوق.

هل نقول أن وظيفة الإحساس تقتصر على التنبيه بما هو جمالي أو شكلي فقط؟

بالطبع لا، يدفعنا الاحساس للتنبه، ليقوم فيما بعد بدور الرقيب والمتفحص لما يتنبه له فيدفع المرء للحكم على ما تلقاه بطرق مختلفة ومتعددة وتلك الأحكام أو النتائج التي يتوصل إليها الاحساس هو تماماً ما نسميه الذوق أو التذوق.

كلما كان المرء حساساً بدرجة أعلى سار تنبهه نحو ما هو أسمى شكلاً ومضموناً، فالذوق الرديء إنما ينم عن إحساس ضعيف أو قاصر أو سطحي سخيف، ولهذا علاقة مباشرة بالقيم الطبيعية كما للقيم المكتسبة للمرء وعليه، ومن خلال الاحساس والتنبه ومن ثم التذوق، يلحظ المتلقي عظمة أو سخيف ما أتت به المادة من تعبير أو شكل أو فِكَرْ.

  • ولكن سؤال هنا يطرح نفسه، هل تتوافق أحاسيس الناس بالمثل؟ وهل تحمل أحاسيس الناس كلها القيم ذاتها؟

للإجابة على هذا السؤال لنفترض معا مسرحية تُظهر جنون العاشق الذي يخرق كل الأعراف والتقاليد بغية تحقيق هدفه في الاجتماع مع من أحب.

سنرى هنا مشاهدا توافق إحساسه مع المخرج والكاتب اللذان قدما هذا العاشق على أنه أخرق ومجرم بحق القيم الاجتماعية وأناني في تفكيره، إذ ضحى بالقيم المجتمعية بغية إرضاء ذاته ورغباتها، بينما نجد آخرا أحس بمظلومية ذلك العاشق وحقه المهدور، اذ أنه مدان بخرقه قيم المجتمع ولكنه منسي فيما فعل به المجتمع وأعرافه العاجزة عن تلبية أحلامه بالوصال مع حبيبته التي منع عنها لسبب أو لآخر.

هذان احساسان مختلفان وقيمتان متعارضتان تولدان انطباعين وذوقين مختلفين حيال الموقف ذاته بمعزل عن التفاصيل المتعلقة بالكلمات والمشهد إخراجياً وغير ذلك من عناصر العمل المسرحي، وهذا يبين وببساطة بأن الناس تختلف درجة وتوجهات أحاسيسها كما وتختلف قيمهم التي تنتج بدورها مواقف مختلفة، والسؤال هنا أي الاحساسين نقديٌ بالمعنى الذي نريد؟

إن الأمر على ما يبدو وبوضوح تام أن إحساس الرجلين هو نتيجة لتأثير التجربة الخاصة والمختلفة لكل منهما على شخصيته، وهذا ما لا يجوز للناقد البنّاء، وهذا ما ندعوه بذاتية النقد وهو باعتقادي أسوأ ما يمكن أن تكون عليه صورة النقد، فعلى الناقد توجيه إحساسه البدائي نحو الموقف، متجرداً من تجاربه الخاصة شرط أن يكون إحساسه البدائي هذا موجهاً بالحكمة المعرفية لا بالقناعات الشخصية.

يحاول الناقد من خلال الدخول الى تفاصيل النص وتتبع الحوارات متناولا إياها من الناحية اللغوية والنفسية اللغوية والصور والانفعالات التي قدمها النص والحكم والمواقف والآراء والحلول والفرضيات, يحاول الناقد هنا استبيان الآراء العظيمة للكاتب ومبررات المواقف ليستخلص القيم التي أرادها من مسرحيته وكم استطاع ذلك فنتنبه للغاية وكم اقترب منها والوظيفة وكم كان أدائها من الدرجة, وإلى آخر ما هنالك من الغايات النقدية لننتقل بعدها الى المخرج وحلوله وأدواته في تجسيد النص لواقع معاش, مع التنبه للبصمات الإخراجية ثم الممثل وباقي عناصر العمل المسرحي وبعد محاولات الشرح والتفسير والتقييم والتقويم للعمل, نستطيع محاكاة فكر الكاتب أو المخرج وحتى المؤدي فيما طُرح لنعزل بذلك بين المسرحية كعمل فني وبين الفكر الذي حمله ومدى توافقنا معه محاولين مساعدة الكل في بلوغ غاية نبيلة ورفع سوية العمل الفني بكليته لصورة أرقى وهدف أسمى، فنصبح بنقدنا جزء من العملية الفنية والفكرية في أداء الوظيفة وبلوغ الغاية السامية، إذاً نحن لسنا (مع أو ضد)، كما أننا لا نتعاطف بحال من الأحوال مع جزئية دون غيرها، إنما نناقش الكل من خلال الأجزاء.

ألا نلاحظ أننا أصبحنا من خلال ما تقدم بعيدين تماما عما أسلفناه من انطباعات الجمهور؟

هذا صحيح، لأننا لسنا جمهوراً بالمعنى المعروف، بل جزء من العملية الفنية، فالنقد بمعناه الحقيقي غير منفصل عما يدرسه من مادة فنية، إذ نسعى من خلال النقد لاستحضار الغائب واستخراج الجواهر والكشف عن كل ثمين والتخلص مما يعيقنا في بلوغ الحقيقة والكمال والسعادة.

لقد ذكرنا الإحساس البدائي واشترطنا عليه أن يسير وفق توجيه حكمة معرفية، وبالتالي يصبح السؤال هنا.

هل يتفق الناس بإحساسهم البدائي؟

أعتقد أن الإجابة هي نعم، فالأطفال في كل مكان مع اختلاف المجتمعات والبيئات والظروف يتوجهون نحو أمهاتهم بإحساس واحد يحمل الحاجة والشوق والحب، الحاجة لإشباع الجسد، الشوق لحنان الأم، والحب لمن ترعاهم.

إن الناقد الذي يستطيع الاقتراب من المادة بحب كاقتراب الرضيع من أمه، سينجح بإغناء المادة والحضارة والارتقاء بهما معا، فهو يقترب من المادة لحاجة إشباع روحه ببديع الكلام والصور، وشوق لدفء ذلك العالم النقي، وحب لمن يرعى آلامه وأحلامه ويصون دمعه وابتسامه.

الطفل يرفض حليب أمه لو تغير الطعم لسبب ما وهذا يؤدي بنا إلى أن الإحساس البدائي يتنبه للسلبيات أيضاً.

ألا يجعل الإحساس البدائي من نتائج النقاد متشابهة كما تشابه إحساس الأطفال في كل العالم وفقاً للمثال: إن الإحساس لدى الطفل بدائي خالص، لكن الإحساس لدى الناقد ولو استند لمثال الطفل يبقى مصقولا من خلال الدراسة والتجربة، إضافة لاقترانه بالحكمة المعرفية، فلو كان الإحساس هو القاعدة الوحيدة التي يستند عليها الناقد لكان هذا صحيحاً بلا أدنى شك، لكن الأمر مختلف بالتزام الناقد لشروط الحكمة المعرفية، وهذا ما يميزه عن عامة المتذوقين علاوةً على أن الناقد يبحث في تفاصيل وجزئيات تخصصية بينما الجمهور يحاكي الصورة الكلية ويعتمد برأيه على ما يحب ويستلطف، مثلاً:

في لغة النص: يقول الناقد فرضاً أن اللغة لم ترتقي لمستوى الفكرة، لضعف في الإنشاء أو استخدام مفردات تحتمل تأويلات كثيرة تؤدي بالنص إلى مكان لا يبتغيه سياق النص أو الغاية التي كتب لأجلها، بينما يجد غير الدارس في اللغة بساطة يستحبها أو كلمات رنانة يعتد بها.

2– الحكمة المعرفية:

الفرق بين الحكمة بمفهومها العام والحكمة المعرفية:

الحكمة في اللغة العربية العلم والتفقه, وفي التشريع العلة, وعلم الحكمة الطب والكيمياء, وفي علم البلاغة الكلام الذي قلّ لفظه وجلّ معناه, وتشترك مع اللغة الفرنسية في كونها تدل على العدل أيضاً, كما أن لها دلالة على الخبرة وكثرة التجارب البانية لرجاحة الرأي واتزان العقل, ولكي لا يلتبس الأمر على الدارس في مؤديات الكلمة وجدنا أن إيرادها بهذا الشكل المقرون بالمعرفة أقرب للمعنى المراد به هنا كشرط في فن النقد, ويمكننا القول باختصار بأن الحكمة بمفهومها العام تعود بصاحبها دائماً للحكم من خلال تجاربه ومخزونه الفردي من المعرفة وحسب، وهذا يقترن بالذكاء والتجربة الخاصة أكثر منه بالحكمة، وهذا هو حال الفلاسفة الذين قدم كل منهم باجتهاده الفردي مجموعة واسعة من النظريات والفكر, كل على حدى, فالتقوا وتقاربوا في بعضها واختلفوا وتباعدوا في بعضها الآخر, فسمي ما أنتجوه فلسفة, والفلسفة تعني حب الحكمة ولا تعني الحكمة بعينها، وهي التي تحمل معانٍ شتى كما أسلفنا سابقاً, بينما الحكمة المعرفية تلتزم القواعد والمبادئ وتأخذ شتى التجارب بعين الاعتبار، أي أن الناقد يستقي من الفلسفات والحكم والنظريات والعلوم والمعارف المختلفة ثم يقارن ويوازن ويحاجج ويبرهن ويضيف من فكره وخلاصاته الخاصة أيضاً, فيكون بذلك مغنياً بفكره, ليس للمادة بعينها فقط, بل للحركة الفنية والفكر الإنساني عموماً.

 

 

3- براعة الإنشاء:

وهي اللغة الحية التي تتفاعل مع موضوعها، فتكون بذاتها فناً ابداعياً متماسكاً ومترابطاً، وغني بمفرداته وتركيباته وصوره جامعاً بذلك بين الشكل والمضمون ويمكن القول بأنها فن توظيف اللغة، أو فن الأداء اللغوي.

4- الإبداع:

الابداع في النقد يعني أن تجعل من النقد السبيل والقصد في آن واحد، أي السبيل في قراءة واستنباط القيم واستخراج الجواهر من أعماق المادة، كما أنها القصد حينما تجعل من المادة غاية تغني الفكر والروح البشرية فتصبح ابداعا على ابداع، ما يجعل من الناقد مفكراً يضيف ويغني الفنون ويفتح الآفاق لإبداعات جديدة فيجعل من نفسه ومن المبدعين حالة خلاّقة وأكثر حيوية، تطور ما سبق وتطرح جديداً يميز به فكره وعصره الفني عن غيره.

في الدراسة النقدية:

في النقد نبحث دائماً في: الماهية، الوظيفة، القيمة، الأطر (الشكل)

في الماهية ندرس البنية والخواص التي تحدد التصنيف. وفي الوظيفة ندرس العمل والدور الذي يقوم به لبلوغ الفائدة المرجوة التي يؤديها الأدب. وفي القيمة ندرس الدرجة التي يستحقها بين النتاجات المتوافقة من حيث التصنيف. وفي الأطر أو الشكل ندرس القيم الجمالية المتمثلة بالأدوات والأشكال التعبيرية، لنصل بذلك إلى: المتعة، الفائدة، التطوير.

في المتعة لما تحتويه من قدرة إشباعية للروح، وسد الحاجات النفسية، وإبهار الحواس وهز الجوارح. وفي الفائدة بما نجنيه من ازاحة اللثام عن المعاني والأفكار من احساس نبيل أو حكمة …الخ وهذه فوائد للقارئ، إضافة إلى الفوائد التي يجنيها الكتّاب والحركة الأدبية عموما من آراء وملاحظات. وفي التطوير بما نقوم به من تقويم وتحسين وطرح للآراء حول نقص أو عثرة أو خطأ أو غير ذلك.

يمكننا القول بأن النقد كان وما يزال أحد العوامل الأساسية في تطور المجتمعات والارتقاء بمظاهر الحضارة، إذ من خلاله تدرس الأسس والبنى والدوافع والغايات والوظائف والقيمة للنشاط التعبيري الذي قامت عليه نظرية ما أو نتج عنها أدب أو فلسفة أو مفاهيم في حياة المجتمعات، كما أنها تفتح الأبواب للفكر والعقل والروح للمضي نحو ما هو أرقى وأفضل وأجمل وأنجع، فإذا كنا نسعى للسمو بأنفسنا ومجتمعاتنا والإنسانية علينا بإعطاء النقد مكانته الصحيحة في حياتنا، وعلى حد اعتقادي، لا نهضة لأمة بدون النقد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.