شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

النقد في الأدب العربي بين الكبت والحداثة-خضر الحمّادي

0 212

 

 

يختلط التّداعي الحرّ في توظيفاتِهِ المتعدّدةِ, والمتحوّلةِ, لوظيفةِ الشّعريّةِ باختلاف المشارب الثّقافيةِ, وتوغّلِ التّأثّرِ بالغربِ, ومذاهبِهِ في الحداثةِ الشّعريّةِ. فالأحكامُ المبرمةُ التّقويميّةُ بحقِّ الشّعرِ غالباً ما تفسدُ النّظرَ في مبنى الشّعرِ ومعناهُ؛ فالأيديولوجيا مفسدةٌ للحوارِ عندَما تتحوّلُ أساساً للتقويمِ.

يجبُ على الكتابةِ النّقديّةِ ألّا تكونَ مُنصبّةً على فردٍ بعينِهِ, بل تنتقلُ من الجزئيِّ إلى الكُلّيِّ, ومن الكُليِّ إلى الجزئيِّ؛ وهنا يصبحُ الكلّيُّ منهجاً في التّفكيرِ.

فإذا ارتكزَ النّقدُ على أسسٍ جماليّةٍ عامّةٍ ضمنَ المبالغِ فيهِ, وخضعَ لأيديولوجيّاتٍ نقديّةٍ غربيّةٍ هي وليدةُ لحظتها التّاريخيّةِ الخاصّةِ في واقعهم السّياسيِّ والاجتماعيِّ والثّوريِّ، حيثُ تتماشى مع طبيعةِ لغتهم وصياغتها؛ فإنَّ الأدبَ العربيَّ يميلُ إلى المطلقِ وإخضاعُهُ لمثلِ هذهِ المذاهبِ يكونُ محاولةَ تشويهٍ لهُ وفق آراءٍ تمثّلُ دعواتٍ مشبوهةٍ تتظاهرُ بمواكبةِ الحداثةِ لكنّ مضمونَها مسخُ الأدبِ العربيِّ الذي لم يوجدْ أدبٌ في العالمِ يستطيعُ منافستَهُ. فمن الظُّلمِ أنْ نُخضِعَ هذا الأدبَ العريقَ لمثلِ هذهِ القوالبِ الجاهزةِ؛ وكم نجدُ الكثيرَ من الباحثين, وأستاذة الجامعات في البلادِ العربيّةِ يندبونَ حظّ أدبنا لعدمِ وجودِ نظريَّةٍ أدبيَّةٍ, أو مذهبٍ أدبيٍّ خاصٍّ بهِ  كالمذاهبِ الغربيَّةِ الحديثةِ كالكلاسيكيّة والرومانتيكيّة وغيرِها أو نظرياتٍ نقديّةٍ قديمةٍ كنظريّةِ الانعكاس, والتّعبير، والمحاكاة.

فهذهِ الدَّعواتُ أجهدَتْ نفسَها وهي تحلّقُ في فضاءِ الوهمِ وجهلِ الذّات؛ فهم يروّجون لتطويعِ الذّات وفقَ نسقٍ معيّنٍ يُعينُ السُّلطاتِ الحاكمةِ, ويخضعُ لأيديولوجياتهم.

لا يمكنُ إخضاعُ الأدبِ لأيديولوجيّة, فلا يمكن للمبدعِ أنْ يكونَ مبدعاً إلّا إذا كانَ حراً طليقاً متمرّداً على كلِّ القيودِ وهو يعي ذاتَهُ وذاتَ المجتمعِ ويكونُ سفيراً لمجتمعِهِ أمامَ زخمِ الآدابِ العالميّةِ؛ فهكذا تظهرُ روحُ النّقدِ؛ وليستْ الشّكليّةُ الخادعةُ المغريةُ.

متى نبني واقعاً نقديّاً مزدهراً؟ عندما نعي خصوصيّةَ أدبنا التّاريخيّةِ والحضاريّةِ؛ ونكونُ على درايةٍ في تأمّلِ اللّغةِ الشُّعوريّةِ, والأسلوبِ الأدبيِّ, والأسلوبيّة بمصطلحاتها.

فالأسلوبيّةُ (1) علمٌ يدرسُ اللّغةَ ضمنَ نظامِ الخطابِ الشّعريِّ؛ فهي علمٌ يدرسُ الخطابَ مُوزَّعاً على مبدأِ هويّةِ الأجناسِ الأدبيَّةِ المختلفةِ؛ والأسلوبيَّةُ (2) صلةٌ للسانياتِ بالأدبِ ونقدِهِ بينَ معتركِ الاتجاهاتِ والتّيَّاراتِ النَّقديَّةِ؛ فالبعدُ عن أيِّ نمطٍ انزياحيٍّ لا يتجاوزُ الدّرجةَ الحياديَّةَ في تأمّلِ الأديبِ على الرّغمِ من شيوعِ الفكرةِ العامّةِ للتذوّقِ الأدبيِّ؛ وبانزياحِ عنصرٍ من عناصرِ المكوّنين قد نقومُ بقطعِ التّتابعِ الدّلاليِّ, وكسرِ السّياقِ, وتمزيقِ التّناغمِ الدّاخليِّ, وتفتيتِ الوحدةِ المعرفيَّةِ الأساسيَّةِ لتنامي النّصِّ.

وبمخالفةِ النّصِّ وانزياحِ العبارةِ قد نرسمُ سمةً حداثيّةً متجدّدةً حسبَ السِّياقاتِ؛ فمن الخطأ أنْ نضع وعيَ النّاسِ الجماليِّ على هوى أيِّ فكرةٍ عابرةٍ؛ فيجبُ أنْ تكونَ الفكرةُ شعبويّةً وذلك أبقى على إنتاج خطابٍ يفهمهُ البشرُ دونَ الخضوعِ لأهوائهم. فلا يمكنُ أنْ يكونَ الأسلوبُ معطىً بديهيّاً أو مباشراً بل هو موسيقا مرسومةٌ بالكلمةِ.

يجبُ على النّخبةِ المثقّفةِ أنْ تخاطبَ المجتمعَ لغايةِ الارتقاءِ بالذَّائقةِ العامّةِ؛ فهنا انتاجُ الدّلالةِ كما تفعلُ الطّبيعةُ حينَ تدلُّ بالشّمسِ على الضّحى, وبالنّجمِ على غاشيةِ اللّيلِ؛ فقد يشاطرُ المجتمعُ مفاهيمَهُ مشاطرةً تواضعيّةً, فتكونُ الدّلالةُ مطلقةً مطّلعَةً لغدٍ أفضلٍ؛ فالنَّاقدُ يخضعُ لنظامٍ لغويٍّ, وشعوريٍّ متعارفٍ عليهِ. (3)

من قِبلِ تراثِ أدبٍ ما إنْ يقرأُ النّصَّ حتّى تخرجَ يدَهُ بيضاءَ للناظرين. ومن الممكنِ أنْ يجعلَ النّاقدُ الأنا ظاهرةً طاغيةً في أيِّ نصِّ يطرحُهُ حيثُ تتجلّى اللّغةُ عبرَ أشياءٍ نبيلةٍ متمرّدةٍ مثيرةٍ للتأملِ حاضنةٍ للدهشةِ, أنْ يخلقَ عالماً غيرَ متناسبٍ بينَ المتناهي والغير متناهي. فغايتُنا أنْ ننتجَ عقلاً مفكّراً, والاتّصالُ بالذّاتِ ؛ فالذّاتُ النبيلةُ تحبُّ الخطرَ, وتكرهُ السكوتَ.

يجبُ (4) أنْ يشفَّ اللفظُ عن المنعى شفوفَ الكأسِ الصّافيةِ عن الشّرابِ حتّى لا يرى الرائي بينَ يديهِ سوى عقلِ الكاتبِ, ونفسِ الشَّاعرِ؛ ويجبُ أنْ يتمثّلَ المعنى في ذهنِ المتكلّمِ قبلّ أنْ يتمثّلَ في اللّفظِ.

ولقد كُتِبَ أوّلُ نقدٍ في التّاريخِ (5) بمدادِ الضّغينةِ, والحقدِ فقد كانَتْ توجدُ في عصورِ اليونان, وطائفةٍ من الشّعراءِ الذين يحبّون البلادَ, فيتغنّون بالقصائدِ الوطنيّةِ في الأسواقِ فيكرمهم النّاس؛ وبالمقابلِ هناكَ مَن قامَ بنقدِهم.

ولم أرَ أغربَ ممن يفرّقون بينَ اللّفظِ والمعنى كأنْ تقولَ: ما أبدعَ هذه القطعةِ لولا أنَّ أسلوبَها قبيحٌ مضطربٌ كأنّما يخيّلُ إليهم أنَّ اللفظَ وعاءٌ؛ وأنّ المعنى سائلُ ذلكَ الوعاءِ, فتارةً يكونُ ماءً أو شراباً.

وكم نجدُ الفرقَ بينَ الشّعرِ والنّثرِ مُتداولاً في عصرِنا؛ فعلاقةُ الشّعرِ (6) بالنّثرِ تشبهُ تماماً صلةَ المشي بالرّقصِ؛ فالمشيُ لهُ غايةٌ محدّدةٌ تتحكّمُ في إيقاعِ الخطوةِ؛ أمّا الرّقصُ فعلى العكسِ من ذلكَ له نظامُ حركاتٍ هي غايةٌ في ذاتها.

والشّعرُ لا يتساوى مع النّثرِ؛ فالشّاعرُ يستغرقُ في تجربتهِ؛ والكشفُ عنها هو غايتُهُ, ونظرُهُ إلى جمهورِهِ عمليّةُ استجابةٍ لشعورِهِ قبلَ أنْ يكونَ تلبيةً لفكرةٍ ما؛ أمّا النّاثرُ فغايتُه تبادلُ الحججِ والأفكارِ. وهذا لا يعني أنّ التّجربةَ الذّاتيّةَ  مقصورةٌ على حدودِ التّعبيرِ منها, بل هي إنسانيّةٌ بطبعِها إذ أنّ جهدَ الشّاعرِ منصرفٌ إلى التّعبيرِ عن مشاعرِهِ بعد أنْ يمتثلَها وهو يحاولُ نقلَها على حالتِها الطّبيعيّةِ في الشّعرِ الغنائيِّ فيجعلُ من ذاتِهِ موضوعاً.

وأيُّ تجربةٍ شعوريّةٍ (7) تخضعُ للصورةِ النّفسيّةِ الكاملةِ, أو الكونيّةِ التي يصوّرُها الشّاعرُ حينَ يفكّرُ في أمرٍ من الأمورِ تفكيراً ينمُّ عن عمقِ شعورِهِ, وإحساسِهِ؛ وفيها يرجعُ الشّاعرُ إلى إقناعٍ ذاتيٍّ, أو إخلاصٍ فنّيٍّ لا إلى مجرّدِ مهاراتِهِ في صياغةِ القولِ البعيدِ بالحقائقِ؛ أو يجاري شعورَ الآخرينَ لينالَ رضاهم؛ إنّما يجمعُ الأفكارَ النبيلةَ, ودواعي الإيثارِ التي تنبعثُ من الدّوافعِ المقدّسةِ, وأصولِ المروءةِ التّليدةِ.

يقولُ سيغموند فرويد: “شعراؤُنا هم أساتذتُنا في معرفةِ  النّفسِ وذلك أنّهم يصدّرون عن منابعٍ عصيّةٍ لا يتيسّرُ إخضاعُهم للعلمِ, فمن طريقِهم نستطيعُ أنْ نجعلَ الإنسانَ يسلكُ طريقَ الحقِّ مِن هذا العالمِ الواسعِ؛ في هذا تكونُ الصّورةُ الشّعريّةُ تجربةً نفسيّةً يعيشُها المرءُ؛ فيكشفُ عن باطنِهِ المخبأِ”.

لو تقولُ المدرسةُ النّفسيّةُ في الأدبِ: قيمةُ الصّورةِ الأدبيّةِ مِن ناحيةِ دلالتها على اللاشعورِ, وعلى الرّغباتِ المكبوتةِ الفرديّةِ, واللاوعي الاجتماعيّ, وهي مجرّدُ الدّلالةِ على العُقدِ النّفسيّةِ أمرٌ خارجٌ عن نطاقِ الأدبِ ويهمّنا في الأدبِ بيانُ قدرةِ الشّاعرِ على تحويلِ هذهِ الصّورةِ الذّاتيّةِ الغريبةِ من عالمِ اللاشعورِ المكبوتِ إلى صورٍ إنسانيّةٍ عامّةٍ في عالمِ الشّعورِ؛ مع ذلكَ فهي تدلُّ على صدقِ الشّاعرِ في تصويرِهِ قيمَ بيانِ استجابةِ جمهورِ الشّاعرِ لهُ فيما إذا دلَّ على رغباتٍ مكبوتةٍ جماعيّةٍ لأمتِهِ, أو للإنسانيّةِ جمعاء.

وبأيِّ وعيٍ كانَ؛ ومهما كانَ خاضعاً لأيِّ ترفٍ فكريٍّ ما؛ فإذا أقفرتْ سطورُ النّقدِ (8) بفكرٍ يستعصي على التّصنيفِ بأنْ تحشرَ الأفكارَ الحداثيّةَ بخاناتٍ ضيّقةٍ باحترافيّةٍ عاليةٍ؛ وأنْ يكونَ يقظاً؛ ولم يغرِهِ النّومُ فسيتزاحمُ التّساؤلُ حولَهُ؛ وفي هذا السّياق نجدُ المفكرَ أ.د. أحمد نسيم برقاوي يقدّمُ لنا طفرةً النّقدِ الحديثِ المفكر د.إدوارد سعيد؛ فهذا الرّجلُ يطيرُ بجناحين قويين فوقَ كلِّ العوالمِ لكنّهُ ما حطَّ يوماً إلّا على النّارِ؛ هو ناقدٌ جسورٌ, وهو يتمرّدُ على ما يُعرف بــ “الخبرةِ الاحترافيّةِ” ذاتِ الأثرِ المخزي على العمومِ.

فالخبرةُ الاحترافيّةُ كانَتْ بالنسبةِ لطبقةِ أهلِّ الفكرِ تُسدَى بلْ تباعُ للسلطةِ المركزيّةِ للمجتمعِ؛ فالنّصِّيَّةِ كحالةٍ نقديّةٍ لم تعدْ تتدخّلُ في الحياةِ ولا تَعني أبداً أنَّ اقتناصَ أيِّ شيءٍ دنيويٍّ أو ظرفيٍّ أو ملوّثٍ اجتماعي على واقعِ الحياةِ؛ هكذا عَزلتْ النّصوصُ الحياةَ عن الظّروفِ, والحواسِ الجسديّةِ.

يعلنُ إدوارد سعيد في موقفٍ نقيضٍ قائلاً: فموقفي هو القولُ بأنَّ النُّصوصَ دنيويَّةٌ؛ وهي أحداثٌ إلى حدٍّ ما؛ وهي فوقَ هذا أو ذاكَ قِسط من العالمِ الاجتماعيِّ, والحياةِ البشريَّةِ؛ وقسطٌ من اللّحظاتِ التّاريخيّةِ التي احتلّتْ مكانَها حتى حينَ يبدو عليها التّنكّرُ كلُّهُ.

فإذا نشأَ الوعيُ النَّقديُّ داخلَ الوعيِ الأسطوريِّ والدّينيِّ؛ وهو العلاقةُ بينَ النّصِّ والدّنيا؛ بلْ النَّصُّ هو جزءٌ من الدُّنيا؛ فالنّقدُ أبعدُ ما يكونُ عن إضفاءِ شرعيَّةِ الوضعِ الحاليِّ أو الالتحاقِ برَكبِ طبيعةٍ كهنوتيَّةٍ من الميتافيزيقيين الدوغمائيين؛ فالنَّقدُ هو الذي يؤكّدُ التّرابطَ بينَ النّصوصِ وبينَ الوقائعِ الوجوديّةِ للحياةِ البشريّةِ السّياسيّةِ.

فإنَّ الكبتَ العاطفيَّ كما يراهُ “فرويد” يقعُ المرءُ منهُ فيما يشبهُ الحصارَ؛ ويتبعُهُ أنَّ الذَّاتَ تدافعُ عن نفسِها للخروجِ من هذا الحصارِ, فتبذلُ جهداً مِن شأنِهِ أنْ يضعفَ الذّاتَ, ويوهنَ قواها؛ ولكنَّ الكبتَ في منطقةِ اللاشعورِ قد يبحثُ عمّا يغوصُ في الذّاتِ بأعمالٍ تؤكّدُ بها هذه الذاتُ نفسَها, وتنفّسُ عن نفسِها بهذا التّعويضِ؛ وبهِ يقلُّ أثرُ الكبتِ أو يُمحَى؛ والشَّاعرُ يستطيعُ أنْ يحوِّلَ هذا الكبتَ إلى عملٍ فنّيٍّ أدبيٍّ يتسامى فيهِ عن الكبتِ الجنسيِّ .

فلنتركْ للتاريخِ كلمتَهُ العادلةَ عن الحداثةِ, وعن كلِّ جوانبِ الكبتِ المصاحبةِ لها؛ فلا يمكنُ لأحدٍ أنْ يتحرّرَ من هذا التّكوينِ إلّا بجهدٍ ذاتيٍّ؛ فالعقولُ المتوسّطةُ الذّكاءِ تملكُ قَدَرَاً كَبِيرَاً مِنَ التَّهوُّرِ.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1ـ الأسلوبية  وتحليل الخطاب – منذر عياشي – ط1-2002-م.ط الإنماء الحضارية .ص27

2ـ نفس المصدر (1): ص76

3ـ نفس المصدر (1). ص86

4ـ  النظرات- مصطفى لطفي المنفلوطي . ج3. دار الثقافة. بيروت. ص11

5ـ  نفس المصدر (4)- ص60

6ـ النقد الأدبي الحديث – د. محمد غنيمي هلال – دار العودة. بيروت. ص378

7ـ نفس المصدر(6)- ص383

8ـ شذرات – أحمد برقاوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.