شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

طبيعة النص الأدبي عند المرأة الكاتبة- سعاد الورفلي 

0 143

 

إن قيمة الأدب فيما قدمه عبر عصور طويلة ممتدة، وفيما يقدمه حتى هذه الساعة، وقد تنوعت الآداب تبعا لتنوع الأمم ومستوياتهم الفكرية والثقافية والحياتية، فكل أمة من الأمم تتميز آدابها بما يحتويه من مضامين تلمس الإنسانية وتحيط حياة الناس عبر كل المجتمعات، لقد كانت بالفعل صورة منبثقة تصور حياة مجتمع ما في أزمنة اتسمت بالانغلاق على ذاتها فجاء محصوراً متشابها لمشارب مجتمع ما وحيويته كانت مقتصرة في أسس بعينها لما كانت عليه حياة أولئك الناس في تلك الفترة، فعلى سبيل المثال كانت المرأة الشاعرة مثلها مثل الرجل في ممارسة الصورة الشعرية من حيث محتواها الفني الأدبي، المحصورة في أضلاع الوحدة الموضوعية، والجو الفني العام للنص الشعري وأغراض ذلك الفن فتعددت الصور البيانية، وتنوعت القصائد من حيث الطول والقصر، وكان دور المرأة الشاعرة آنذاك يبرز في أغراض شعرية محتومة: كرثاء الخنساء لأخيها وبلوغ العمق العاطفي مداه حتى صارت قصائدها التي قيلت حزناً وحسرةً على أخيها في ذلك الوقت تراجيديا فنية تعزف مقطوعة من حزن ضارب في بيئة عربية، اشتهرت بالأذن السامعة لكل لون أدبي سواء أكان في مجال الخطابة أو الشعر السائد بكل قوته حيث يسجل كل دقائق الحياة في مكان التقى فيه الناس ليتحدثوا العربية بطلاقة وبيان فصيحيْن لا يشوبها شيء بل هي تتشربها أرواحهم وأذواقهم فناً وأدباً.

كانت عاطفة المرأة تتميز عن غيرها في إنشاء النص الأدبي، وفي مقالتي هذه أحببتُ أن أسلط الضوء على طبيعة النص الأدبي لدى المرأة الأديبة، في المستويات كافة: سواء أكانت شاعرة أم روائية أم قاصة أم أنها تكتب لوناً أدبياً يتمشى وطبيعة العصر الحالي.

إن طبيعة النصوص الأدبية لدى المرأة وهي تجسد بُعداً إنسانياً عميقاً يتراءى واضحاً في شكله وتركيبته كأمومة تعطي بلا حدود، فالمرأة الأديبة هي أمٌّ، أي أنها تتصف بحس يعلو عن أي حس آخر، وهذا التقاطع الذي يميز أدب المرأة عن أدب الرجل؛ رغم أني لست من أنصار الذين يقسمون الأدب بين صنفين: متضادين وكأن هناك فيصل ما بين أدب رجل وأدب امرأة. فالأدب كلمة؛ ما يميز الآداب عن بعضها هو التميز المحتوي لمعاني الإنسانية وعمق الصورة الفنية والقيمة. فالقيمة الأدبية هي التي تحتم علينا أن نقول أن أديبة ما تفوقت على أديب في تصويرها وتجسيدها لمعالم المكان، للوطن، للحب للشعور الداخلي الذي يستهدف المرأة (أنثى)، فالأنثى مازالت أحاسيسها هشة رقيقة لا تحتمل إلا أن تنطلق كفرس جموح يخترق كل معطيات الحياة لتصرخ محدثة تلك الولادة الطلق في شكل ديوان أو قصة أو رواية أو ومضة أدبية تغطي على مساقات الفكرة.

الذي يميز طبيعة النص الأدبي لدى المرأة هو طبيعة الأنوثة التي تتمتع بها تلك الكاتبة وهذا ما يجعلها بالفعل فخورة بنصها الإنساني المليء بالأبعاد العطائية، فهي تكتب؛ تلد لتكتمل صورة الحياة. وهذا بطبيعة حياتها التي خلقت عليها أنها أنثى العطاء، لكن التقسيم المحدث بين تمايز نص كاتب عن نص كاتبة ما هو إلا تكميل جزأين يبعثان في الصورة الفنية الحياة لتكون ترسيخاً مكتملاً لما وجدت عليه طبيعة الأدب.

فرسالة الأدب هي معالجة لمراحل الحياة المتنوعة، وحياة المرأة تتميز بألوانها القاتمة وأسرارها الممنوعة البحث فيما وراءها، لهذا اتسمت أغلب النصوص بالفترة الأخيرة بطابع يغلب عليه التمرد، فعند قراءة نص معين لكاتبات اشتهرن بالوسط الأدبي بالكشف عن المستور؛ سيُقرأ بطبيعة الحال من عدة مناحٍ مختلفة كلّ حسب ذائقته الفنية الناقدة لذلك النص أو هذا العمل، والتفسيرات تظل متأرجحة لامرأة/أنثى ترسم ظلال حياتها المختزلة، فبكونها امرأة عاشت طفولتها بصورة منطفئة، ترعبها الهمسات الخفية والنظرات التي لا تُفسر في مجتمع شرقي إلا بعلل تجد تبريراتها المضللة في كونها الطفلة الأنثى الجاهزة في كل وقت على أن تخلع رداء طفولتها وعفويتها وتستعد لأن تكون امرأة كبيرة في عمر الزهور، كاتبة أخرى ترسم ظلال حياتها على جدران الماضي، حين تنطفئ فوانيس “الكيروسين” فتتشكل الظلال على جدران امتلأت بالنتوءات وبرزت حقيقة الثعالب التي ترتدي ثوب أطفال الحي، يسحبون تنورتها ويضحكون بصوت مرتفع، لماذا يسخرون منها؟ وهل هم يضحكون منها أم يحاولن العبث بها .. طفلة تسرقها الشوارع لتحضر لأسرتها رغيف الصباح، لماذا يلاحقها ذلك الرجل العجوز ضامر الوجه الذي يرتدي أسمالاً ملونة بعدة ألوان، قال لها تعاليْ يا صغيرتي أعطيكِ حلواء؛ صوت أمها لا يبرحها؛ هرولي لا تتوقفي إذا وجدت أحدهم يبتسم لك .. !!.

تلك الخطوط تتقمص امرأة أخرى في أنها الأنثى المنبوذة التي لا يراعي اهتمامَها أحدٌ، فالعائلة كل ما يهمها الرجل الذي سيحقق أحلام الأسرة في إنجاب ولي العهد/ الشعور بالدونية طيلة فترة وجودها، قعود يفرض عليها هيمنة اجتماعية بحكم ضمني أنها ثقل مستكره أو معيلة/ عالة إن لم تكن تمتلك وجها من وجوه الحياة العملية، سترسم مخيلتها عالماً من الأفكار التي تحيطها ببوتقة من التمرد الخفي، الرفض الذي يعتمل في نفس أنثى تجيد فن الكتابة، الدائرة حولها مشتعلة تحاول القفز بكل جدارة دون أن تمسها النار!.

فالأدب رسالة إنسانية، تجيد صياغتها أنثى مبدعة، تجسد صورة المكان والزمان، والحياة بكل دلالاتها، أنثى يحتويها زمن ملِئَ بالتناقضات التي تعيقها وتسمح لها جانباً مظلما هنا و معتماً هناك، والطفرة التي تستهوي المرأة أن تكون ذاتاً أو لا تكون سوى حالة مؤقتة تتسم بوجود يتوقف على حياة آخرين.

الكتابة لوحة تعكس أشعة حياتها المختزلة في مجتمع وبيئة ووطن وأمومة وحرب جعلتها طرف صراع لما تحمله من معاناة وضريبة لتلك الحرب المندلعة بهواية مستحكمة من أجل الاستحواذ والاستفراد والتقمص، فصارت قصةً للنفي، وشواطئَ الغربة، وتعاسة مستقبل ما كانت لترسم ظروفه بهذه المشاعر المتدفقة الفياضة لولا تعاسة الحياة التي تشكلت على غير رغبتها.

فطبيعة النص الأنثوي لكاتبة تستهويها الكتابة لا تتوقف عند حيز ما؛ لأن الكتابة شعور وتقييد هذا الشعور يستدعي أن يكون النص ركيكاً في أغلب أوضاعه، بسبب المجاملة المصبوغة بالمحاباة؛ لهذا كان النص الأدبي الذي يتضمن إسقاطاً سياسياً- هو دفعة شعورية لا يعيها من لم يجرب فعل الكتابة “الذي” يعني التفكك من بعض القيود حين تُغِير المفردات متشكلة في حزمة مفردات تستلزم أن تُشكِّل صورة تنعكس وطأتها على واقع معاش؛ فهو رفض في شكل ضمني – لربما يكون كذلك- أو تصوير منحوت بحروف تراجيدية يعكس طبيعة نفس شعرت حينها أن تقول شيئاً ما .

فالحس الكتابي/ النصي لأنثى ترسم وجه حياة تتوفر فيه عدة صياغات ورمزيات تفوق نصاً ذكورياً من وجهين:

  • أن طبيعة النص الأدبي للمرأة يتدخل فيه الشعور؛ والشعور مشترك بين الرجل والمرأة، إلا أنه لدى المرأة : أدق.. وأرق.. وأبعد.
  • أن طبيعة النص الأدبي للمرأة مرهون بتقييدات اللحظة، فالمجال متاح للرجل أكثر مما هو متاح للمرأة أينما كانت في المشرق العربي ومغربه، وعدم الإتاحة يضْفي قوة في: التعبير، الانطلاق، العمق، البعد؛ وهذا بدوره يتشكل في الرمز وعدم المباشرة، فعدم مباشرة النص الأنثوي يجعله مركّزاً وقوياً وثميناً.

الرجل شاء أن يكتب دون مآخذ؛ هكذا درِبت حياته الاجتماعية، ما ثمة من محطات يقف عندها. أما المرأة في منطقتنا بطبيعتها تكتب بثوب الحياء المشتمل على نظرات الآخرين فجاء الخيال مسيّجاً.

الخيال لا يسيج لأنه النقطة الوحيدة التي لا يراها الناس ولا يحسونها في شخص الكاتبة، تفعل ما تشاء بخيالها؛ فالصدمة المتلقاة هي تجسيد ذلك الخيال، التجسيد الحاصل للخيال من خلال المتلقي هو الذي يجعله يقف حائراً حيال ما تم ربطه من متخيل ومنطوق.

فالخيال الواسع، والعاطفة العميقة والحس المرهف؛ مشتركات لتكوين طبيعة نص أنثوي يرتفع بكاتبته إلى أبعد مما هو متوقع من قلم يشق عباب الحياة بكل عنفوان.

فمن الضعف يولد المستحيل، وهذا ليس وصفا لعمل، إنما لجانب بيولوجي وجد في أنثى اتسمت أنها اكتسبت قوتها من ضعفها، ذلك الضعف هو الذي اختزل العالم في سيطرته غير المباشرة بشبكة المشاعر والأحاسيس والجمال.

فالجمال يكتسب اكتماله من حس أنثى، رسمت الحياة بطريقتها في نص يمتلك مقومات الحيوية والنهوض وكسر قيود الجمود التي تستدعي أن يكون النص في دائرة المباشرة، وكأن الكاتبة تكتب تقريرا عن حادثة ما. وهذا ما لمسته في كثير من النصوص التي أغلقت فيها الكاتبة أبواب الشعور العميق بمعالجة نصية/ رمزية وحوصرت حياتها الأدبية في قصة اشتركت فيها أغلب النساء: كالاضطهاد الأسري، خيانة الزوج، الرجل، المجتمع بظلاله الكثيفة وضبابيته. وانصبت أغلب النصوص في المستهلك الذي صار مكرراً بمسميات جديدة وعناوين تتضمن المواضيع ذاتها.

إلا أن طبيعة ذلك النص تتزود بالجمالية كلما سبرت أغواره كاتبة تتصيد الفكرة المستهلكة برمز يشي بعمق، يجعل من المتلقي كلما وصل أو حاول الوصول، تاه في نفق الفكرة المختزلة لدى الكاتبة التي تجعل الرمزية معنىً عميقاً يلون قلمها بالمغايرة التي قد تكون عليها طبيعة النصوص التقليدية.

وفي ختام المقالة الملخصة، أحببت أن أشير إلى أنها توطئة لدراسة نقدية قادمة في تشريح وتحليل وتعليل النصوص الأدبية لكاتبات من مختلف البلدان، أرى أن نجعل اللغة الأدبية مشتركة وطبيعة النص الأدبي ليس فيه عنصرية مابين ذكر وأنثى، لكن الاختلاف والتمايز هو في طبيعة ذلك النص الأدبي، وما يحتويه من سمات ومميزات وألوان تميزه عن غيره.

__________________________________

*سعاد الورفلي : كاتبة روائية وقاصة ، ناقدة أديبة من ليبيا

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.