شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

في نقد النقد- إبراهيم خليل

0 221

 

النقد تعريفاً: قراءة واعية لنص إبداعي لا واعٍ بشكلٍ ما, ينبع من النص ولا يصب فيه, يحلل النص لا يشرحه, يفكك المركب لا يصوّره, ويحلُّ المعقد لا يعرضه. وهو بذلك جنس أصيل من أجناس الأدب وليس عالة عليه كما قد يخيل إلى البعض.

يسير الناقد خلف الكاتب ولكن على سكة زمنية أعلى منصّباً نفسه (رقيباً بَعدياً), إذا جازت التسمية, لأن على عاتقه تقع مهمة وضع النص وصاحبه تحت عدسة مكبرة أمام أنظار القراء على مختلف طبقاتهم وأفهامهم واهتماماتهم, منبهاً إياهم إلى محاسنه ومساوئه معاً, ومستعرضاً النص على هامش معارفه العمومية والتقنية, بغض النظر عن قدرتهم على استيعابه أو الاتفاق معه.

النقد مرآة الأدب وميزانه, وما من أمة يفيض عدد أدبائها على عدد نقادها إلا وتبتلى بالسماجة والبلادة وضعف السليقة وبرود الطبيعة وترى القارئ المغبون فيها يتحسر على ما أضاع من ثمين الوقت في استطلاع هذه الترهات ومعالجة تلك العاقرات, وتراه ينفخ ضجراً ولسان حاله يقول: “أنا لو شئت كتبت أفضل من هذا”!.

والناقد برلمان يستدعي الأديب، فيحاسبه على الملأ مشيداً به حيث أحسن, وزاجراً إياه حيث أساء. والأديب المنقود بين هذا وذاك يلعب دور التلميذ وما هو بالتلميذ ولكن فائدة أتته من دون طلب, وعلم جاءه ممن لا يسأل عليه أجراً. وتسقط ثمرة عمل الرجلين, في نهاية الأمر, غنيمة باردة بين يدي قارئ نهم ومجتهد.

فإذا صلح النقد صلح الأدب شاء الأديب أم أبى, لأن للناقد سطوة لا تنكر على الرأي العام, وهو إذ يقدم عملاً ما للقراء تراه يستولي على ذائقتهم ويعيد تشكيلها برشقات متوالية ومدروسة من الأصول والمبادئ والنظريات والمقارنات والمشابهات مؤيداً بأسلوب سلس ولسان ذرب وحجة مقنعة.

وحيث تعلو بيارق النقد تعلو منابر الأدب، فيُقدم الأدباء ويحجم الأدعياء, وترى الأديب اللوذعي, وهو من هو, يؤلف في حول ويراجع في حول وهو بين الحولين مهموم مغموم, متخوف متوجس, لأنه يعلم أن ذئاب النقدة كامنة في مرابطها تترصد خرافه القاصية, وهذه الذئاب لا تخشى ولا ترحم ولا تنافق ولا تداهن لأنها إنما تطمع في رضاء القارئ لا الكاتب.

ولكن يغلب في عصور الانحطاط أن ينحط الأدب بسبب انعدام النقد أو انحرافه عن غايته, فحين ينحدر هدف الأدب إلى درك التطبيل للحاكم المتغلب وتحويل أخطائه إلى حكم وأمثال, يصبح الهدف الوحيد للنقد هو التزمير لهذا المطبل وإعانة صاحبه على تلبيس الصدق بالكذب, والصالح بالطالح, وإظهار ما يريد له الحاكم أن يظهر, وستر ما يريد له الستر, وكل ذلك لقاء لقمة عيش رخيصة مغموسة بمرقة السلطان ودماء الشعب معاً.

وحين يتحول الناقد إلى “أم العروس” في عرس يُذبح فيه الأدب احتفالاً بدعيّ إمّعة لا يستحق أن يضحى لأجل ظهوره بنعجة شوهاء, يطمع في ساحة الأدب كل معتز بمحو أميته.

وقد شاعت في أدبيات المنطقة خلال العقود الفائتة – وهي لا شك عقود انحطاط – وخاصة على صفحات الزوايا الثقافية في الصحف اليومية السيارة خواطر وانطباعات ورؤى مختزلة في عمود أو اقل يخلع عليها صاحبها اسم النقد يجشم نفسه فيها عناء التعرض لعمل أدبي بقصد الدعاية ـ لنفسه أو للعمل ـ, فيسرد علينا أولاً كيف سمع باسم الكتاب, ثم كيف حصل عليه عرضاً من إحدى مكتبات الأرصفة, ثم كيف قرأه على ضوء شمعة, ثم الانطباع الذي خرج به, وأخيراً الذكرى التي خلفها في أعماقه بعد سنوات.

من النقاد من يكتفي باستعراض العمل الأدبي من داخل النص وخارجه, فيخيل إليه أنه قد نقده عندما يفيدنا أن الكاتب قد قال كذا وكذا وكذا ولم يقل لا كذا ولا كذا ولا كذا, وهذا النوع من “الملخصين” لا يستطيع التملص من الطوق الحديدي للنص, فتراه يدور في داخله كسحلية داخل علبة سمن فارغة, تارة يهز بذيله وتارة ينوس برأسه ويجيل عينيه يميناً وشمالاً، وبين هذا وذاك يتحفنا بعبارات إنشائية مدورة ومكررة ولا قيمة فعلية لها.

ومنهم من يتناوله من خارجه، فيأخذ على الكاتب أنه لم يقل كذا ونسي كذا وغفل عن كذا وكأن المنقود ملزم أن يحيط بكل ما يخطر في ضمير الناقد وموكل أن يضع له العالم في قوقعة.

ومن النقاد من ينساق خلف غواية المصطلحات النظرية الجافة العابرة للقارات والتي شكلت عناصر هوية نقدية متعالية لم تترجم إلى العربية سوى تفوق الغرب على الشرق, والشمال على الجنوب, فترى الناقد المستغرب يضع النص الشرقي على “سرير لابروكروست” الغربي والويل له – للنص – إن لم يكن على مقاس النظرية بأبعادها المعيارية ومحتوياتها المنهجية ومسلماتها الأبستيمولوجية, وهكذا بدل أن تكون القطعة النقدية شعراً (دون وزن وقافية) يخاطب العقل والذوق يصبح النص الشعري بين يديه قطعة رياضياتية جافة لا حياة فيها.

ومن النقاد من يسقط أوهامه الشخصية وانفعالاته الخاصة وانطباعاته الذاتية على كاهل النص, والنص منها براء, فينسب إلى الشاعر مقاصد وأغراضاً ما خطرت له على بال، فتأتي القطعة النقدية مرآة لذات الناقد لا ذات المنقود.

ومنهم أخيراً – وهؤلاء أسافلهم من الذين شبّه لهم أنهم نقاد – من يتخذ من النقد مطية لتصفية حساباته الشخصية سلباً أو إيجاباً، فتراه – إن هو رضي عن الأديب أو قبض منه – خلع عليه محاسن غيره, وتراه – إن سخط عليه – سلبه محاسن نفسه, فتأتي (النقدية) ردحاً قارصاً أو مدحاً خالصاً ينتظر (الناقد) منها أحد أمرين : إما أن يتصل به المنقود ويشكره على هذه “الالتفاتة الأخوية” أو أن يتهدده ويرسل إليه من يؤدبه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.