شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

ماه شرف خان “مستورة الأردلانية” 1805-1848م ـ نارين عمر

480

 

الحياة والمنشأ:

كما البساتين النّضرة التي لا تزهر إلا بالثّمار الخيّرة واليانعة أبداً وفي مختلف الفصول والأوقات توجد أيضاً مدن ومناطق تزدان بزهورها وورودها العطرة وحين نتذكّر أهمّ هذه المدن تخطر على البال فوراً مدينة “سنندج” أو “سنه” الواقعة في شرقي كردستان “كردستان إيران” والتي كانت لعقود عاصمة الإمارة الأردلانية الشّهيرة بتطوّرها في مختلف المجالات والاتجاهات السّياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك الأدبية والمعرفية منها، ما جعلها تفخر بأنّها أنجبت عشرات المبدعين من الرّجال والنّساء على مرّ التّاريخ وما يجعلنا ننتشي اعتزازاً وفخراً أنّ بستان رحمها أنجب الكاتبة والشّاعرة والمؤرّخة الخالدة ماه شرف خان التي اختارت لها فيما بعد لقب “مستورة الأردلانية”.

ولدت ماه شرف خان في مدينه سنه في عام 1805م خلال فترة حكم الأمير أمان الله خان أمير أردلان – والذي سيصبح فيما بعد والد زوجها- من أسرة ثريّة ومعروفة من جهة أبيها وأمّها أيضاً، كان عدد من أفراد عائلة أمّها في مراكز حكوميّة وأدبية بارزة لأنهم كانوا يساندون الأمراء الأردلانيين ويخلصون لهم، أمّا من جهة أبيها فتنتمي إلى العائلة القادرية التي كانت تتميّز أيضاً بالثّراء والنّفوذ القويّ.

والدها هو أبو الحسن بك الذي أولى رعاية واهتماماً كبيرين بتنشئة وتربية أولاده، ويبدو أنّه كان على درجة كبيرة من الوعي والثّقافة، بحيث لم يكن يفرّق في التّعامل بين أولاده الذّكور والإناث معاً، وخير دليل على ذلك اهتمامه بابنته ماه شرف خان، يعتزّ بها على الدّوام، ويُقال إنّه كان يدعوها إلى مجالسه ويصطحبها في زياراته للأماكن والمدن وخاصة الأثرية منها والعائلات الأخرى، وكان قبل وأثناء كلّ ذلك يروي بذور الإبداع الفطريّة فيها، بذور الخيال والشّعر والقصص والتأريخ برعايته وتشجيعه وعونه له ما جعلها وخلال فترة شبابها الأوّل تعدّ في طليعة كتّاب وأدباء عصرها من الرّجال والنّساء بل ويذهب الكاتب حميد كشكولي إلى أبعد من ذلك حين يقول:

” وكما يبدو لنا فإنها تعدّ المرأة الوحيدة، في تلك الفترة في الشرق الأوسط، وربما الشرق كله التي كتبت في التاريخ، واشتهرت على الأغلب كشاعرة برعت في قصائد الغزل والمراثي على شكل رباعيات ومثنويات كما كانت خطَّاطة بارعة”.

 

قصّة زواج ماه شرف خان من الأمير الأردلاني:

 

تورد ماه شاه قصّة زواجها من الأمير خسرو خان عقب المؤامرة التي حيكت ضدّ الأمير للإطاحة به على أنّه وخلال الحرب الروسية الإيرانية حاول  بعض الآغاوات بالتعاون بمساعدة الروس وبالاتفاق مع شقيق الأمير المعزول من حاكمية منطقة “اسفند آباد” للإطاحة بخسرو خان وعزله من منصبه، ولكنّه علم بأمر المؤامرة وتمكّن من القبض على الذين حاولوا ذلك وكان من ضمنهم أبو الحسن بك والد ماه شرف خان. بعد التّحقيقات تمكن والدها من إثبات براءته، ففكّ الأمير أسره، ولمعرفته بمكانة وشأن أبي الحسن حاول كسب ودّه، فقرّبه إليه وعرض عليه منصباً لائقاً، وليجعله يوافق على ذلك طلب من أبي الحسن يد ابنته ماه شرف خان في عام 1826م سراحه.

تؤكّد المصادر التّاريخية ومن ضمنها كتابها “تاريخ أردلان” على أنّ الأمير أقام احتفالات زواج كبيرة شاركهم مختلف شرائح سكّان الإمارة بهجتهم وفرحهم.

بهذا الزّواج شعرت شاعرتنا بامتلاكها كنوز الكون ومشاعر وأحاسيس البشر كلّهم، كيف لا والأمير كان شاعراً ومثقفاً مجيداً ما جعلهما يعيشان أسعد وأرواع أيّام العمر.

مع الأسف لم يشأ القدر لزواجهما أن يستمرّ سوى لعدة أعوام فقط، حيث ألمّ بالأمير الزّوج والحبيب داء لا شفاء له، ورحل في عام 1835م وبرحيله خلّف امرأة حبيبة عاشقة تعيش بجسد فقط بعدما أخذ منها قلبها وروحها وما يمتلكان من مشاعر وأحاسيس.

وفي ذلك تقول:

 

أتى الربيع يا خسرو، أتى الربيع!
أنا ضريرة من كثرة غيابك يا خسرو
ها أتى الربيع، وقد توجت المروج

بالورود والريحان
ما أشد ألم هذا الوداع!
أما تسمع قبقبة الحجل في القمم
وقد اتشحت المروج والرياض بأجمل أزياء
تزقزق الجداول نشوانة في خريرها
تغني العنادل أغاني الشجن
وافترشت السهوب أزهاراً
البلابل ثملة بخمر عشق الورد
تضحك الأقاحي في البساتين نشوانة
تحنو عيون النرجس الخمرية على الربيع
تتمايل الأعشاب في رقصها مع النسيم

وتغوي القلوب
لكنَّ غيابك غيّب الربيع يا خسرو!

 

كان الأمير يثق بقدرات الأميرة الإبداعية في كلّ المجالات التي تكتب فيها، لذلك أولَ إليها مسؤوليّة تدبير شؤون العائلة الحاكمة والتّشريفات والبلاط وغيرها، وكما كان يفعل والدها كذلك كان الأمير يصطحبها في رحلاته وزياراته للاماكن التّاريخية والسّياحية وتفقد الرّعية، فكانت تصغي إلى ما يروونه عن حياتهم وأمورهم ومختلف شؤون وهموم حياتهم اليوميّة ما أغنى مخيّلتها فكرها، وأثرها وجدانها وعواطفها بنصوص أدبية وتاريخيّة وفنّية ترتقي إلى الأدب الرّاقي والمميّز.

 

حكايتها مع القدر والزّمان:

 

القدر الذي فاجأها بأكثر المصائب قسوة وظلماً باختلاس زوجها الأمير الذي كان لها الحبيب والصّديق وفارس الأحلام، والزّمن الذي غدر بها ولم يشأ أن يهبها ولداً ينسّيها آلام وأوجاع فاجعتها، زادوا من قسوتهم وظلمهم عليها حين جعلوها تتعرّض للفرار والتّهجير والتّشرد بعد أن كانت أميرة تعيش في رغد عيش وثراء جاه، حين قرّر الشّاه الإيراني القضاء على إمارة أردلان، وتمكن من دخول القصر وتهجير أكثر من ألفي شخص إلى مدينة مريوان وبعدها فرّوا إلى إمارة بابان في جنوبي كردستان.

مع الأسف كانت مستورة من بين هؤلاء المهجّرين ولجأت إلى مدينة السّليمانية وعاشت مع عائلة بيت ابن خالتها حسين قلي خان.

 

ماه شرف خان أو مستورة الشّاعرة:

 

طبيعة كردستان عموماً وطبيعة مدينتها الجلابة منحاها ثراءً عاطفياً ووجدانياً قلّ نظيره، ثمّ جاء الحدث الأهمّ والأبرز في حياتها والذي جعلها إحدى عاشقات التّاريخ المميّزات هو اقترانها بالأمير خسرو الذي تحوّل إليها حبيباً لدرجة القداسة وأمير قلبها وروحها وصديق مشاعرها وأحاسيسها وأنفاس فكرها بالإضافة إلى تنشئتها في بيت عزّ وثراء ووجاهة وما كانت تتلقاه من أسرتها ومحيطها وخاصة من أبيها من الدّلال والحنان والدّفء، كلّ ذلك جعلها تتنفّس الشّعر، تنبض بالحبّ والعشق الوافرين، تعين الفكر بروافد المعرفة والثّقافة، ويُذكَر أنّها كانت تتقن ثلاث لغات هي الكرديةّ والعربية والفارسية.

شعر مستورة يصلح لكلّ زمان ومكان لما يتميّز به من غنى الموضوعات والمضامين من الغزل والوصف والرّثاء والفخر والرّقة والوفاء.

تقول في رثاء زوجها:

 

ما أضيع دنياي!
بعدك من يدلني
من يخرجني من غياهب العذاب
فدونكَ العمى والموت يا خسرو!

وفي الحبّ تقول:

نار حبك، هيّجتْ قلبي
ينتابني الجنون
أهيم في دنياي
أذاك أنين “مستورة”

يزلزل الأرض تحت أقدام الناس
أم أنه يوم الحشر
و يتناهى إلى الأسماع صراخ المذنبين

من العذاب الأليم؟
وفي حيرتها وانكسارها تقول:

لم تعد مستورة تعرف أطرافها

لشدة الحيرة والذهول
حذار! من آهات المظلومين أن يحرقوا

الآفاق بشعلة
تلك اليد لم يخضبها لون

بل جرحي الرعاف يغمسها في الحناء
المعلم الجاهل لأصول الوفاء

لم يعلّم سوى سبل الغدر والظلم

 

فـ”مستورة” ما عادت تعرف أطرافها لشدة حيرتها وذهولها.

تقول بعض المصادر على أنّ ديوان مستورة الشّعري كان يتضمّن أكثر من عشرين ألف بيت باللغتين الكردية والفارسية مع الأسف لم يصلنا منها سوى ألفي بيت وقد تمّ جمعها وطباعتها من قبل “حاج شيخموس يحيى” المثقف الكرديّ المهتم بالأدب والأدباء في عام 1926م، وكذلك قام بطبع كتابها تاريخ أردلان 1946م.

كان لمستورة شرف الحظوة باهتمام الكتّاب والباحثين والمؤرّخين ومنهم “رضا قلي خان هدايت” في كتابه مجمع الفصحاء، وفيها يقول الشّاعر مولوي:

((شمس الحسن والدلال، جالسة على عرش ملكوت الطهر والعفة، تفيض دفئاً و نوراً على الجميع)).

 

أهمّ كتبها ومؤلّفاتها:

 

ـ ديوان شعر مؤلف من عشرين ألف قصيدة.

ـ كتاب “تاريخ أردلان” وبه نالت شرف ان تكون مؤرّخة بارعة.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المراجع:

 

ـ مستورة الأردلانية، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

ـ مقالة بعنوان: الشاعرة والمؤرخة الكردية: ماه شرف خانم المشهورة بـ “مستورة كردستاني” (1804م – 1847م)، للكاتب خورشيد شوزي، منشورة في 8-3-2014م.

ـ مقالة بعنوان “ماه شرف خان كردستاني” للكاتب حميد كشكولي، منشورة في الحوار المتمدن بتاريخ 13-10-2003م.