شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الخالة شنونة ـ أيمن الداكر

0 311

 

 

 

 

 

 

أيمن الداكر- مصر

 

لم تأتي منذ عدة شهور…!

تكذب دائماً هذه السجلات، فقد رأيتها بالأمس القريب، عندما همس لي ذلك العجوز، الذي كان متوارياً في حضرتها، إنها ترتاد الأسواق مثل الرجال، تبيع الهوش وتتاجر في التمور، تجوب البلاد ببوش قوي، يسر العيون، وعندما دقت البلاط بعكازها معلنة الرحيل، لزم الصمت، ثم ضغط علي كتفي قائلاً:

ـ كانت كلمتها ترج أركان السوق.

واطرد مبتسماً.

ـ وتخضع لها رقاب الرجال.

لم تخلف موعدها يوماً، قد تتأخر قليلاً لكنها دائما تأتي، تتهادي في مشيتها برفقة عكازها الخشبي العجوز، الذي دبت في أوصاله الشروخ، وكلما استفحل شرخ وهدد بالانهيار، سارعت بمعالجته برباط قوي من الكتان، أو خصلات من الصوف الذي كانت تغزله تحت أشجار السمر، ترفض دائماً استبداله بآخر جديد، هو يرافقها منذ أن كانت تهش به على الأغنام، وبعض الرجال، تسقيه الزيت وتخضب أطرافه بالحناء.

بعدما تعبر الباب الزجاجي، تتوقف قليلاً لتلتقط أنفاسها، تدق البلاط بعكازها، فيدرك الجميع أنها بالباب، يهرول إليها أحدهم وبيده الكرسي المتحرك، ترفض الجلوس عليه كالعادة، وتضربه بطرف عكازها، يترك الكرسي ويقترب منها تلبية لإشارتها، تستند علي كتفه بيدها اليسرى، وتكمل مسيرتها، تسبقها رائحتها المميزة بالرياحين والنعناع، وأوراق الغار المربوطة بإحكام حول رأسها، أريجها يعبق المكان بالعود واللبان، الذي يتشبع به جلبابها العماني التقليدي، والذي لم تتنازل عنه يوماً، جلباب قصير يمتد حتي أسفل الركبة بقليل، داكنة ألوانه، يتزين دائره بالخياطة العمانية المرسومة بإتقان، مع بعض من فصوص البروق والترتر، وكذلك طرفي الأكمام، أسفل الجلباب بنطال من نفس اللون والقماش، يضيق تدريجياً حتي يقبض بحلقاته علي معصم الساقين، كسوار فضي مشغول بإحكام، وشبشب مفتوح من أعلى، يظهر أقدامها المخضبة بالحناء السوداء دائماً، هي فقط تخلت عن الطرحة المزوقة زاهية الألوان، واستبدلتها بغطاء للرأس أسود خالي من الورود والأفراح.

تأخذ مكانها المعهود في صالة الانتظار، وقبل أن تجلس تسأل مرافقها عن اسمه، فيجيبها، تنصت قليلاً، وكأنها تفتش في دفاتر ذاكرتها المهملة، ثم تقول له:

ـ ولد فلانة.

يضحك الجميع ويقول هو:

ـ أي حبوتي، ولد فلانة

ـ سلملي عليها

فيجيبها أنها قد ماتت منذ أعوام.

تطرق قليلاً، ثم تقول وكأنها تحدث نفسها:

ـ ارتاحت

تستوي في جلستها، متكئة على عكازها قليلاً، ثم ترفعه لتجلسه بجوارها على المقعد الرخامي البارد، تخرج أشياء من جيبها الأيمن، وتضعها في الجيب الأيسر، تخرج بعض الحلوى من الكيس القماشي المعلق في رقبتها، تفرقها بين الأطفال المرافقين لأمهاتهم، أو تمنحهم بعض الأوراق فئة المائة بيسة فيفرحون بها، تقلب نظرها بين الجالسات، وتختار إحداهن، صبية في العشرينيات من عمرها، تناديها وتجلسها إلى جوارها، تسألها إن كانت قد أنجبت أم لم تتزوج بعد؟

تمرر يدها علي رأس الفتاة، تتمتم شفتيها ببعض آيات القرآن، بصوت لا يسمعه غيرها، تتحدث إلى الجميع وتدعوا لهم، تصمت لعدة دقائق أو ساعات، تمسك عكازها القديم وتداعبه.

ـ جميعهم خذلوني ورحلوا، إلا أنتِ!!!

قالت وهي تمرر يدها على جروحها التي كتمتها بالبن، وقطعة من قماش جلبابها القديم.

وفي لحظة ما، تحددها هي، تنهض، تضرب بعكازها على الأرض الغارقة في الأحزان، تلقي عليهم سلاماً بإشارة من يدها وترحل، تخرج من الباب الزجاجي، أو تدخل غرفة الطبيب، دون استئذان أو التزام بدور أو موعد، يفسح لها الجميع، حتى المريض الجالس أمام الطبيب ينهض، يخلي لها المكان وهو يردد:

ـ ارتاحي حبوتي شنونة.

تلقي السلام بكلمتها المعهودة:

ـ كيفك يا المصري.

ـ أهلين خالتي شنونة يا حي وسهلاً.

أجيبها فرحاً وأقف لأصافحها على غير العادة هناك وأخابرها.

ـ علوم وأخبار

فترد بكلمة واحدة:

ـ بهو

تشتكي قليلاً من أوجاعها، ترفض الفحوصات الطبية والأشعة، تطلب علاجها بنفسها ولا تأخذ غيره، ثم تلعن الطبيب البنغالي، تقول إنها لا تفهم كلماته، هو يرفض أن يعطيها الإبرة التي تخفف عوق رجليها، تفرغ على المكتب كيساً كبيراً من الأدوية، أحضر الأكياس الصغيرة من الصيدلية، أضع في كل منها صنفاً، وأكتب عليه الاسم ودواعي الاستعمال.

تضحك هي.

لأنها لا تجيد القراءة أو الكتابة، هي تعرفهم بالأشكال والألوان.

البيضاء المستديرة الكبيرة للسكر، والصغيرة للضغط، الطويلة نصفها قبل الريوق والنصف الأخر بعد وجبة العشاء، الحبوب الصفار للمصاولة وعوق الرأس، وذات القرطاسة الذهبية لعوق الفؤاد والحرقة، والشروب للنحبة قبل النوم، هي تعرفهم جيداً، لكنها لا تأخذهم بانتظام.

ـ لم يمرضني غير علاجكم!..

تقولها وهي تلملم حاجياتها، هي تفضل طب الأجداد، تضع مسحوق الكركم الأصفر والزنجبيل على جبينها، وخيطاً رفيعاً منه على شاربها، تخفي بعض الشعيرات المتناثرة على أطرافه، وتزيدها قليلاً عند فتحتي الأنف، ذلك الأنف الصغير المدبب، الذي يحكي قصة امرأة كانت ذات جمال، عيونها فيروزية مستديرة، كادت أن تختفي بين تجاعيد جبينها، والتي عجزت عن عد طياتها.

قالوا إنها تزوجت ثلاثة من الرجال، وأنجبت أحد عشر ذكراً، وبنتين كأنهن الشمس والقمر، بعضهم لم يمهله المرض حتى الفطام، وآخر سرقته الأفاعي في الجبال، جميعهم رحلوا كل على طريقته، كان آخرهم هو الأصغر، لم تبلعه الوديان في فيضانها، أو تخضب دمائه الأرصفة والطرقات، كان قوياً معافى، وكانت تحبه كثيراً، نام ليلة في فراشه ولم يستيقظ.

كان قلبها قد تشبع بالأحزان، ولم يعد قابلاً لحزن جديد، عندما أدنوه منها، كشفت عن وجهه، وطبعت قبلة على جبينه، لم تذرف دمعة واحدة، لم تطلق صرخة، وضعت يدها على صدره وحملته السلام لهم جميعاً، ثم دنت من أذنه، تبسمت وهي تهمس له أن ينتظرها هناك، ثم رفعت عينيها المهزومتين إلى السماء، وتمنت ألا يطول الانتظار.

تبقت لها بنتاً واحدة، تزوجت في صحار، تأتي لزيارتها في الأعياد، تقضي معها ليلة ثم ترحل.

لم تأتيها في العيد الماضي.

مرت أيام عشر ولم تأتي الخالة شنونة، على غير عادتها، سألت عنها ناصر، فقال إنه لم يراها منذ عدة أيام، عندما جلست في غرفة الحارس، أحتسي فنجان القهوة العربية وبعض حبات السح، تحسست جيوب البالطو، حيث ترقد المسبحة التي أهدتني إياها، قالت إنها أوصت أحدهم ليحضرها لي من مكة، لم تجلس ولم تشتكي شيئا، وضعتها أمامي على المكتب وانصرفت، وقبل أن تخرج من الباب، دعت لي بالبركة، أوصتني أن آمر زوجتي بالصلاة، ولم تعد بعدها.

كانت تشتكي أمراضها قليلاً، وتحكي مع الممرضات كثيراً، هي تعرفهن جميعاً، تعرف أمهاتهن وآبائهن، تعرف أجدادهن وجداتهن، وكأن تاريخ هذه البقعة من الأرض، محفور على جدران ذاكرتها، تتخذ مقعداً بجوار الباب وتحكي، تحكي عن ليلة عرسها، وتدندن بعض الأغنيات القديمة، عن الوادي الذي أغرق قريتها عندما كانت صغيرة، تضحك البنات وتسألني إحداهن:

ـ دكتور، هل تفهم كلماتها.

فأجيب:

ـ افهمها أكثر منكن.

يوماً آخر ولم تأتي الخالة شنونة.

سألت عنها البنات، لم يرونها منذ مدة، حتى من يجاورونها في الحلة لم يروها، سجلات المستشفى تقول إن آخر زيارة لها كانت منذ شهور.

تكذب دائما هذه السجلات…!

الخالة شنونة كانت هنا، تداعب طفلاً صغيراً في هذه الزاوية، صافحتها واتكأت على يدي، عندما أصابها بعض الدوار وهي تهم بالانصراف.

أين أنت الآن يا خالتي شنونة…. ؟!

أين أنت الآن يا أمي…؟!

هل داهمتها غيبوبة السكر على أطراف الوادي؟

فحملها إلى بلاد بعيدة؟

أم ترقد مسجاه على فراشها مغمضة العينين…؟

هل وضعوا الكركم المطحون تحت أنفها الجميل…؟

وزينوا حول رأسها بأعواد النعناع والرياحين؟

هل وضعوا عكازها العجوز إلى جوارها كي تشعر بالأمان…؟

أم ينتظرون أن تهب من نافذتها روائح الموت، حتى يفتحوا عليها الباب،

ناديت ناصر:

ـ سوف نذهب لزيارة الخالة شنونة، في بيتها بعد الدوام.

قلت بحزم:

ـ كيف…!

قالها وهو يتعجب.

ـ ألم تقل إنها جدتك….؟

ـ هي جدة الجميع

ـ ومسموح لك الدخول عليها في أي وقت

ـ بيت الجدة شنونة ليست عليه أبواب….

القلق يعصر قلبي، عام وعدة أشهر في هذه القرية، أشعر كأني ولدت في حجرها، تغيب يومين أو ثلاثة، ثم تعود لتشد ظهري بدعائها، أحضرت لها زوجتي ذات يوم، لتضع يدها على رأسها، وتتمتم شفتيها ببعض آيات القرآن، فرح أولادي بالحلوى التي منحتهم إياها.

أخرجت المسبحة من جيبي، أفر حباتها مردداً دعائها:

ـ يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف.

ناصر يتملكه العجب، حتى سمعنا دقات عكازها العجوز على البلاط.

ـ الله أكبر

صرخ ناصر فرحاً.

-أهي الجدة شنونة جاءتك بنفسها.

هرول إليها وبيده الكرسي المتحرك، وهرولت خلفه، ضربته بطرف عكازها، فترك المقعد، واقترب منها تلبية لإشارتها، لم أمهلها حتى تلتقط أنفاسها.

ـ خالتي شنونة……

تقدمت إليها، لأحتل مكان ناصر.

ـ وينك، من مدة ما شفناك في المستشفى، لعل المانع خير

قلتها مُعاتباً، فأجابت بدون اهتمام:

ـ كنت مريضة

واستطردت بصوت من السماء:

ـ كيفك يا المصري…..؟

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.