شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الصندوق الأسود ـ معاذ القرشي

0 219

 

 

 

 

 

معاذ القرشي- اليمن

 

أن يمر بك مجنون ثم يذهب ..  ليغيب في زحام المدينة بين العقلاء والمجانين من أمثاله، فهذا يمكن أن يحدث في مجتمع كل أوضاعه تقود إلى الجنون، لكن أن تظل تتابع حال مجنون طيلة أكثر من عشر سنوات ولا تعرف عنه شيئاً ولا تستطيع أن تجد منه معلومة بسيطة تدلك عن عالمه القادم منه .. حينها تتمنى أنت أن يسألك هو وتكون مجنون من أجله ولو للحظة تشعره بها بأن ثمة من يشعر بما يشعر به.

الحرازي.. هكذا ينادوه الناس رجل طويل القامة ذو سحنة سمراء يتجاوز الستين من العمر يظل قابعاً في منطقة محدودة، وكأنه ملكها المتوج.. ترى هل للمجانين ملوك وقصور؟ ومع بقاءه الدائم في نفس المكان يستمر الناس  في نسج الكثير من الحكايات حوله، جميعها لا تمت للحقيقة بصلة، رجل جاء من اتجاه لا أحد يدعي معرفته به ولديه دليل.

البعض من الناس يقول عنه ضحية لزوجة خائنة، والبعض من لا تزال عقدة الخوف في قلوبهم يقول أنه مخبر، والبعض يناديه بالطيار المتقاعد ويحلف الإيمان المغلظة على ذلك، لكنة يظل صندوقاً عصياً على الفتح، لا يسمح بتقليب ذاكرته، علها تجيب على  أحكام الناس عنه.

الناس يرمون إسقاطاتهم ثم يذهبون ليعيشوا حياة مستقرة، أما هو فيظل صامداً تحت ضغط الظروف.. ترى هل عقد اتفاق مع الطبيعة؟؟ هل التزمت الشمس ألا يؤثر شعاعها عليه؟؟ وهل وعد المطر أن يكون حانياً عليه؟؟ وكذلك فعلت الرياح؟؟!!.

نحن أمام معجزة تتحقق أمام أعيننا، ولعدم شعورنا بما يشعر لا نعتبر ما يحدث معجزة، مع إن العقلاء لا يستطيعون مواجهة هذه الظروف ليوم واحد وهو يعيشها منذ أكثر من عشر سنوات بحسابي أنا!! من تاريخ معرفتي به مَعلماً من معالم الشارع الذي أعيش فيه.

تحاول أن تقترب منه أكثر، لكنه يعرف ما تريد، فيصدك من أول محاولة بكلمة أو إشارة أو حتى ابتسامة ساخرة تصنع فيك بحوراً من الحيرة، وتدور ساعتها في عقلك تساؤلات لا نهاية لها من عيار ثقيل. هذا الصامت أكثر من أبو الهول من أين جاء؟ أحياناً أتمنى أن يكون للناس صندوق أسود مشفر كما هو حال الطائرات، حتى نعلم تفاصيل ما حدث، حتى ولو كانت لحظات قبل الجنون بفك شفرته, ولا يزال صندوق الحرازي الأسود موصداً وعصياً على الفتح.

غبت عن الشارع لعامين وعدت .. استقبلني العقلاء من الأصدقاء بنصف ابتسامة، وحده الحرازي استقبلني بابتسامة كاملة، بل احتضنني وشاهدت في عينيه لحظتها سعادة غامرة رغم مرارة ما يعانيه. ربما كانت تلك الحفاوة وتلك الابتسامة التي ملئت محياه احتفال بي.

من يقول إن المجانيين لا يدركون ولا يشعرون؟ ثمة مجنون هنا,  منجم من العواطف المخفية قسراً.

أشد ما يعجبني فيه عزة النفس الظاهرة عليه، لم أشاهده يتسول أحد من المارة كما يفعل بعض العقلاء طوال السنوات التي مضت، وإذا تنازلت نفسه العزيزة فلا يطلب إلا من يجلس بجواره. ترى أين تعلم المجانين هذه المثل التي في طريقها للانقراض من حياة من يسمون أنفسهم عقلاء!! ..  هو لا يطلب إلا رغيف خبز يفرضه الشرع  والعرف أو سيجارة أو بعض من أغصان القات، لا أدري هل تساعده على نسيان الماضي؟ أو تذكره؟!!

حاولت أن ألتقط له صورة، لكنه رفض، لم يبرر رفضه كعادته ونزلت عند رغبته، كي لا أغضبه.

أيها اللغز المبهم: هل أنت صورة محسنة للمجانين الذين جنوا من العشق والهيام؟؟!!

أم هل أنت قادم من مخرجات صراع النظريات والأنظمة؟؟!!

هل أنت من ضحايا الغربة التي لا يزال اليمنيين يدفعون ثمنها حتى اليوم؟؟!!.

أحياناً يناسب وصف حياتك يا صديقي المجنون شطر من أغنية يمنية تقول “مشى كل الزمن وأنا في مكاني ..” أو “لا لا تذكرني بشي أنا قلبي قد نسي..”.

أحياناً أشعر إنه يريد أن يبكي وهو يأخذ نفساً طويلاً من سيجارة ينفث دخانها في الفراغ. يخيل إلي أنه يشربها بقلبه وليس بفمه .. ثم يتمالك نفسه ويمنع الدموع عن السقوط بعد أن تكون قاب قوسين أو أدنى من السقوط على ذقنه الشائب.

لا يزال الحرازي كما عهدته يستقبل تنبؤات العابرين بابتسامة ساخرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.