شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

المعلم العظيم لـ جمعة الحيدر

0 226

 

 

كان معلم الجغرافيا طويل مهيب، يدخل الصف الذي كُتب على بابه (رابع ابتدائي)، آثار هلعنا أول مرة. ولم يزل الخوف مكبّاً في ملامحنا، في كل مرة يعلق هذا الورق على السبورة ويفرده كاملاً.  

ويمرر مسطرة طويلة على أماكن كثيرة، لا نعرف منها إلاّ دمشق وحلب واللاذقية والحسكة وبلدتي التي رأيت الدنيا أول ما رأيتها عبر أشجارها وجدران طينها.  

هذه المدن هي المعدل التراكمي لِكَمْ المعلومات التي خرجنا به من الدنيا حتى بلغنا الرابع الابتدائي، ومرر معلم الجغرافيا مسطرته الطويلة على مفازات مجهولة في عقولنا، علمنا بعدها أنها تشاركنا لحم الخريطة، وكنا ننظر إلى هذا الورق الطويل ونخشى كثيراً التوغل فيه.

رويداً… رويداً نمَتْ علائق حميمية بيني وبين الخريطة، ووجدتني أتقن رسمها في فحوى القلب، بعد أن كنت أسقط في زاوية حادة من الكرسي حين يأمرني الأستاذ برسم الخريطة على السبورة، فيكون حظي غبار الطباشير وعرق الهزيمة.

وصرت أستقبل المعلم من على الباب، وأحمل الخريطة وأعتلي كرسيّاً وأمد يدي، وأستطيل بقامتي وأرفع نهايات قدمي عن خشب الكرسي، إلى أن أصل مسماراً بعيداً يعتلي سقف السبورة، ويتوسط مساحاتها.  

وكلما دنوت من المسمار، كلما دنت الخريطة من طمأنينتي وسكينتي، أتممت رسم الخريطة.  

وأتقنت كثيراً خطوط الالتقاء بين البحر غرباً، والسهول شرقاً وأدركت قيمة القلب من الجسد، وعلمت أن خريطتي هي قلب وطني النابض.  

وفي كل مرة تزداد خطوطها عمقاً، وفي كل مرة أرى شجراً جميلاً يهمس حول الخطوط، والشجر يتمادى فيطرح ورداً، والورد يتمادى في عذوبته، فيطرح رائحة لها عبق دمشق وهيبة حلب.  

كنت محظوظاً في تعليمي الابتدائي بذلك المعلم الواعي المثقف الذي يجمعنا في مناسبة يوم التحرير، ويلبسنا أثواباً جميلة بألوان علم بلادي ويجعلنا نخرج للصفوف ننشد للوطن بزهو لا ينقضي.  

وخلفنا تنمو الخريطة بألوانها، بنبضها، بروائحها العذبة، ونما الارتباط بالوطن، واستدخلت الخريطة بين تلافيف اللحم والجلد، وتعلمت كيف أحتفل بوطني، وكيف أتقن رسم الخريطة، وكيف أنفثها في دمي، وكيف أنفثني بها، وكبرت الخريطة، ووجدتها تفترش أروقة البيت وفناء المدرسة، ورأيتها تكبر وتكبر.  

حتى صرنا جزءاً صغيراً فيها ونسير ونمضي ونخضّل أقدامنا بدفئها، نمضي نحن وتبقى هي.  

لئن كنا استيقظنا صباح اليوم، يعتلي البِشْرُ وجوهنا وتظهر الخريطة نابضة حية في أهدابنا، في أعيننا، في ابتساماتنا، في  تحياتنا.

فإننا سنذكر كثيراً نِعَمَ ربنا، وهباته، وستهطل أمطار النعم من ألسنتنا، وسنذكر أول ما نذكر، فقرنا، جوعنا، واحتدام الصراع بين أهلنا.  

“سنحمد الله كثيراً، على أن هيأ لنا من أمرنا رشدا، وكان ذلك الرجل العظيم، الذي رأب صدع الخريطة، وغمرها بحب لا ينفذ، جمعها بين راحيته  وحملها على رؤوس الأشهاد”.

وقال: ها أنا يا تاريخ، أمنحك ورقاً طويلاً وخريطة عظيمة، وأناساً طيبين أنقياء مثل سمائهم في مساء صيفهم، دافئين مثل مطر وسمهم، دافقين بالحب مثقلين بإيمان أبيض.  

تماماً كهيبة دمشق، وعبق الجزيرة، سنذكر كثيراً ذلك الرجل بالخير، كلما رأينا توقيعه على ورق الخريطة.  

فيا أهلي ساكني وطني: مساء الطيبة والنقاء، مساء حليب الأغنام وشجر الزيتون، فهذه بلادنا، فهي لكم، ولكم خطوطها العريضة، احملوها بين مفازات أضلعكم، ازرعوها بالزيتون والقمح والبرتقال، واسقوا شرايينها بالحب والعمل، ارفعوها أكثر فأكثر تعلو فوق رؤوس الأشهاد.  

دخلناها زرافات ووحدانا، وانطلقنا أفواجاً ناحية الخريطة، لم تتغير منازلنا ومرابعنا ومزارعنا، لكننا عدنا إليها وثمة بيت جميل يؤوينا جميعاً، يقينا نوائب الزمن وعاصفات الأيام.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.