شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

خليف وساجر الرفدي ـ  جاسم الهويدي

0 234

 

 

 

 

 

 

في بادية الشام عاش خليف عاطلاً عن العمل، مدللاً، خاملاً، وكسولاً، وحيداً لوالدته البارة والحنونة عليه، وكانت عفيفة شريفة حداها الأمل أن يغير ابنها خليف من طبعه، فطلبت منه الرحيل لمجاورة أي شيخ كريم من أجواد العرب في البادية فحملت “الخربوش” بيت الشعر وجاورت شيخ السلقا من العمارات “ساجر الرفدي” وهو من المعدودين بالكرم والجود والشهامة والفروسية والشجاعة.

أمر الشيخ بناته أن يذهبن إلى بيت العجوز والدة خليف وبعد يومين أعطاها وأكرمها بخزلة معز من الغنم للحليب طعاماً لها تغنيها عن سؤال الناس. ومن صفات الشيخ ساجر أنه محب للدخان والقهوة العربية بشكل جنوني ومحب للقنص والصيد ولديه طير حر سماه “خطاف” وكلب سلوقي سماه “حطاب”، والقنص بالسلوقي أمر شرعي حلال لا شبهة فيه كما جاء في الآية الكريمة.. بسم الله الرحمن الرحيم “يسألونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكبلين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه، واتقوا الله، إن الله سريع الحساب” سورة المائدة الآية (4).

صادف أن بقي لشهر رمضان عشرة أيام، فبعث الشيخ سفارة إلى المدينة من أجل زهية البيت أي المؤونة من دخان وقهوة وغيرها استعداداً لشهر رمضان والعيد. كان خليف ينظر إلى الشيخ ساجر نظرة مشتاق حينما يذهب للصيد ويجلب الأرانب والغزلان، فاستهواه الأمر وطلب من الشيخ ساجر مرافقته للصيد، وقد بدأ الصيام ولم يبق مع الشيخ دخان ” تتن”. خرج الشيخ ومعه رفاقه وخليف للصيد ومعهم السلوقي “حطاب” والطائر الحر “خطاف”، وساروا في البادية، وإذ بأرنب ترعى الفطط بالليل وتختفي بالنهار خلف الشجر أو الجحور خوفاً من الطيور أو الوحوش، فقفزت الأرنب من بين الشجر، فأطلقوا عليها الكلب السلوقي “حطاب”، فجاءت باتجاه خليف والكلب خلفها، فضربها خليف بمصلاب كانت بيده، فأخطأت الأرنب وأصابت السلوقي فقتلته. قال الشيخ ساجر على مضض “فدوة”!

ثم تابعوا السير واذ بطائر الحبارى “خرب”، فأطلقوا عليه الطائر الحر “خطاف”، فدار الحبارى حول الشجر، والحر يتبعه، لكنه يخاف من ذرق الحبارى، فاتجهت الحبارى باتجاه خليف الذي أطلق عصا بيده فقتل طائر الحر خطاف خطأ بدلاً من الحبارى، فقال الشيخ ساجر: اليوم انقطع نصيبنا من الصيد فعولوا على العودة.

وعندما وصلوا الديار، سأل الشيخ عن السفارة، فأجيب بأنهم لم يعودوا بعد وهو مشتاق للدخان. فكر بالشاي والقهوة والدخان، وفتش، فوجد بقايا من سريب القهوة، ووجد نصف ملعقة من القهوة، فخلطها وأشعل الحطب ليغليها عند مغيب الشمس في مصبه الصغير، وفتش في زوايا البيت، فوجد آثار دخان عمّرها في السبيل “الغليون” وكان يسميه العظم.

قال خليف لأمه أنه قتل السلوقي “حطاب” وقتل الطائر الحر “خطاف”، فغضبت الأم أشد الغضب، وقالت لابنها خليف: اذهب لعند الشيخ واعتذر منه وقبل رأسه ويديه على خطيئتك!

قدم خليف ليعتذر من الشيخ ساجر، وكانت دلة القهوة عل يمين الشيخ والعظم “الغليون” على شماله، فقدم رجله اليمنى، فانكفات دلة القهوة وكسر الغليون برجله اليسرى. فحنق الشيخ وقال: والله يا خليف ليس موجود لدينا غيرهن!!

غابت الشمس وأفطر الشيخ على قليل من الماء لا سواه!

لم يذق الشيخ الطعام ليلتها ولم يعرف جفنه النوم وبعد منتصف الليل ألقى قصيدته المشهورة:

 

البارحة بالليل لا شفت حالي                   مضيت أنا ليلي حزين ومحتار

مصيبتن ماجرت بالليالي                       تقل يوقد بالضماير لهب نار

من صرت ما شفتها ولا جرى لي              أربع  مصايب لوعني من الجار

الأولى بحطاب مالها مثالي                      شروا على تيس الجميلة ليا غار

والثانية بخطاف معادل عيالي                 أشقر عديم الأبريق الريش نثار

والثالثة تعملت بأصغر دلالي                 قصرتها وفاحت على البن وبهار

والرابعة بالتتن عظم الشمالي                وأفلست منها حين حزات الأفطار

يا ريتني بقوم تأخذ حلالي                   وأصبر على مر الليالي والإعسار

العمر يفنى وآخره للزوالي                  والحظ مرات بصعود ومرت انحدار

ما شفت مثل خليف جليل والي              من صاروا البدوان ما مثلها صار

ثم جعله حَذاءً للخيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.