شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

روضة – عزة دياب 

0 173

 

 

جدول بخلفية خضراء تظله سماء غائمة، على الجانب الآخر مقابر مطلية بالجير تتصدرها لوحات رخامية بأسماء أموات رابضين في ظهر القرية، يفصلها عن الجدول طريق مسفلت، كانت المقابر في آخر القرية، عندما مهد الطريق باتت في المقدمة، شجرة ضخمة مغبرة تحط عليها طيور مشاكسة.

أعبر الطريق بسيارتي، يهطل المطر، أحكم إغلاق الزجاج، أشغل المساحات، تدور كأنها عقارب ساعة.

تقف السيارة، لا تجدي معها محاولاتي، الجدول يفور كأنه يغلي، يفيض، تلعقه الأرض بوشيش كأن لها شفاه تستمتع بالارتشاف.

القبور قصرت وبدت بدون طلاء وبدون لوحات رخامية، كلاب تستعرض أصواتها، المياه تواصل سيرها ملامسةً أعتابها.

وجوه تضغط على زجاج السيارة الأمامي، تعبيرها متنوع، من يبتسم، ومن يخرج لسانه، ومن يبكي، أسمع رفرفة تحرك الهواء حولي، فتح الباب بل خلعه.

خرجتُ من السيارة، لم تكن لهم أقدام تلامس الأرض، بقع المياه تبلل أطراف بنطالي، أتحرك في اتجاهات متضاربة، أسير على قدمين لا أراهما، أقطع مسافات لاهثة وأجدني في نفس المكان، سألتُ أحدهم:

ـ ألا يوجد قطار أو أي وسيلة لأخرج من هنا؟

= لماذا تريدين هجرنا؟

ـ أشرتُ إلى قدمي: إني أتلاشى.

= أليس هذا أفضل من أن يعفنهما الوحل؟!

مسكتُ في خناقه، انهار في يدي، نظروا لي مستنكرين،

= تقدم أحدهم: قتلتيه إنه روح بريئة.

ـ وهل تموت الأرواح؟!

= لن نقبلك بهذا العنف، تطهري وعودي.

ـ دلني على طريق الخروج.

= اعبري الجدول.

ـ لا أعرف السباحة.

= اربطي عنقك بحبل في فرع الشجرة.

ـ لا أريد أن أموت.

= ومن قال إنك على قيد الحياة.

ـ ولماذا تفكر لي في ميتة؟!

= ولماذا تتمسكين بحياة تريدين الخروج منها؟!

تحرك من اتهمتُ بقتله، مددتُ له يدي، شعرتُ أن هذه اللقطة حدثت من قبل حين صدمته بالعربة، لا أذكر متى أو أين، لكنها حدثت، أراحني أنه لم يصب بأذى.

ـ آسفة.

= كنت في حاجة إلى حماقتك.

أغضبني رده، تنفش الكلاب فراءها بعد عبورها الجدول الذي لا أجرؤ على عبوره.

= تكلم ببرود: أنتِ لم تحاولي.

حدقته مندهشة

= رد: كلنا هنا أفكارنا عارية.

ـ لكني لا أرى أفكاركم.

= لأنك لستِ منا.

لوحوا لي مودعين، وجدتني في سيارتي وجه الجدول يجعده النسيم، الشجرة غسلها المطر من غبارها، نثرتُ زهوراً بنفسجيةً قطفتها من لبلابه لا أعرف أين جذرها، فاحت رائحة عطرة، تفرق السحاب، جف الإسفلت، تحركتُ بسيارتي متجنبة أفكاري العارية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.