شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

شهامة – زيدان عبد الملك

0 162

 

جلس أمام التّلفاز يتابع أخبار الصّحافة كعادته كلّ يوم، فُوجئ بانتحار قائده، هزّه الخبر، تراقصت الشّاشة أمام ناظريه؛ وهو يستمع للمذيع، انتحر ضابط شرطة بعد أن اكتشف خيانة زوجه، فدبّر مقتلها، وانتقم من عشيقها، وصديقتها صاحبة المتجر، التي كانا يختليان عندها في سقيفة متجرها، فأزهق روحيهما برصاص مسدس كاتم للصّوت.

رنّت في أذنه كلماته التي كان يردّدها (لا يفلت لصّ، ولا مجرم من العقاب، فالعدالة تقتصّ منهما إمّا في الأرض وإمّا في السّماء).

أغمض عينيه، وسرّح خياله يسترجع ما حصل معه قبل شهرين عندما صحا من غيبوبته، سأل أين أنا؟ ابتسمت الممرضة، حمداً لله على سلامتك. حرّك رجليه، واحدة استجابت، تلمّس الأخرى؛ وجدها نصف رِجْل. غامتِ الدّنيا.. ترقرقتْ دمعتان في محجري عينيه… استجوبته الشّرطة، ورفعت التّحقيق إلى القضاء، وبعد أن تعافى اِسْتُدعِيَ إلى المحكمة. سأله القاضي: ما مهمتك؟

= أنا سائق سيّارة خدمة لدى سيدي، أوصل حاجاته إلى البيت، والأولاد إلى المدرسة، وزوجته إلى المجمّع التّجاري وسط المدينة، ثمّ أعيدهم ثانية إلى البيت.

– منذ متى تعمل عنده؟

= منذ سنتين ونصف تقريباً.

– وماذا تعمل زوجة سيّدك في المجمّع؟

= تذهب للتسوّق.

– كل يوم؟

= لا.

– وتشتري دوماً؟

= تعود أحياناً فارغة اليدين.

– أكنتَ تعتني بالسيّارة جيداً؟

= نعم، يا سيّدي.

– ماذا حصل معك يوم الحادث؟ وكيف؟

= كان يوم السّبت عطلة الأولاد، طلبت مني السيّدة أن أوصلها إلى المجمّع كالعادة، ولمّا وصلتُ إلى بداية المنحدر باتجاه الوادي واقتربتُ من الجسر راحت السيّارة تتسارع ضغطتُ على المكبح.. لم يستجب.. حاولت مرّات.. لم أفلح، خطر لي استعمال مكبح اليد.. دارت السيّارة بعنف وارتطمت بالرّصيف.. ارتفعت عالياً وهوتْ إلى الوادي.. لم أدرِ بعدها ما حدث حتى صحوت في المشفى.

– أعرفتَ أنّ زوجة سيّدك توفيت؟

= نعم، أخبرتني الممرضة.

– هل لاحظت خلافاً ما بينها وبين سيّدك؟

= لا يا سيّدي، كانا يبدوان لي عاشقين، لا يبخل عليها بشيء، وأنا أعتبرهما أسعد زوجين.

– أكانت تمازحك؟

= أحياناً، كنتُ أحسّ أنّها أختي الكبيرة. كانت تعطف علي، تشتري لي ثياباً، وتعطيني نقوداً.

– هل تعرف المتجر الذي كانت تتردّدُ عليه في المجمّع؟

= لا، لأني ما كنت أرافقها.

– أكنتَ تنتظرها في السيّارة أثناء التّسوّق؟

= لا، أوصلها وأنصرف، وتتصل بي لأعيدها عندما تنتهي من التّسوّق.

– انظر إلى الصورة، هل هذه هي؟

= نعم، هي ذاتها.

– أتعرف هذا الرّجل؟

= لا، رأيته مرّة، قالت إنّه ابن عمّها.

– متى رأيته؟

= لست أذكر تماماً، ربما حوالي ثلاثة أشهر، كان برفقتها لمّا كنتُ أنتظرها أمام المجمّع التّجاري. أخبرتني عندما صعدت السيّارة أنّه ابن عمّها.

– هل تشكّ أنّ الحادث مدبّر بفعل فاعل؟

= لا، أبداً.

– أتدّعي على أحد؟

= لا يا سيّدي.

– شكراً لك، الله معك.

أخذ نفساً عميقاً ملء رئتيه.. زفره بهدوء.. تنهّد.. سامحك الرّب.. لقد سامحتُكَ؛ لترتاح روحُك كُرمى للخبز والملح الذي كان يوماً بيننا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.