شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

قمري الحزين – أيمن الداكر

0 225

 

“قلبي مقبوض”.. قالها أبي وأردف بأنه يشعر أن شيئاً ما سوف يحدث في هذه الليلة.

فالنهار قد هرول أسرع من عاداته نحو الليل، حتى إن بعض الفلاحين لم تلفظهم الحقول من بطونها بعد، طابت عيون السماء المتقرحة سريعاً، وظهر القمر، لكن القرية غارقة في الظلام، فالقمر حزين، بل مخنوق، صدره يخفق في قوة وألم، شاحب الوجه، تكسوه زرقة، يُلقي إلينا بنظرات ترجها سكرات الموت.

هاجت الأحزان على القلوب، وسمعتُ أمي تتهامس مع بعض النسوة عن مقولة الأجداد:

إن لم يضحك القمر.

إن لم يرسل بسماته إلى الأرض.

سوف يموت وتموت معه الحياة.

تملكني الرعب من هذا الموت، الذي يضع الناس تحت التراب، ويحرمنا من رؤيتهم واللعب معهم مرة أخرى، قد فعلها معي عندما اختطف رفيقي في رحم أمي العام الماضي، قالوا إنه يركض هناك تحت التراب في حدائق واسعة، بها الطعام الجميل والشراب، فيها كل الألعاب التي يُحبها الأطفال، والملابس الجديدة زاهية الألوان، لعلي أكف عن البكاء، كيف ومازالت أمي تبكيه كل ليلة؟!

هرولت نحو أخي الأكبر الجالس أمام الدار، كي أخبره أنني لا أريد أن أموت، فليأخذنا معه إلى تلك المدينة البعيدة، التي لا يموت فيها القمر.

هو يعرف الطريق.

أعرف أنه يعرف الطريق، فهو الوحيد من أبناء قريتنا الذي ذهب هناك، وبعد عودته، يُناديه الجميع بالأستاذ!

لا أعرف كيف يكون أستاذاً، وهو لا يشرح لنا شيئاً في المدرسة؟!

كان أخي ينظر إلى القمر المخنوق وهو يُدندن ببعض الأغنيات، وقفت أمامه، وقبل أن أتحدث إليه، كانت زوجته تمد له كوب الشاي، أمسك بالكوب الساخن وهو ينظر إلى وجهها قائلاً:

ـ هو القمر زعلان ليه؟!

مصمصت شفتيها، وضربت ظهر يدها اليسرى بباطن اليمني، وقالت في حزن:

ـ ماعرفاش …؟!

أمسك يدها، وضغط عليها في خبث وهو يقول:

ـ تلاقيه مكسوف من حلاوتك…!

ضربته على يده بغضب مغموس في الدلال، وأمرته أن يتحرك من مكانه، ترجوه أن يفعل شيئاً، فالموت يحوم حول القمر، أن يذهب إلى المسجد، ليُصلي ركعتين، ويدعو الله أن يعفو عن القمر، ويُنجيه من كربته، ثم اختنق صوتها وهي تقول:

ـ القيامة هتقوم…!

فتركته وعادت إلي الدار، لم يكن أخي قد انتبه لوجودي بعد، وتعالت أصوات الطبل والزغاريد في بيتنا، فنسيت كل شيء، وعدت مُسرعاً أشاهد الغناء ورقص النساء.

كانت النساء ترقصن بقوة في صحن الدار، حتى يراهن القمر، حتى يضحك ويتنفس.

كانت دقات أقدامهن على الأرض، تعلو على صوت الطبول، كن يرقصن وكأنه آخر رقص لهن في الدنيا، كن يُزغردن بقوة، حتى يُدغدغ زغاريدهن آذان القمر، فيفيق من سكرته.

صفقت معهن سعيداً فرحاً، نسيت الموت ومقولة الأجداد، اقتربت مني أختي – التي تكبرني بخمس سنوات – وأعطتني صفيحة فارغة، وقطعة عصى، من بقايا خيزرانة جدي المكسورة، أخذتهم وانطلقت إلى الشارع، اختفيت بين أمواج الأطفال، والصبية وبعض الكبار، نجوب دروب القرية وحواريها، نقرع الصفائح الفارغة بالعصى، ونردد:

-اشفع يا رسول الله، والقمر نجاه الله.

في الحواري الضيقة المُظلمة، كانت تتلاحم أجسامنا الصغيرة، نسير كالعميان فوق أكوام التراب، تغوص أقدامنا الحافية في روث البهائم، تصطدم بالأحجار الحادة، فتسيل منها الدماء، ولا نشعر.

كانت أيادينا الصغيرة كمطارق الحديد، فوق الصفائح الفارغة، ارتفع إنشادنا حتى غطى على صوت البارود، الذي يُطلقه الرجال في جنبات القرية.

ما عدنا نستمع إلى الطبل، وغناء النساء القادم من كل البيوت.

كنا نردد بصوت واحد:

-آجليها يا رب آجليها، داحنا عبيدك تحتيها.

في بيوت القرية، في دروبها وحواريها، كانت هناك نساء ترقص وتغني:

ـ يا بنات الحور، سيبوا القمر يدور.

رجال تُطلق البارود، وتلهث ألسنتهم بالدعاء، وأطفال تسيل من أقدامهم الدماء، القلوب ترتجف، تكاد أن تموت قبل أن يموت القمر.

حتى ابتسم.

نعم ابتسم القمر وتنفس، فتنفسنا معه، تعانقنا وفرحنا، هرولت مع الأطفال لنلعب فوق التراب من جديد.

في آخر الليل، دخل أخي إلى حجرته، ومعه زوجته، هرولت خلفه لأعرف منه، إن كان القمر عاد قوياً، أم ما زالت ترهقه السكرات، عندما اقتربت من باب الحجرة المُوَارب، كانت زوجته تساعده في خلع ملابسه، وتقول له في دلال:

-هو القمر كان زعلان ليه…؟!

أمسكها من ذراعيها واقترب منها، حتى كاد أنفه أن يلامس وجهها قائلاً:

-أصل حلاوتك كسفته، فداري وشه عنك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.