شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

مهاجر لـ صالح بوزان

0 209

 

 

 

 

 

 

لم يكن يفكر بالاغتراب يوماً. كان منسجماً مع حياته. مكتفياً بعالمه الصغير في قرية لا يتجاوز عدد بيوتها عشرين بيتاً. ولد في هذه القرية منذ أربعين عاماً، وحيداً لوالدين ماتا منذ أكثر من عشرين عاماً. ورث منهما بيتاً متواضعاً وخمسة عشر هكتاراً من الأراضي الزراعية تدر له أموالاً تكفيه لمعيشة سنة كاملة دون العوز لأحد. أدار شؤون بيته وزراعته بمفرده دون الحاجة إلى أحد. لم يتعلم في المدارس. لكنه كان يعرف لغة الدولة دون الكتابة إلى جانب لغته الأم التي تعلم الكتابة بها متأخراً، وكانت كافية لأن يدون بها ما يريد كتابته مع الأخطاء الإملائية. لم يتزوج رغم تحرش بعض بنات القرية به تكراراً. كانت بعض نساء القرية تهمسن في سهراتهن الليلية إنه يذهب ليلاً إلى القرية المجاورة لعند امرأة أرملة تكبره بعشر سنوات.

كان رمو، وهذا اسمه، خجولاً مثل الأطفال، كتوماً لا يحب الثرثرة. يصيغ ما يريد بجمل مختصرة، ويجاوب على أي سؤال باختصار. الخاصية الفريدة التي ورثها من طفولته هي حبه الشديد للقصص الشعبية. هذه الخاصية دفعته للتقرب من كبار السن، سواء من الرجال أو النساء. فيجلس في تجمعاتهم، ويستمع للقصص دون أن يناقش الراوي حول الرواية. وعندما يعود إلى البيت يدون تلك القصص على دفتر اشتراه من البلدة القريبة. يكتب تلك القصص أو الأمثال الشعبية أو النكت بنفس كلمات من كان يرويها. فترد في كتاباته أحياناً كلمات خارج الآداب وبعضها بذيئة. تلك الكلمات التي يتحدث بها القرويون دون حرج. كان يحلم أن يطبع هذا الدفتر ككتاب تحت عنوان “قصص من قرية B” ويدون عليه اسمه. ولكونه لا يحب اسمه “رمو” فسيختار لنفسه اسماً من تلك القصص الشعبية. في السنوات الأخيرة حوى في بيته جهاز تلفزيون ليستمع إلى الأغاني الشعبية بلغته الأم. كان يتصور لو أصدر كتابه، أن تقوم إحدى القنوات بمقابلة معه. سيتحدث عندئذ كثيراً. كما اشترى في السنوات الأخيرة موتوسيكلاً صغيراً ماركة شمبر لاستخدامه في الانتقال بين القرى والبلدات الصغيرة القريبة من قريته لتأمين احتياجاته.

قبل اغترابه بسنتين حدثت اضطرابات كبيرة في بلده. كانت في البداية حروباً صغيرة وبعيدة عن قريته. وما لبثت أن أصبحت حروباً كبيرة تحرق الأخضر واليابس. ومع الأيام وصلت تلك الاضطرابات إلى منطقته. انهارت الدولة مع أجهزتها. فهرب الشرطة ورجال الأمن. وتشكلت بدلاً عنهم مجموعات مسلحة في كل قرية تقوم بدور حماية القرية وممتلكات أهلها. ومع الأيام بدأت تتجمع هذه المجموعات لتشكل كتائب كبيرة تتجاوز مهمة الحماية إلى سلب الناس في الطرقات.

تطورت الأحداث وأخذت هذه الكتائب تهاجم القرى التي ليست لديها حماية مسلحة أو حماية ضعيفة. فتقتل المدافعين عنها ومن ثم تنهبها. هكذا دخلت المنطقة في صراعات دموية. فازدادت اللصوصية والسرقات والنهب. أخذت هذه الكتائب تمارس القتل بصور بشعة لإرهاب الناس. وبات الخوف يلازم حياة كل قرية وكل عائلة وكل فرد. بدأت الهجرة من القرى إلى المدن القريبة لوجود حماية أكبر فيها.

هاجمت كتيبة مسلحة قريته وهم يحملون لافتات سوداء كتب عليها “الله أكبر”، مما اضطر أغلب سكان القرية الهروب إلى البلدة القريبة التي فيها حماية من بني جلدته. هرب هو الآخر في تلك الليلة المشؤومة. ولم يستطع أن يأخذ معه سوى مبلغاً بسيطاً كان قد وضعه في مكان آمن بالمطبخ ودفتره الذي كان يدون فيه تلك القصص الشعبية.

بعد أسابيع اجتاحت الكتائب الغازية تلك البلدة التي التجأ إليها. فهرب من جديد باتجاه الدولة المجاورة مع القوافل التي هربت من الموت. لم يستقر له الأمر في الدولة المجاورة. كان يتنقل من مدينة لأخرى بحثاً عن العمل. اشتغل عتالاً عدة أشهر، ومن ثم عمل ضمن مجموعة في تقشير الفستق. كان يقبض من الأجر ما يكفيه للعيش دون أن يضطر للتسول مثل العديد من الذين التجأوا لهذه الدولة.

تعرف إلى شخص ضمن مجموعته التي تقوم بتقشير الفستق. حدثه هذا الشخص عن الهجرة إلى دولة بعيدة وراء البحار حيث الاستقرار والحياة الجميلة. قال له صديقه في العمل أن أفضل ميزة في تلك الدولة أنها تؤمن لك كل وسائل المعيشة من مسكن وعمل وحماية. فإذا كنت ترغب في السفر معي عليك جمع المبلغ المطلوب لأجرة الطريق، فنحن مضطرون أن نقطع البحر على قارب صغير يسمونه “بلم”.

وافق على اقتراحه. وخلال عدة أشهر جمع الاثنان المال المطلوب وذهبا إلى المنطقة التي منها سيركبون الزورق لقطع البحر. وقف أمام البحر وهو يشاهده لأول مرة في حياته. كان مشدوهاً ويقول في داخله: كيف تجمعت كل هذه المياه هنا.

ركبا الزورق مع الآخرين وساروا في عرض البحر. كان في الزورق نساء وأطفال وشيوخ يتصارع الخوف والفرح على وجوههم. بعد أكثر من ثلاث ساعات شعر الجميع أن الزمن طال للوصول إلى الطرف الآخر من البحر. وبدؤوا يقولون همساً لقد ضللنا الطريق. كما لاحظوا الارتباك على سلوك قائد “البلم”.  لم يعد يرون حوله سوى البحر. وبدأت الأمواج ترتفع أكثر فأكثر وترشهم بالماء الذي أخذ يتجمع في قاع الزورق. جاءت موجة كبيرة فرفعت الزورق إلى الأعلى وهوت به إلى الأسفل. انقلب الزورق مثل صحن بما فيه. طفى الجميع فوق الماء. وبدأت الصرخات تنفجر وكأنها كانت مكبوتة. سرعان ما لاحظ أن بعض الأطفال يطفون فوق الماء غرقى. فرّقت الأمواج الجميع وأخذوا يبتعدون باتجاهات مختلفة حسب صعود وهبوط الأمواج. كانت الأمواج ترتفع مثل تلال صغيرة وتختفي خلفها الأجساد.

أدرك أنه أصبح وحيداً في سترته التي سموها له “سترة النجاة”. بدأ الخوف يتسرب إلى قلبه، لكنه لم يكن مرعوباً. فهو بطبعه يتأثر ببطء بالعوامل الخارجية. أخذ يفكر بالموت. أعادته فكرة الموت إلى قريته، إلى تلك الحياة الهادئة التي كان يعيشها. شعر وكأنه يقول: “كم كانت حياتي جميلة..!”. أخذت الأمواج تهدأ. ولاحظ تشكل غيوم في السماء بيضاء من طرف وسوداء من طرف آخر. لم يدر كم من الوقت مضى وهو في عرض البحر. فقد اختلط عليه الزمن. تذكر أنهم ركبوا الزورق قبل الظهر. والآن يبدو أن الوقت تجاوز العصر.

رأى من بعيد ما يشبه زورقاً. صرخ مرة ومرتين، ثم صمت لقناعته أن الزورق بعيد ولن يصل إليه صوته. رفع إحدى يديه وهو يلوح بها، فلم يجد أي تجاوب من الزورق. بعد وقت ليس بطويل وجد أن الزورق يكبر أمام عينيه. اقتنع أن الزورق يسير باتجاهه، وربما كان مجرد وهم يرغب في اختلاقه. كلما اقترب الزورق منه وجده أكبر من الزورق الذي ركبه. رأى علماً يرفرف في مقدمته. فصرخ من جديد وهو يستنجد باللغتين اللتين يعرفهما. حين اقترب الزورق منه وجد أن على سطحها رجلين وامرأة. رموا له حبلاً وجروه لحافة السفينة ومن ثم رفعوه إلى السطح. تكلم معهم وتكلموا معه فلم يفهموا على بعضهم بعضاً. سحبه رجل من يده إلى داخل الزورق، وقدم له ملابس جافة وخرج إلى السطح. فهم قصد صاحب الزورق، فخلع كل ملابسه، وفجأة سقط منه شيء. نظر إليه فإذا هو الظرف البلاستيكي الذي يحوي دفتره وهويته وبعض النقود. لبس الملابس الجافة. تناول الظرف وفتحه بصعوبة نتيجة كثرة لفات اللاصق الذي استخدمه عند إغلاق الظرف خوفاً من تسرب الماء إليه. كان الدفتر سليماً مع بعض الرطوبة الخفيفة. خرج إلى السطح من جديد. ابتسم الثلاثة وهم يجدونه ضعيفاً في هذا اللباس الفضفاض. قدموا له بعض الأطعمة الجافة وكأساً من القهوة الساخنة. أكل وشرب وشعر بالدفء. بعد أكثر من ساعة وصلوا إلى شاطئ، وإذا بانتظارهم سيارة ورجل وامرأة بملابس موحدة. وضعوه في السيارة وأخذوه إلى مكان فيه حشد من المهاجرين. كان بينهم الكثير من بلده. وفهم منهم ماذا سيحدث لهم. دار بين الحشد أكثر من ساعتين وهو يبحث عن زميله صاحب فكرة الهجرة دون جدوى.

بعد السفر بالباصات والقطارات وصل مع مجموعة إلى ملجئ تم تسجيل أسمائهم ووزعوهم على الغرف. وجد نفسه في غرفة مع رجل ضخم وأسود اللون. استغرب من لونه. تحدث معه ذلك الرجل الأسود بلغة لم يفهم منها شيئاً. تحدث هو معه بلغته الأم فلم يفهم منه الآخر. تحدث معه بلغة دولته، فرد عليه الرجل الأسود بتلك اللغة مع لكنة غريبة. فرح بوجود شخص يفهم عليه. روى الرجل الأسود ماذا سيحدث له. ونبهه عندما تقف أمام القاضي كن حذراً في أجوبتك، لأن القاضي إذا لم يقتنع بأجوبتك أو أدرك أنك تكذب سيعيدك إلى بلدك.

انتقل من ملجئ إلى آخر. في آخر ملجئ أخذوه في الصباح ليمتثل أمام القاضي بوجود مترجم بلغته الأم. سأله القاضي عدة أسئلة. فجاوبه على سجيته دون افتعال أي حدث مغاير لما جرى له. سأله القاضي: لماذا التجأت حصراً لهذا البلد؟ أجاب: لم أختر، القافلة هي التي اختارت. قال له القاضي: إذا تحسن الوضع في بلدك هل سترجع؟ أجاب فوراً: حتماً. وأخيراً سأله كيف وصلت إلى هنا؟ أجابه دون تفكير: Li ser pişta mirinê (على ظهر الموت). فتغير لون وجه القاضي وهو يدقق النظر فيه بصمت.

أخيراً استقر في بيت صغير يتوفر فيه كل احتياجاته. وحصل على راتب شهري يقبض في بداية كل شهر. لقد أصبح لديه الوقت الكافي ليعيد التفكير بكل ما جرى، وماذا ينتظره غداً. كان مدهوشاً بجمال الطبيعة وبالهدوء الذي يتجاوز هدوء قريته. في قريته كان يسمع صوت الكلاب والديكة في الصباح وصوت البقرة التي تملكها العجوزة Pira Îs*. بينما في هذه البلدة لا صوت أبداً سوى صوت العصافير. كان يتجول في البلدة يومياً وينظر إلى كل شيء باندهاش. ينظر إلى الباصات والقطارات والسيارات وراكبي الدراجات الهوائية من الأطفال والنساء والرجال. لاحظ أن الناس يسيرون على الأرصفة بدون ضجيج. يتحدثون بصوت غير مسموع. النساء يلبسن ألبسة خفيفة في الصيف يتبين أغلب سيقانهن وصدرهن شبه مكشوف. لم تولد ردة فعل سلبية تجاه كل ذلك. لكنه تساءل بينه وبين نفسه لماذا هذا الفرق الكبير بين حياتنا وحياة سكان هذه المدينة؟

وهبه أحد الجيران تلفزيوناً مستعملاً، كان أفضل من تلفزيونه في القرية. فرح بظهور التلفزيون في بيته كثيراً. وعندما بدأ يقلب القنوات لم يحصل على قناة يفهم لغتها. اكتأب ولم يعد يفتح التلفزيون إلا نادراً.

في أحد الأيام شعر باكتئاب شديد، فخرج إلى الحديقة القريبة من بيته. جلس على مقعد وهو يراقب الناس. جاءت امرأة سمراء تجر كلباً وجلست على الطرف الثاني من مقعده وهي تتحدث مع كلبها. نظر إليها وهي بدورها نظرت إليه. كانت في الخمسين من عمرها على ما يبدو. تكلمت معه بلغة البلد، لكنه لم يفهم شيئاً من كلامها. كل ما قال لها: لا أفهم لغة هذا البلد. وفجأة تكلمت معه بلغة بلده. فتهيج فرحاً. قالت له: توقعت أنك لاجئ من الشرق. قال: نعم. قالت له: وأنا أيضاً من تلك البلدان. تطور الحديث بينهما واتسع مع الوقت. روى لها قصته من البداية إلى النهاية. وهي بدورها قالت له: أنا هنا منذ ثلاثين عاماً. جئت مع زوجي ولدت لنا بنت هنا. هي الآن متزوجة تعيش مع زوجها في مدينة أخرى. منذ عشر سنوات طلقني زوجي وتزوج بامرأة من هذا البلد. وأنا الآن أعيش لوحدي. لكنني لا أعاني تلك الغربة التي تعانيها.

بعد أسبوع ذهب إلى الحديقة من جديد. فوجد تلك المرأة جالسة على المقعد نفسه تداعب كلبها. ذهب إليها وسلم عليها وجلس إلى جانبها. شعر أن المرأة فرحت بلقائه مرة أخرى. تحدثا كثيراً. كان حديثهما يتداخل بين المسائل الشخصية والعامة. لكنه أدرك أن المرأة متعلمة، بل مثقفة وحياتها كانت أغنى من حياته. قالت له المرأة إنها تعمل في شركة كبيرة للمنظفات ودخلها جيد. في نهاية الحديث دعته المرأة لزيارتها. قبل الدعوة واتفقا على الموعد.

في الموعد المحدد ذهب إلى بيتها الذي لم يكن بعيداً عن بيته. كان بيتها جميلاً ومرتباً وفيه أثاث يبدو أنه من النوع الغالي. رحبت المرأة به كثيراً. وكانت قد أعدت طاولة ببعض الأكلات الشرقية. جلسا حول الطاولة. وأخذا يأكلان بهدوء ويتحدثان أكثر. في الحقيقة كانت المرأة هي التي تتحدث أكثر. صبت شراباً أحمراً في كأسه وكأسها. مسكت كأسها وهو بدوره رفع كأسه. فطرقت كأسها بكأسه وقالت: بصحة تعارفنا. عندما شرب وجد طعمه مزاً، لكنه لذيذ.

عندما بدأ حديثهما يقل قالت له: ما رأيك أن أسمعك موسيقا شرقية. تعاملت مع كومبيوترها وفجأت انبثقت موسيقا شرقية من النوع الذي ترقص عليها الراقصات. كان يتفرج سابقاً على هذه الرقصات من خلال تلفزيونه. فجأة قالت له: وأنا أيضاً أعرف أرقص الرقص الشرقي. هل تحب أن أرقص أمامك؟ ودون أن تنتظر جوابه تخصرت بمنديل وبدأت ترقص. وجدها ترقص مثل تلك الراقصات. وصارت تقترب منه وتبتعد وتنحني بصدرها الكبير على وجهه أحياناً. عندما انتهت الموسيقا لفت رأسه بيديها وبدأت تشده نحو نهديها. كان صامتاً ومشوشاً. انحنت نحو رأسه وأخذت تقبله بحرارة. تذكر تلك المرأة التي كان يذهب إليها في القرية المجاورة. كيف كانت تقبله وتحتضنه وتبدأ بنزع ملابسه قطعة قطعة. سحبته المرأة من يديه إلى غرفة نومها. وبدأت هي الأخرى تنزع عنه ملابسه حتى أصبح عارياً. ومن ثم بدأت تنزع ملابسها رويداً رويداً وهي لا ترفع عينيها عن عينه. كان جسدها جميلاً رغم سنها. عندما نزعت آخر قطعة عن جسدها دفعته إلى السرير فوقعا معاً على السرير وأخذت تمارس شهوتها عليه. لكنه بقي جامداً، بل شعر أنه لا يملك أية شهوة. ورغم كل محاولات المرأة الخبيرة في الجنس فقد فشلت في استنهاض شهوته. كفت أخيراً عن المحاولة ونظرت إليه بعطف شديد قائلة: لا بأس فهذا يحدث أحياناً مع الرجال. قام من على السرير. لبس ملابسه. ودون أن يتكلم بكلمة خرج من عندها عائداً إلى بيته. ومنذ ذلك اليوم لم يعد يذهب إلى تلك الحديقة.

أثرت هذه الحادثة فيه كثيراً، مما زادت من شعوره بالغربة. بل لم يعد يطيق نفسه ولا يحب أن يلتقي بأحد ولا الذهاب للتجول في المدينة. مع مرور الأيام اشتدت هذه الحالة عليه. قال مرة هامساً مع نفسه وكأنه يتحدث لشخص ما: لا أنتظر شيئاً في هذا البلد سوى الموت وحيداً. لا أرى شروق الشمس ولا غروبها ولا أعرف الاتجاهات وكأني في دائرة. لقد  أصبح الموت هو المنتظَر الوحيد الذي أنتظره سواء طال أو قصر. واتخذ قراره. لماذا لا أذهب وأموت في قريتي؟.

في اليوم الثاني ذهب إلى الجهة المسؤولة عن اللاجئين وأخبرهم من خلال مترجمهم أنه قرر العودة إلى بلده. حاول المسؤول ثنيه عن قراره بأن بلده مازال غير آمن. لكنه أصرّ.

عاد إلى البلد الذي ركب فيه الزورق المشؤوم. ومن هناك استفسر من معارفه عن وضع بلده. قالوا له أن الحرب هدأت نسبياً في منطقتك، كما أن بعضهم رجعوا إليها.

بعد عدة أيام وجد نفسه عند العصر على مشارف قريته. عندما اقترب من القرية لاحظ أن بعض بيوتها مهدمة، ومنها بيته. وصل القرية فلم يجد أحداً. دار على البيوت حتى وصل إلى بيت العجوز Pîra Îs صاحبة البقرة. كانت العجوز قاعدة في مدخل بيتها محنية رأسها على صدرها وكأنها نائمة. قال لها: عمت مساء. رفعت العجوز رأسها ونظرت إليه مطولاً وهي تسأل: من؟ هذا أنت رمو!. متى عدت؟ ولماذا عدت؟. فهم من العجوز أنها هي وبيرا فيدو Pîra Fêdo  والشيخ العجوز Kalê Kemo ** هم الوحيدون الباقون في القرية. قالت: الجميع هاجروا يا ابني. منذ ثلاث أشهر لم نلتق بأحد. نحن نعيش على خيرات كم دجاجة وعنزة لدينا. اجتمع حوله الثلاثة وأخذوا يتحدثون عما جرى لهم وهو يتحدث لهم عما جرى له. عند المغيب قام وودعهم ليعود إلى البلدة القريبة التي فرّ إليها عندما هاجمت الكتائب المسلحة القرية. قبل الخروج من القرية مر على بيته المهدم. وقعد على بقايا جدار وهو يعود إلى تفاصيل ماضيه.

في صباح اليوم الثاني قامت Pîra Îs تكش عنزتها للرعي. لاحظت على بيت رمو المهدم شبحاً  ممدداً. ذهبت إلى هناك فوجدت رمو متمدداً على ظهره.  صرخت به: لماذا أنت نائم هنا؟ فبيتنا يتسع لك أيضاً. لكنها لم تسمع جوابه. نكشته بعصاها فلم يستيقظ. هزته بيديها فوجدته ميتاً. صرخت عالياً. فهرعت إليها بيرا فيدو Pîra Fêdo والعجوز Kalê Kemo وهما يصرخان بها: ما بك؟ هل لدغتك حية هذا الصباح؟ عندما وصلا إليها قالت لهم: إنه ميت.

كان الشيخ العجوز مريضاً وغير قادر على عمل شيء. فاضطرت العجوزان إلى أن تحفرا له قبراً بجانب بيته. وعندما انتهتا من حفر القبر جاءتا وفتشتا جيوب رمو، فوجدتا بعض النقود وهويته ودفتراً. قالتا للشيخ العجوز: ماذا نفعل بميراثه؟ قال الشيخ: هو وحيد، ولا يوجد له أحد سوانا. الدراهم نحن بحاجة إليها، أما الدفتر سنحتفظ به ريثما نجد من يتقن القراءة حتى نعرف ماذا دون فيه. والهوية لا أحد يحتاج إليها بعده، فضعوها على صدره في القبر.

————

*  Pira Îs: العجوز إس، وهو اسم كردي للنساء.

** Pîra Fêdo و Kalê Kemاسمان كرديان.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.