شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الحثيين.. من هم؟ ولماذا ندرس تاريخهم؟  لـ هانز ج. غوتيربوك ـ  ترجمة: ياسر شوحان

0 435

 

 

 

 

 

 

 

عاش الشعب الحثي في الأناضول خلال الألف الثاني قبل الميلاد، وخلال التاريخ الحديث تعرّفنا على لغتهم وتاريخهم وحضارتهم، أُخذ اسم الحثيين من العهد القديم لكن النصوص التوراتية لا تعطي الكثير من المعلومات عن الناس. كما لم يعرف الإغريق شيئاً عن الحثيين ولا حتى الاسم، حيث اكتُشفت آلاف الرُقُم الطينية بالقرب من بوغازكوي التركية (اليوم بوغازكالي) 150 ميلاً إلى الشرق من أنقرة في عامي 1906 ـ 1907 والتي مكّنت من استعادة هذا الشعب المنسي.

كُتبت نصوص الرُقُم الطينية بالخط المسماري البابلي وبعض نصوص بوغازكوي مكتوبة بالفعل باللغة البابلية، ومن الواضح أنه أصبح من خلالها معرفة أن الموقع كان عاصمة البلاد التي تُدعى حاتي. لكن معظم الرُقُم الطينية مكتوبة بلغة غير معروفة، ومن الممكن قراءة النصوص فيما إذا استطعنا فك شيفرة اللغة، ومن أجل تحقيق ذلك فقد نُشر عنها كثيراً، فقد حقق عالم الآشوريات التشيكي بدريتش هرزوني Bedrich Hrozny هذا التقدم خلال الحرب العالمية الأولى وتم نشر نتائجه بكتاب في عام 1917، ثم استغرق العلماء الألمان سنوات من العمل بعد الحرب في العشرينيات وأرسوا الأساس لما أصبح يُعرف الآن بعلم الحثيات.

ماذا تعلمنا من الرُقُم الطينية الحثية؟ بادئ ذي بدء أن اللغة الحثية تنتمي إلى عائلة اللغات الهندوأوربية، لقد كان اكتشاف هرزوني لهذا بمثابة مفاجأة كبيرة، وقد قوبل بعدم التصديق. ثانياً، عرفنا أن الرُقُم الطينية أيضاً تحتوي نصوصاً بلغات أخرى غير اللغة الحثية، ومن بين هذه اللغات نخص بالذكر ما يلي (بغض النظر عن اللغة البابلية التي سبق ذكرها): اللوفيانية وهي لغة أخرى من اللغات الهندوأوربية ذات صلة بالحثيين ولكنها لغة متمايزة في المنطقة الجنوبية والجنوبية الغربية من الأناضول، الحورية وهي لغة غير سامية تحدثوا بها في شمال بلاد ما بين النهرين وشمال سوريا، واللغة التي دعاها الحثيين باسم حاتيلي “لغة حاتي” فإنها تختلف اختلافاً جذرياً عما نسميه الحثيين، فهي لا تنتمي إلى أي مجموعة معروفة من اللغات ولا تزال غير مفهومة تماماً. المفارقة التي مفادها أن لغة حاتي (يُطلق عليها العلماء Hattic) تختلف عن اللغة الهندوأوربية المستخدمة في أرجاء بلاد حاتي (اللغة التي نُطلق عليها الحثية) ولا يمكن تفسيرها على هذا النحو، فلا بد وأن جاء متكلمو هذه اللغة إلى الأناضول من الخارج، تماماً كما جاء متحدثو اللغة الهندوأوربية إلى الهند واليونان وإيطاليا.. الخ. ولذا فإن تاريخ وصولهم هو في وقت ما قبل عام 2000 قبل الميلاد، ومن المحتمل أنهم جاؤوا من الشرق، واستقروا في بلاد تسمى حاتي، واحتفظوا باسمها على دولتهم الخاصة، وبينما طبقوا مصطلح حاتيلي على اللغة وجدوا أنهم يتحدثون بها هناك. ماذا بعد؟ هل سمي الحثيون بلغتهم الهندوأوربية؟ أطلقوا عليها (لغة نيسا) ونيسا هي كول تبة (حالياً كانيش بالقرب من قيسري) حيث يبدو أن الحثيين الهندوأوربيين حكموا لبعض الوقت قبل احتلال أرض حاتي، وسيطر الحثيين على معظم الآلهة الحاتية الرئيسية، وقاموا بتسجيل النصوص الحثية من أجل عبادتهم، ويُظهر لنا علم الآثار أيضاً الثقافة المادية للمملكة الحثية أنها تعتمد على ثقافة الفترة السابقة. والسؤال الذي طرحه كثيرون: من هم الحثيين؟ من أين جاؤوا؟ ومن الأفضل الإجابة على هذا النحو: هم سكان وسط الأناضول (سواء أكانوا من السكان الأصليين أو ليسوا كذلك فإننا لا نستطيع القول)، تحكمهم لغة هندوأوربية تحدثوا بها والتي جاءت من وطن هندوأوربي، حيثما ذلك قد يكون.

 

حاتوشا عاصمة الحثيين

 

ما هي أهمية دراسات الحثيين بالنسبة لنا؟ لقد أظهرت مدونات الحثيين تاريخ إحدى القوى العظمى في الشرق الأدنى، وهي إمبراطورية كان لها تعاملات سلمية وحربية مع آشور وبابل ومصر وغيرها ومن أبرزها أنها أخضعت شمال سوريا حتى مسكنة على الفرات جنوباً وقادش على نهر العاصي تحت سيطرته. وهجوم الملك الحثي مورسيلي الأول على بابل والمعاهدة الشهيرة بين حاتوشيلي الثالث من المملكة الجديدة ورمسيس الثاني. لقد وفرت مجموعة من القوانين حوالي مائتي مادة مواداً للمقارنة مع المواد القانونية الأخرى مثل قانون حمورابي والقوانين المستنبطة. وتقدم معاهدات الدولة الرسمية والرسائل الملكية نظرة ثاقبة في الدبلوماسية والقانون الدولي في تلك الفترة، وتجد في تاريخ الدين مادة غنية في النصوص الدينية العديدة، والتي تشمل الصلوات الملكية والطقوس السحرية والوصفات التفصيلية لأداء العبادة والأساطير، وتحدثت بعض الأساطير عن آلهة حاتية وهي آلهة الأناضول الأصلية، بينما تم استعارة آلهة أخرى من الحوريين الذين في فترة ما سيطروا على العديد من المواضيع البابلية، ووجدت في العاصمة الحثية ملحمة جلجامش البابلية ونسخة حورية وأخرى حثية والاثنتان الأخيرتان كانت عبارة عن أداء حر في الترجمة وليس ترجمات حرفية. من الممكن تتبع مفهوم الأجيال العديدة من الآلهة التي حكمت الكون واحدة تلو الأخرى من بابل من خلال ملحمة حورية ـ حثية (حوالي 1200 قبل الميلاد) وُجدت في بوغازكوي من عمل كاتب فينيقي قيل أنه عاش “في زمن حرب طروادة” إلى ثيوجوني للشاعر اليوناني هيزيود Hesiod في القرن الثامن قبل الميلاد، ربما وصلت هذه الأسطورة إلى الإغريق عبر الفينيقيين في القرن الثامن. ومع ذلك فإن وجود مستوطنات ميسينية على الساحل الغربي للأناضول يشير إلى احتمال أن هؤلاء الإغريقيين الأوائل كانوا على اتصال مباشر مع الحثيين الذين دمجوا المنطقة الساحلية ضمن إمبراطورتيهم قبل عام 1300 قبل الميلاد.

قبل وقت طويل من اكتشاف نصوص الحثيين، اكتشف العلماء نقوشاً صخرية بأسلوب غير مألوف في الأناضول ولم يستطع أحد التفكير في ذلك الوقت في نسب هذه النقوش إلى الحثيين، ومنذ بداية السبعينيات من القرن العشرين ظهرت في سوريا نقوشاً غريبة النوع تشبه إلى حد ما الهيروغليفية المصرية، لكنها كانت مختلفة عن الكتابة الهيروغليفية المصرية المعروفة. ومن الجدير بالذكر أن بعض النُصُب الصخرية في الأناضول كانت أيضاً مصحوبة بنقوش موجزة مؤلفة من علامات مشابهة. نظراً لتوزع هذا النص على منطقة يشتبه في أن الحثيين عاشوا فيها على أساس المصادر الكتابية المصرية والآشورية، فقد أُطلق عليها “الهيروغليفية الحثية”. وظلت محاولات فك شيفرة هذا النص غير ناجحة لفترة طويلة. ومرة أخرى فلا يمكن تضمين قصة فك الشيفرة هنا. إنما اسمحوا لي أن أذكر فقط أن زميلنا الأستاذ Gelb كان أحد الرواد في هذا المجال. فنحن نعرف الآن أن اللغة المكتوبة بهذه الحروف الهيروغليفية ليست هي اللغة الحثية بل لغة لوفيانية، لغة هندوأوربية مذكورة في بداية هذا النص. يرجع تاريخ معظم النقوش الهيروغليفية اللوفيانية إلى ما بين 1000 و 700 قبل الميلاد، وهي الفترة التي تلت سقوط الإمبراطورية الحثية، ويمكن أن يُعزى ذلك إلى حكام الدول الصغيرة التي قامت على نوع من التقاليد الحثية في جنوب شرق الأناضول وشمال سورية. وظلت المنطقة بأكملها تدعى باسم حاتي من قبل الآشوريين الذين سيطروا أخيراً على كل هذه الممالك الصغيرة. أما الحثيين المذكورين في الفترة الملكية الإسرائيلية فهم “الحثيون المتأخرون” كما نسميهم.

ومع ذلك فإن الحروف الهيروغليفية استُخدمت بالفعل من قبل الحثيين خلال فترة الألف الثاني قبل الميلاد سواء على الأختام أو على النُصُب الحجرية (الحثيين على عكس الآشوريين الذين لم ينقشوا المسمارية على الحجر). وتتألف نقوش الأختام على الأسماء فقط، ولا تُظهر أقدم الأختام التي تعود للقرنين السابع عشر والسادس عشر قبل الميلاد سوى رموزاً، لذلك لا يمكننا تحديد اللغة فيما إذا كانت حثية أم لوفيانية والتي تمثلها الهيروغليفية الأقدم. ولكن منذ النصف الثاني من القرن الثالث عشر تظهر لدينا نقوش ملكية طويلة بخط هيروغليفي مكتوب بشكل واضح باللغة اللوفيانية. ويمكن تفسير ذلك بافتراض أن اللوفيانية استُبدلت بحلول ذلك الوقت بالحثية كلغة منطوقة. إحدى الحقائق المهمة هي أن الملوك كان لهم أختام كُتبت عليها أسمائهم بكل من الهيروغليفية والمسمارية. وقد مكّن اكتشاف هذه الأختام ثنائية اللغة في بوغازكوي في ثلاثينيات القرن العشرين من تحديد عدد من النُصُب الأثرية لبعض الملوك العائدين للإمبراطورية المتأخرة (القرن الثالث عشر قبل الميلاد). وبمقارنة الأسلوب يكن عندئذ تأريخ أعمال فنية أخرى لنفس الفترة. وبمجرد أن تم تحديد فن عصر الإمبراطورية أصبح الفرق في الأسلوب بينه (القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد) وبين فن العصر الحثي المتأخر (1000 ـ 700 قبل الميلاد) أكثر وضوحاً. وقد استعار الإغريق من هذا الفن الحثي المتأخر بعض الزخارف التي يُطلق عليها أسلوب الاستشراق.

وبالعودة من اللغة الهيروغليفية اللوفيانية إلى اللغة الحثية للرُقُم المسمارية العائدة للمملكة الحثية علينا أن نشدد على أهمية الدراسات الحثية في اللغويات التاريخية من خلال أقدم الرُقُم الحثية المؤرخة لعام 1600 قبل الميلاد وهي إلى حد بعيد تعد أقدم النصوص المكتوبة في اللغة الهندوأوربية، وتعلمنا في السنوات الأخيرة التمييز بين الأشكال النحوية والتهجئات العائدة للفترة الحثية الأقدم (القرن السادس عشر إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد) عن تلك الرُقُم العائدة لفترة الإمبراطورية (القرن الرابع عشر والقرن الثالث عشر قبل الميلاد). ومن الواضح أن هذا التمييز مهم لعلم اللسانيات التاريخية لأنه يُظهر التغييرات خلال فترة محددة، وقد عرض قاموس الحثيين للمعهد الشرقي جميع أشكال العمل المصدق عليها ويشير بدقة إلى تاريخ الأمثلة الفردية. علاوة على ذلك فمن الواضح أن تعريف الكلمة المبني على سوء الادلة المتوفرة هو الأساس السليم والوحيد لفهم النصوص.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.