شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

قصتان من نيوزيلندا – ترجمة: عاطف محمد عبد المجيد

0 166

 

 

عاطف محمد عبد المجيد- شاعر وكاتب ومترجم، عضو اتحاد كتاب مصر

 

 

الفرَاشَات

 

قصة: باتريشا جريس

             

ضفّرت الجدة شَعر حفيدتها، ثم قالت لها: “خذي غداءكِ. ضعيه في حقيبتك. خذي تفاحتك. ستعودين فور انتهاء اليوم الدراسي. ستعودين فوراً إلى هنا”. ثم أضافت الجدة قائلة: “استمعي جيداً إلى المُعلّمة، افعلي ما تقوله لكِ”.

في الخارج، كان جدها ينتظرها على درجات السُّلّم، رافقها بامتداد الممر، ثم راحا يدلفان داخل الشارع.

أرسل الجد إلى أحد الجيران قوله: “حفيدتنا تذهب إلى المدرسة، هي تعيش معنا الآن”. فيرد عليه الجار قائلًا: “إنها في غاية الجمال، إنها في منتهى الظُّرف بضفيرتيْها الاثنتين”.

يُكْمل الجد: “وهي، بالإضافة إلى كل هذا، ذكية. إنها تكتب كل يوم في كراستها”.

– إنها في غاية الجمال، يقول الجار.

انتظرَ الجد في ممر المُشاة مع حفيدته، ثم قال:

“اذهبي إلى المَدْرسة. استمعي جيداً إلى المُعلّمة. افعلي ما تقوله لكِ.”

حين عادت الحفيدة من المدرسة، كان جدها يَعْزِقُ الكرنب، وكانت جدتها تقطف الفاصولياء. توقفا عن العمل.

” هل أحضرتِ كراستك معك؟.. سألت الجدة.

– نعم.

– هل كتبتِ قصّتك؟

– نعم.

– ماذا تقول قصّتك؟

– إنها عن الفراشات.

– حسنًا، خذي كراستك. اقرئي قصّتك”.

أخرجت الحفيدة كراستها من حقيبة كُتبها، ثم فتحتْها.

“لقد قتلتُ كل الفراشات، تقرأ. هذه هي أنا، وتلك هي كل الفراشات.

– وهل تُحب معلمتك قصتك، قولي؟

– لا أدري.

– ماذا قالت معلمتك؟

– قالت، إن الفراشات مخلوقات لطيفة. تظهر ثم تروح تُحلّق في اتجاه الشمس. وقالت أيضاً: تنتقل الفراشات من زهرة جميلة إلى أخرى جميلة. تضع بيضها ثم تموت. نحن لا نقتل الفراشات، هذا ما قالته”.

ظلت الجدة والجد صامتين لفترة طويلة، أما حفيدتهما، والكراسة في يدها، فقد انتظرت، دون أن تتحرك، في حرارة الحديقة.

يقول الجد: “لكونكِ ترين معلمتك، وهي تشتري كل كرنبها من السوبر ماركت، فهذا هو السبب”.

 

****************

 

(2)

 

قطعة صابون أصفر

 

قصة: فرانك سارجسون

       

الآن هي ميّتة، تلك المرأة التي كانت تمكث على عتبة مطبخها، وقطعة صابون أصفر في يدها. كنت موزع ألبان في ذاك الوقت، وكانت هي مَدينة بمالٍ للشركة التي كنت أعمل بها، وكنت مُكلَّف كل سبت بجعلها تدفع ثمن اللبن طوال الأسبوع، وكذلك مبلغاً محدداً تُسوّي به جزءاً من المتأخّرات. حسناً، لم أُحَصِّل منها أية نقود. وقد كان هذا من جراء قطعة صابون أصفر.

لن أنسى ما حييت صباحات أيام السبت. كانت المرأة تتغلّب عليّ. كانت تمكث هناك أعلى درجات السلم، وأنا في الأسفل، كانت تُقبل دائماً وقطعة صابون أصفر في يدها. كنا نتنافس. كنت دائماً ما أستهل حديثي معها بنبرة في منتهى الحزم. كي أكسب قُوتي، ألم أكن مُنظَّماً في انتزاع النقود لمصلحة هؤلاء الذين كنت أعمل في خدمتهم؟ لكنْ مِن هذه المرأة، لم أحْصُل على “مليم” واحد.

كثيراً ما كنت أقيم حُجتي، وكثيراً ما كانت أصابع المرأة تضغط بقوة على الصابون. تلك الأصابع تخرج خائرة القُوَى ومسحوقة. كنت أعرف جيداً أي إحساس قُضي عليها أن تكابده. لم أكن أحب، نفسي، حين كانت أصابعي خائرة القُوى ومسحوقة. كانت نظراتي تستقر على تلك الأصابع، وعلى الصابون، وبعد ذلك بدقائق أصبح عاجزاً تماماً عن النظر إلى وجه تلك المرأة. أغمغم ببعض الكلمات في نفسي، ثم أنصرف.

كنتُ غالباً ما أتساءل ما إذا كانت هذه المرأة تعرف أي نفوذ كانت تمارسه عليَّ قطعة صابونها الأصفر، وهل كانت تستخدمها كأداة مؤثرة مع بقية المُورّدين بالقدر الذي كانت تستخدمها معي. لم أستطع أن أمنع نفسي عن التفكير في كونها تعرف جيداً نتيجة فعلها لهذا.

أحياناً كنت أراها في الشارع، في غير أوقات العمل. لم تكن ترد عليّ سوى بنظرة قاسيةٍ قسوةَ الصخور. كانت لديها طريقة في التفتيش في حقيبة يدها حين تقابلني، وكانت دائماً لدي فكرة عجيبة أنها تنقل فيها قطعة صابون. كانت هذه هي تميمتها، القادرة على أن تُنجز المعجزات، أن تُنشئ حولها منطقة لن تتغلغل فيها أبداً القسوة الأكثر رعباً في الوجود. حسناً، الآن هي ميتة، تلك المرأة. إن كانت قد ذهبت إلى الجنة، فأنا أتساءل إذا ما كانت ستصل إلى الجنة وهي تضغط بيدها على قطعة صابون أصفر. شخصيّاً، لا أعرف إن كنتُ مؤمناً بالله وبالجنة أم لا، لكن إن كان الله كائناً محسوساً، فلا أشكّ إطلاقاً، في أنه استحى، وهو يرى قطعة الصابون الأصفر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** باتريشا جريس: روائية وقاصة وكاتبة أطفال من نيوزيلندا، ولدت عام 1937. حصلت على العديد من الجوائز الأدبية منها جائزة معرض فرانكفورت عام 1994، ووصلت روايتها قصة  خارجة عن المألوف إلى القائمة الطويلة لجائزة مان بوكر عام 2001، وحصلت في العام نفسه على جائزة كريرياما. من مؤلفاتها: أبناء العم، أنت، طفل بلا عيون، نيد وكاتينا.وقد تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات منها الألمانية والفرنسية.

** فرانك سارجسون: كاتب قصة نيوزيلندي ولد عام 1903 ورحل عام 1982. هو واحد من أهم كتاب القصة في نيوزيلندا، ويُعتبر أحد الذين وضعوا الأدب النيوزيلندي على خريطة الأدب العالمي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.