شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

ماري.. حاضرة وادي الفرات الأوسط ـ ياسر شوحان

0 512

 

 

 

تعتبر ماري من الحضارات القديمة التي عرفها الإنسان حملت تاريخاً وتراثاً وقد أوضحت ماري عراقة وتاريخ هذه المنطقة والدور الحضاري الذي لعبته.

لقد حظيت ماري باهتمام العلماء والآثاريين والدارسين والباحثين فترابها يحكي حكاية تاريخ المنطقة حيث أسفرت معاول المنقبين عن اكتشافات تاريخية مذهلة يعود تاريخها إلى أقدم العصور حيث كانت موطن الإنسان الذي خلف نماذج حضارية متكاملة. وكما دلت الرقم المسمارية على دورها الهام في إغناء المعلومات وإثبات عراقة الحضارة العربية في شتى المجالات، فالمدن المكتشفة دلت على ازدهار حضارات متعددة الأصول والتنوع والشهرة والآثار.

 

 

1 ـ الموقع الجغرافي:

تقع مدينة ماري (تل الحريري) على الضفة اليمنى لنهر الفرات في السرير النهري العائد لعصر الهولوسين، على بعد 11 كم شمال غربي بلدة البوكمال قرب الحدود السورية العراقية.

يأخذ شكل تل حريري الشكل البيضوي ويبلغ طوله 1 كم وعرضه 800 م في حين يبلغ ارتفاعه 15 متر. المدينة محاطة بسور دائري، وإلى الغرب من ماري ينتصب تل المدكوك وتل النفاض اللذان يعتبران بمثابة مراكز إنذار ومراصد للمدينة.

 

2 ـ تاريخ التنقيب والكشف:

اكتشفت مدينة ماري عن طريق الصدفة في عام1933م عندما كان بعض البدو يحفرون قبراً لأحد موتاهم.

بدأ الحفر في الموقع بإدارة العالم الفرنسي أندريه بارو عام 1933م واستمر حتى عام 1947م، ثم تابع من بعده جان كلود مارغرون منذ عام 1979م وحتى عام 2006 ليكمل أعمال التنقيب باسكال بيترلان منذ ذلك الوقت وحتى بداية الأحداث في سورية.

 

3 ـ ماري في  العصور المختلفة:

أ ـ في عهد الأكاديين:

اهتم حكام ماري بهذه المدينة في عهود الأكاديين، وقد أدركوا أهمية موقعها الجغرافي على الطريق الممتدة من الشمال إلى الجنوب بمحاذاة نهر الفرات، وفي مكان يعتبر نقطة انطلاق قوافل التجار باتجاه بلاد البحر المتوسط عبر بادية الشام.

ويبدو أن ماري لم تطق حكم الغريب على أهلها واستطاع (ميجير داجان) أن يعتلي عرش ماري، ويؤكد من جديد حرص مملكته على استقلالها، وكان (نارام سين) قد عهد إلى فتياته (شوما شاني) و(ميكيبار) بوظائف دينية ثقافية مؤكداً نفوذ الأكاديين الثقافي في مدينة ماري.

ب ـ في عهد الأموريين:

إن العصر الأول لازدهار مملكة ماري كان قد قضى عليه الملك (لوجال زاجيري) في منتصف الألف الثالث ق.م، لذلك فإن المدينة استطاعت أن تنهض وتستأنف أعمالها ونشاطاتها المختلفة حيث كانت تحكمها سلالة حاكمة أمورية جديدة اشتهرت بعدد من ملوكها وهم: (آبيل كين، نيوارمير، إيزي داجان، لغاس داجان، تورا داجان، بورزور عشتار، عيدي أيلوم، أيلوم إيشار، إيشمي داجن، إيشتوب إيلوم،  ياجيد ليم، سومو يمام، ياماش حدو، زمري ليم).

ج ـ في العصر الآشوري:

زودتنا نصوص ماري بمعلومات عن هذا العصر وأسماء الملوك في ذلك العصر مثل: (إيلا كبكابو، شمشي حدد، يسمع داجان، شمش رش أوزور، توكولتي مير).

د ـ في العصر الأخميني:

بعد وفاة (شمشي حدد) واستعادة زمري ليم عرشه ونفوذه الممتد إلى (شوبات إنليل) عاصمة شمشي حدد، قام زمري ليم بتعيين (حاجا آبوم) حاكماً على هذه المدينة، وبعدما قضى حمورابي على مملكة ماري وهدم هذه المدينة، ظهرت في المنطقة مدينة ترقا التي لعبت دورها كعاصمة مملكة خانا لمدة قرنين من الزمن في عصر نفوذ الميتانيين والكاشيين.

هـ في العصر الهلنستي:

بعدما قضى الاسكندر المقدوني على حكم الأخمينيين عام 331 ق.م  أصبحت ماري كقرية في إمبراطورية الاسكندر.

ولقد أراد قائده نيكانور أن يشيد مدينة جديدة في موقع آرامي قديم يتميز بأهميته الاستراتيجية عرفت تلك المدينة دورا اروبوس.

و ـ في العصر الروماني:

وبعدما قضى بومبه على حكم السلوقيين في سورية عام 64 ق.م كانت ماري قرية صغيرة قليلة الأهمية قرب مدينة دورا اروبوس التي كانت موضع صراع بين  الرومان والساسانيين.

 

4 ـ العمارة في ماري:

1 ـ العمارة الدينية:  

المعبد في المفهوم الشرقي القديم يعني بيت الرب، يؤدي به الإنسان العبادة وخدمة الأرباب وإقامة الشعائر والتقديس وتقديم الأضحيات وتكريس الهدايا وإقامة التماثيل لأشخاص بوقفات التعبد والتبجيل. وجميع المعابد في ماري شُيدت من اللبن.

أ ـ الزقورة:

وتقع بالقرب من القصر وهي أعلى مرتفع في المدينة، شيدت على غرار الزقورات في بلاد الرافدين، وكانت تحتوي على معبد فوق كتفها المشيدة باللبن يصله المرء بواسطة ثلاثة ممرات مدرجة. ويعود تاريخ بنائها إلى فترة أور الثالثة 2100 ق.م.

ب ـ معبد عشتار:

ويقع على حافة المدينة الغربية وكان المعبد متميزاً بمساحة واسعة وذات نتوءات بارزة التي تحتوي على منصات لتقديم القرابين وعلى قاعة للهيكل تقام فيه طقوس العبادة. وخصص المعبد لعشتار آلهة الحب والخصب والحرب في فترة ما قبل سرغون.

ج ـ معبد شمش:

ويقع في الشمال الشرقي من القصر ويتألف من باحة يحيط بها جدار ذو بروزات. وقد شيّد المعبد في فترة ما قبل سرغون.

د ـ معبد نينهورساغ:

ويقع في الزاوية الشمالية الشرقية للقصر إلى الشرق من معبد داجان. وقد أشاده الحاكم نيوأرمير في الألف الثالثة ق.م. وفي فترة لاحقة وُسِّع المعبد وأضيف إليه بوابة بعمودين تشبه طراز العمارة الشرقية وخصص المعبد لعبادة الآلهة التي تمثل الأم الحامية للأطفال.

هـ معبد داغان:

شُيد هذا المعبد في الألف الثانية قبل الميلاد إلى الجنوب من الزقورة. وقد سمي أيضاً معبد الأسود لوجود أسدين من البرونز كانا يقومان بحراسة المدخل. وعثر فيه على العديد من التماثيل والأسود الصغيرة. وعثر فيه على العديد من التماثيل والأسود الصغيرة. وخصص لعبادة الإله داغان الذي عبد في ماري وترقا ويوازي الإله إنليل عند السومريين.

 

2 ـ العمارة المدنية:  

أ ـ قصر ما قبل سرغون:

يعود تاريخ بناء هذا القصر إلى الألف الثالثة ق.م. ويقع هذا القصر تحت قصر زمري ليم في الألف الثاني ق.م. وقد أكدت الحفريات أن قصر الألف الثالثة (ما قبل سرغون) مُشيد من قصرين متطابقين فوق بعضهما البعض. ويختلف قصر زمري ليم عنه باتساعه وتعدد أقسامه.

يحيط بهذا القصر سور بارتفاع أكثر من ستة أمتار من جوانبه الثلاثة الغربي والجنوبي, مُشيد من اللبن وتتوسطه باحة مربعة الشكل تؤدي بواسطة معبدين إلى قاعة كبيرة. وللباحة ستة أبواب أخرى لسهولة الحركة والتنقل إلى الأقسام الأخرى.

 

ب ـ قصر زمري ليم:

اكتشف هذا القصر عام 1935م ويقع غربي الزقورة ويعتبر القصر من أهم القصور في بناء الشرق القديم، وقد ذاعت شهرته منذ الإلف الثانية ق.م، وتمنى كثيرٌ من الملوك أن يلقوا نظرة عليه لتحدثهم عنه باستمرار. وقد قال عنه الأب فنسان: (إنه درة الشرق القديم).

تبلغ مساحة القصر ثلاثة هكتارات ونصف، وشكله ليس مستطيلاً تماماً. ويضم 300 غرفة وعدد من الباحات الواسعة وقد أحيط بسور له مدخل واحد في الشمال، وعلى جانبيه برجان وكان يتقدمه  درج مبلط بالحجارة.

مخطط القصر الملكي في ماري

 

 

يجتاز الزائر للقصر مجموعة من الباحات الصغيرة والممرات المتعرجة ليصل إلى باحة سماوية كبيرة (49 × 33) متراً أطلقت عليها باحة النخيل. وتقع قاعة جلسات الملك على أحد أضلاع الباحة. ويستند إلى حائطها الجنوبي منصة منخفضة تدل على موضع العرش. وكانت القاعة مزينة بالرسم الجدارية الملونة تمثل مشهد التنصيب على العرش للملك زمري ليم ممسكاً بالعصا والحلقة رمزاً للسلطة تناوله إياها الربة عشتار بحضور بعض الأرباب.

ومن الباحة الرئيسة يتم الوصول إلى مختلف أقسام القصر، ومنها الباحة الثانية الكبيرة. والى الأجنحة الخاصة بالأسرة الملكية في الزاوية الغربية، وقد اختير هذا القسم لعزل الأسرة عن الضوضاء والأمور الإدارية، ولهذا الجناح باحة صغيرة وحولها 33 غرفة وحمامات مجهزة بمغاطس.

ومن ميزات القصر أن الملك يستطيع الانتقال إلى الأجنحة المختلفة عن طريق عدد من الأبواب. ففي الشرق باب يقود إلى المدخل الكبير وقاعة الجلسات معاً، وفي الجنوب الشرقي باب يصل إلى الباحة والقاعة. وفي الجنوب باب آخر يصل إلى الجناح الإداري  والمدرسة. وقد عثر في هذا القصر على مدرستين كانتا مجهزتين بمصاطب صغيرة مرئية تشبه ترتيب مقاعد الصف. ويشغل الموظفون في الجهة الغربية للقصر قسماً كبيراً منه.

إضافة للأقسام الرئيسة هناك جناح خاص بالخدم والمطابخ والمستودعات، وغرف خاصة بالضيوف ومعبد خاص بالقصر. وفي القصر غرف لحفظ الأرشيف الكتابي عثر فيه على ما يقارب عشرين ألف لوح كتابي من رسائل ووثائق سياسية وتجارية ونصوص دينية.

وتشير الدراسات أن القصر كان مليئاً بالمراجعين الذين يرغبون في مقابلة الملك. وكان الملك ملماً بكافة الأمور الإدارية والقانونية،  وكانت تعقد المحكمة بحضوره في القصر، وتجمع الضرائب وتسلم بحضوره والقطع الذهبية تحصى أمامه وكان يوجه مساعديه ليحل المشاكل مثل إرسال الأطباء إلى المناطق المهجورة أو الإيعاز بفتح الأقنية أو أماكن الكوارث الطبيعية التي تحل بالمملكة. وكانت الدعوات العامة تقام بالقصر وخاصة عيد عشتار.

 

5 ـ الفن في ماري:

أ ـ التماثيل:

نحتت هذه التماثيل بحيوية وواقعية تجاوزت مثيلاتها الرافدية، ويؤكد الطابع الديني لتلك التماثيل هو تلك الكتابات التي نقشت عليها وتحمل أسماء أصحابها والآلهة المهداة إليها. وقد صنعت هذه التماثيل من الحجر الكلسي المحلي.

وقد تم صنع نوعين مختلفين وهما:

ـ التماثيل العامة: نحتت حسب نظام موحد وأنتجه صناع محترفون  وباعوه لكل راغب ونماذجه متشابهة كثيراً.

ـ التماثيل الخاصة: نحتت لأشخاص معينين كالملوك والكهنة والقوّاد والكتاب والمغنيين.

لقد نحتت تماثيل الرجال غالباً، واقفين حفاة الأرجل، القدم اليسرى  أمام اليمنى، اليدين مضمومتين للصدر، النصف العلوي من الجسم عار، ويرتدي على نصفه السفلي مئزراً على شكل جلد الغنم (الكوناكس) ويشد الخصر حزام، وكانت اللحية طويلة أحياناً ولكن بلا شارب.

أما النساء فكن واقفات والقدمان على نفس المستوى، أو جالسات واليدان مضمومتان إلى الصدر، ويلبسن رداء يستر الكتف الأيمن. وقد ارتدت الكاهنة طاقية تشبه البيريه (بولوس)، وقد نزلت العيون بالصدف أو بالمواد الأخرى النادرة.

وهنك أنواع من التماثيل يختلط بها التمييز بيت الرجال والنساء لأنها غير ملتحية واللباس فيها موحد، مثل تمثال أورنانشي (أورنينا) الشهير فهل هو لمغن أو مغنية.. غير معروف!!.

أما التماثيل الخاصة فقد تميزت بحيوية كبيرة، ومثال على ذلك تمثال لمجي ماري الصغير الذي وجد في معبد عشتار ونقش على ظهره كتابة تغطي معظم الكتف والعضد العاري من اليمين، بينما يلف الكوناكس بقية الجسم، ويضم يديه إلى بعضهما، وتحيط برأسه عصابة مضفورة ومعقودة من الخلف.

كما عثر على العديد من التماثيل النصفية والرؤوس وجذوع التماثيل، وتماثيل زوجية هي الأولى من نوعها في سوريا.

تمثال ربة الينبوع:

وجد هذا التمثال في القاعة 64 من القصر الملكي مهشماً ورأسه في القاعة 106، طول التمثال 1،42 سم مصنوع من الحجر الكلسي البيض وهي تمثل امرأة يدل على ألوهيتها القرنان اللذان يتوجان رأسها، وترتدي ثوباً مهدباً يصعب التعرف إلى تفاصيلها ويظهر وكأنه يرتدي رداء داخلي كان يغطى بثوب خارجي تحت صدرية ذات شراشيب، وتُشاهد على الثوب سمكات صاعدة وهابطة تسبح في مياه تفيض من إناء تمسكه الربة بكلتا يديها لذلك سمي التمثال (ربة الينبوع) وتُزين معصمها وعنقها وأذانها الأساور والأطواق والأقراط، وتتدلى على كتفييها ضفيرتا شعر كثيف، عيونها وفمها وأنفها جميلان وقد صمم وجهها برقة وعذوبة نادرة في تاريخ الفن القديم، ويوجد داخل التمثال قناة كان يمر فيها الماء من خلالها أثناء الحفلات قادمة من خزان مرتفع، رمزاً لقدرة الإلهة على جلب الخير والعطاء.

تمثال آلهة الينبوع ( الأصل محفوظ في المتحف الوطني بحلب )

 

 

وقد عثر على العديد من التماثيل البرونزية التي جسدت آلهةً أو بشراً بينها الأسود البرونزية التي كانت تربض على أبواب معبد دجن وهي تقف منتصبة القامة فاغرة  الفاه جاحظة العينين تثير في أعماق الداخل إلى المعبد الرهبة والخشوع.

ب ـ الرسومات الجدارية في قصر زمري ليم:

إن أهم ما يُشتهر به قصر زمري ليم هو الرسوم الجدارية الملونة وقد عُثر على هذه الرسوم في القاعات (132،106،220،34) واستُخدمت في الرسم الألوان البيضاء والسوداء والحمراء على خلفية من ملاط  كلسي.

وعلى جدار القاعة 106 ويسمى لوحة التضحية يُظهر المنظر موكباً يسير على رأسه رجل مهيب اكبر من الجميع بردائه المشرشب وقبعته المميزة، ويسير خلفه ستة رجال أصغر يرتدون لباساً مشابهاً للرجل الرئيسي ويقودون ثورين زينت قرونها بطبقة رقيقة من الذهب.

وأهم الرسومات مشهد تنصيب زمري ليم: حيث نُفذ هذا المشهد بثلاث ألوان (الأبيض، الأسود، الأحمر) وعلى إطار /250 × 175 / سم، رسمت المشاهد في ثلاثة حقول طولانية.

ويظهر مشهد التنصيب في الوسط يحيط به من الجانبين مشهدان متماثلان ولقد وزعت المشاهد في الحقل الأوسط في حقلين أفقيين مستقلين، ففي الحقل الأعلى نرى الملك زمري ليم بردائه المشرشب الجميل وعلى رأسه القبعة الملكية (البولوس), ويتسلم بيده اليسرى الحلقة والعصا رمز للسلطة من الربة عشتار التي تقف على حيوانها المفضل الأسد، ويرفع الملك يده اليمنى محيياً بينما تقف خلف الربة عشتار وزمري ليم إلهة أخرى تراقب هذا المشهد وتباركه.

وفي الحقل الأسفل ظهر مشهدان متماثلان متقابلان، وفيهما ربتا ينبوع متقابلتان ترتديان ثوباً مهدباً تحملان كل منهما أناء تخرج منه المياه ترافقها النباتات والأسماك رمز الحياة، ويحيط  بمشاهد الحقل الأوسط مشهدان متماثلان نرى فيهما شجرة نخيل طويلة تحرسها ثلاثة كائنات خرافية مجنحة يليها شجرة أخرى يتسلقها رجلان ويفر منها طائر مذعور وخلف الجميع تقف آلهة ترفع يديها بابتهال تبارك المشهد وتحميه.

ج ـ النحت النافر:

لقد تواجدت آثار النحت النافر بشكل قليل في هذه المملكة، فقد عثر على بعض اللوحات الحجرية النذرية التي كانت تقدم للآلهة في المعابد لتبارك أصحابها ومنها:

ـ لوحة تمثل وليمة وجدت في معبد عشتار.

ـ بقايا لوحة مكسرة في القصر الملكي من الحجر الكلسي  مقسمة إلى ثلاث حقول متتالية وكل قسم إلى ثلاث مربعات ويحيط باللوحة إطار نافر وقد نحت ضمن كل مربع مشهد.

ـ عثر في القصر على منحوتة حفر عليها بشكل غير عميق مشهدٌ حربي.

د ـ فن التطعيم:

عثر في ماري على العديد من اللوحات التي نُفذت مشاهدها بالتطعيم على الأحجار النادرة الملونة، واستخدم في تنفيذ هذه المشاهد الصدف والعاج على خلفية من القار أو أحجار أخرى مختلفة، ومنها: لوحة عثر عليها في معبد دجن ذات إطار مستطيل  قسم إلى ثلاث حقول تفصل بينها أشكال هندسية هي نفس الأشكال التي تحيط باللوحة  تظهر صف من المتعبدين يتقدمون نحو شخص يحمل وعاء نذري، أما في الحقل الأسفل فيظهر صف من النساء الكاهنات يرتدين ثوب الكوناكس، وفي الحقل الأخير مشاهد من الحياة اليومية.

وفي معبد شمش عثر على لوحة مستطيلة يحيط بها إطار هندسي  نفذ في وسطها منظراً واقعياً لتقديم الأضاحي.

إضافة إلى بعض الموضوعات الدينية فقد نفذت موضوعات حربية مدنية كالعربة التي يقودها شخصان ويجرها حصانان.

6 ـ أهم المكتشفات في ماري:

أ ـ الأرشيف الملكي:

من أروع الاكتشافات التي تمت في ماري اكتشاف السجلات الملكية التي تؤلف مكتبة تضاهي مكتبات نينوى أو تللو أو أوغاريت أو بوغازكوي.

وبعد اكتشاف ثلاثة تماثيل تحمل كتابات منقوشة في معبد عشتار اعتُقد أن أهل ماري لم يكن لديهم ميل إلى الكتابة.

ففي 6 شباط من عام 1935م تم الكشف عن ثلاثمائة لوحة مسمارية تحت جرة محطمة.

وفي عام 1935م عثر على خمس وعشرين ألف لوحة مسمارية عثر عليها في أنحاء القصر الملكي غير أنها تكدست بشكل خاص في القاعتين 115و 108 أو في الخزائن الجدارية  أو تراكمت على الأرض.

إن لوحات ماري أشبه ما تكون بوثائق وزارة الخارجية في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وقد أدت سجلات ماري إلى تصحيح تاريخ الألف الثاني قبل الميلاد.

ب ـ كنز أور:

عُثر على هذا الكنز عام 1956م في الباحة رقم 26 من قصر الألف الثالث قبل الميلاد، وهو عبارة عن جرة سليمة عثر بداخلها على ما يلي:

ـ خرزة من اللازورد ثمانية الوجوه (17.8 × 1.9) سم، كتب عليها بخط مسماري أنها هدية من ميزانيبادا ملك أور إلى إله ماري في زمن غانسود (آنسود) ملك ماري.

ـ نسر برأس أسد (آنزو): الرأس والذيل من الذهب والعيون منزلة وبقية الجسم من اللازورد المحزز على شكل معينات وعليه ثقوب كان يثبت بها النسر بخيط وهذا الشكل هو شعار الرب نينجرسو الرافدي.

ـ تمثال برونزي لآلهة تقف عارية: (11.3 × 3.2 × 0.3) سم، عريضة الأكتاف والأرداف، خصرها نحيل وساقاها رفيعتان، ذراعاها يمتدان إلى الأمام ربما كانت تحمل بيدها شيء ما، طُلي جسمها بطبقة من الذهب والفضة، وعلى رأسها قرون الألوهية، شعرها من الفضة مصفف مثبت بالقار تحيط بها عصابة من الإلكتروم، عيونها واسعة منزلة بالصدف، والبؤبؤ من حجر اللازورد، سُرتها وحلمات ثدييها منزلة بالذهب.

نهاية ماري:

لقد ماتت ماري عندما طعنها جنود حمورابي في الصميم حيث هبطت إلى الجحيم، وها هي تصعد منه أكثر تألقاً من أي وقت مضى.

أي أن ماري موت ويقظة، هذه الصورة تعرضها علينا ماري عندما ماتت على يد بني الإنسان من رجال الألف الثاني قبل الميلاد، ويقظة بفضل رجال العلم في القرن العشرين بعد الميلاد.

لكن ما لاقته ماري على يد التطرف كان أقسى من كل ما مرت به من تدمير من قبل، فكانت الجرافات قد جاءت على ما تبقى من آثار فيها فلم يعد هناك قصر ولا أسوار، ولن يكون بالإمكان متابعة أعمال التنقيب فيها إلا بجهود دولية وجمع لمعظم ما تم تهريبه من آثارها خارج البلاد، وعسى أن تعود إليها معاول الآثاريين لتشرق شمس ماري من جديد.

………………………………………….

المراجع:

1 ـ بارو، أندريه: ماري، ترجمة: رباح النفاخ، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، سورية، 1985.

2 ـ المحمود، أسعد: دليل موقع ماري الأثري، بروشور للدلالة السياحية.

3 ـ شعث، شوقي: العلاقة بين مملكتي ماري ويمحاض في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، مجلة الحوليات الأثرية السورية، المجلد 34، لعام 1984.

4 ـ مرعي، عيد: تاريخ بلاد الرافدين.

5 ـ مجلة الحوليات الأثرية السورية، عدد خاص عن “الندوة الدولية لتاريخ دير الزور”، 1983 (مجموعة من الباحثين).

6 ـ كونه، هارتموت. المحمود، أسعد:  الأنهار والبوادي في وادي الفرات (دليل المتحف الوطني بدير الزور، مطبوعات ألف باء الأديب، 1995.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.